القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 109 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

رواية: السرير

 
الأثنين 12 نيسان 2021


خالد إبراهيم

بعد عناء طويل، وعدم وجود إمكانية لتوفير المتطلبات لصناعة سريرا وعشّاً دافئاً، انتهيتُ مِن صناعته، أنهكتني أسماء المواد التي بنيت بها هذا القصر الجميل، ولأنني لا أجيدُ الألمانية تعبتُ كثيراً بلملمة الحديد ومواد الطلاء، بعد سبعة أعوامٍ يا طفلتي أكتشف أباكِ أنه لا شيء، سطرٌ فارغ، بالونٌ بأربعة أطراف، سهمٌ عاش بلا هدف، من المعيب أن تبقى سبعة أعوامٍ في دولةٍ ولا تتقن لهجتها، قالها لي طبيبٌ صديق ثم أختفى.
أنهيتُ لكِ سريركِ الحديدي، إنه يُشبه القفص، ولكنه جميلٌ بما يكفي عصفورةً أنيقةً مثلكِ، وتقصدتُ صناعته، ليسَ لأجل توفير المال يا أبنتي، اسألي عن أباكِ، على العكس تماماً فقد كلفني ثمن سريرين من الخشب، سريرين مع أثاثهما، من شراشف، ومخدات، وأغطية، وإسفنجات.


تقصدتُ إنشاءه بيديَّ كي تعلمين كم أحبكِ، ولطالما تسبب لي هذا السرير الكثير من الحيرة والمِنّةَ، حيث لم اكن أملكُ مكاناً، ولا عِدةً صِناعيةٍ، والمال الكاف لإنهائه بسرعة، وأنا الذي يُعرف عني بسرعتي في العمل، ومثل هذا القصر الجميل لا يقف أمامي سوى ثلاث ساعات أو أربعة، في حين أنني انهيته في ثلاثة أشهر ربما، كنتُ أختلس العمل أثناء غياب رب العمل، أحياناً كنت أعمل به في اليوم ربع ساعة.
لا يهم يا طفلتي، الآن وبعد هذا العناء، ها هو سريركِ ينتظركِ بشغف، تعالي وتلمسي فرحة أباكِ، حزنه، بكائه، انتظاره لكِ، تعالي وتلمسي هذا الحديد المعجون برائحة يديَّ، برائحة عرق جسدي وثيابي، هل تسمعين دقات قلبي على هذا السرير؟
وجهي معجونٌ بعمق هذا الطلاء، مزدحمٌ ببراءتك وصخب صوتكِ وبحة بكاءكِ 
أعلمُ أن عينيكِ ستدور في المكان، يساراً يميناً، وتبحثين عني كلما سمعتِ صوتي، اعلمُ أنكِ ستتمتمين(بابا، بابا)، وسيعجُّ المكان ضحكاً وصخباً، و ستلهثين فرحاً عند رؤياي، وبعد شهور، ستسابقين الزمن زاحفةً نحوي، تقبلين صدري، وجهي، وستنظرين إلى هذه الأيادي التي صنعت لكِ هذا العش البدوي الجميل، ستطلبين مني أشياءٌ وأشياء.
وأنا أبقى مُحلقاً بوجهكِ الذي يحمل كُل ملفاتي، اجتياحاتي، حرائقي، انتصاراتي، أحزان عمريَّ الفائت، فرحتي التي تلتهب بيديكِ، رقصات قلبي وأنتِ في حضني الواسع، تقعين به مثل حرف جميل مُبتسم، وسأسكب الشاي لنفسي وأنتِ التي ستخربين جلساتي، ستقطعين أوراقي، ومكتبتي الصغيرة، و أركض ورائكِ ولا أصل، حيث ستبدين مثل نجمة الصبح العليل، ستكسرين أقلامي، وتسحلين حقيبتي البنية اللون في أرجاء البيت غرفةً غرفة، سأبحث عن سجائري ولن أجدها إلا في سلة الزبالة، سأبحث عن زجاجة عطري ولن أجدها.
ستكونين ذات ابتسامةٍ تضاهي كل أيام عمري الفائت، ستحتلين الأماكن كلها، أماكن الغير( النسب، المِلّة) ستكونين أميرة هذا الفؤاد لا غير، وبعد أعوامٍ يا طفلتي، ستكبرين مثل الوردة، و ستطلبين الخروج إلى الملاهي والحدائق و ربما المقاهي، ستعشقين ركوب السيارات، والدراجات الهوائية، ستكونين ساعي البريد الذي يزوّدني بالفرحة والسعادة.
طفلتي العزيزة
على كاهلي آلاف الخناجر، والمشارط، مُراقبٌ من كل شيء، وتراقبني كُل الأعين والأصابع، في كل الأوقات، أنظرُ لنفسي كمتهم، يراقبني كوكل، واليوتيوب، كاميرات المنازل، في كل غرفة صرخة، تراقبني عجلات السيارة، ومقودها، والمقاعد، تراقبني النوافذ وورق الجدران والسكاكين والمعالق، ثلاجة البراد، سلة الزبالة، مسطبة الأحذية والكتب، مهددٌ بالانزلاق نحو عمق العتمة الباردة،  مُثقلُ بالخطايا، وسلالي مزدحمة بالعصافير الخائفة، مثل وطنٍ مهدد، مثل أشياء مهددة بالانقراض.
أحملُ رايات نصرٍ مزيف، لحربٍ مزورة، هكذا سأكتب لكِ كُل الأماكن التي بكيتُ بها، ونمتُ فيها، ومشيتُ عليها، وانتظرتُ أصدقاءً بها وخذلوني ولم يأتوا، سأدون لكِ كل شيء يحسسني بالبراءة والرجولة و الكرامة يا ابنتي، سأنقشُ سيئاتي قبل حسناتي، هكذا مثل طرحة عروس منقوش عليها أسماء الله الحسنى وبينهم أسمي، ولا أخجلُ من شيء اقترفته يداي، لستُ ظالماً ولستُ مظلوماً، وإنما سفاح البابونج وزهرة الغار البرية.
ألم الروح يغطي على ألم الجسد يا طفلتي، هناك خطايا يسترها الظلام، وأخرى تُرمى تحت سِترِ الظلام،    
  وأخرى مفضوحة قد تقصدها البعض وأخرجها للعلن، لم يبقَ من خفقِ رايتي صرخة
أو تخوم صدىً مهيب، يضحكُ بوجهيَّ الذابلُ الحسد، تعبثُ بيَّ الريحُ والمطرُ، لأبقى في سماء الانتظاراتِ المٌتعبة، صرخة حائرة، لا أعرفُ العدو مِن الصديق، في الشوارع أبحثُ عن ذاتي، جسداً مهزوما ومكسور
لماذا يحلُّ الليل حزينا كئيباً؟
تعالي يا وجعي، لأتسلق خيوط العتمة، وأنسجُ جدائل القهر والوداع الأخير، لم يبقَ من خفقَ رايتي صرخة
بقيتُ وحيداً بلا مأوى، أنهضُ مهزوماً، والنجوم تتساقط نحو صوتي المبحوح، ليبقى الظلام خلف الفجر المتساقط فوق الأرصفة والطرقات، يا تلكَ النوافذ والعيون، يكفي تقذفين سهام الصمت المهيب، سيسقطُ النهار، وستموت بلابل الشوق 
على ضفاف الرحيل والعدم 
نعم يا ابنتي، لا تكوني مثلهم، ولا تصدقي أحداً، احبيني، اشتاقي اليَّ في الدقيقة ستون مرة، وفي الثانية ستون مرة، وفي المرة الواحدة ستون غيمة ستطفو بأنفاسي حول عنقكِ الجميل، ولا تضعفي ذات يوم، ولا تقولي كان خائناً ولم يزل
لم أخن أحداً بقدر خيانتي لنفسي، ولقلمي المتصبر المتصدع، الجميع خانني ولم ينتبه عليهم أحد
ارفعي أصابعكِ العشرة، واصرخي بوجه النسبِ والمَلِة، والملاعين والقوادين، وقولي هذا أبي، هذا هو الكتاب الممزق والقصيدة المخبأة منذ ولادة أول سنبلةٍ في التاريخ، قولي لهم واسحبي السيف من غِمد اليقين وشديني كحلم، اعصريني كبرتقال بين شفتيكِ، شمي آثار خيالاتي وأنّات الليالي المسلوخة، أنثري جسدي على رصيف لقياكِ وقولي 
أنتَ أبي 
-------------- 
(مقطع مِن رواية الاوسلندر) 

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 4
تصويتات: 4


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات