“البرابرة النبلاء  bons sauvages ” في خدمة الإمبراطورية: الكُرْد في المخيلة الروسية خلال الحرب العالمية الأولى، 1914-1917

أليسا شابلوفسكايا
النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود

” أليسا شابلوفسكايا: معهد باريس للدراسات السياسية (حرم لو هافر الجامعي)”

( يبدو أن قراءة هذا المقال صالحة لقرن قادم وأبعد كُرْدياً. المترجم )

جدول المحتويات
1-“تجنيد” السكان الكُرْد كأصل استراتيجي
2- الكُرْد كقوة موازنة للنفوذ الأرمني المتزايد
3-الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية
4- خاتمة

 

رغم أن الاهتمام الروسي بالكرد كان عاملاً جيوسياسياً ثابتاً منذ بداية القرن التاسع عشر، سوى أنه لم يتبلور قط في عقيدة سياسية أو ترتيب مؤسسي. يتناول هذا المقال أسباب فشل السياسة الروسية تجاه الكُرْد من خلال منظور الذوات الإمبريالية المتورطة في استغلال السكان الكُرْد خلال الحرب العالمية الأولى. ومن خلال دراسة الاختلافات المؤسسية والتحولات في التفكير الاستراتيجي، سنسلط الضوء على تأثيرها في صياغة القضية الكردية. تشمل هذه الأساليب تصوير الكُرْد كـ”أمة محارِبة nation martiale “، وخطاب “الخطر الوجودي danger existentiel  ” المتعلق بالنفوذ الإقليمي الأرمني، والنظرة الاستشراقية الكلاسيكية للمناطق القبلية المهمشة. وبينما تأثر الخطابان الأولان بشدة بالهويات الإمبراطورية للإدارة القيصرية، فقد مثّلت الأطروحة الاستشراقية عمومًا حلقة وصل خطابية في التواصل بين المؤسسات. ويخلص المقال إلى أن التباين المؤسسي لأنصار التقارب الروسي الكردي، فضلًا عن مخيلتهم الاستشراقية، هو ما حال دون استغلال السلطات القيصرية للوعي القومي الكردي الناشئ استغلالًا فعالًا. 

ورغم أن اهتمام الإمبراطورية الروسية بالقضية الكردية كان غير محدد المعالم، ومتغيرًا، وخاضعًا لمتغيرات السياسة الخارجية للإمبراطورية، إلا أنه ظل ثابتًا لا يُنكر في مشاريع التوسع الروسي. إذ منذ مطلع القرن التاسع عشر، الذي تميز بالتوسع الروسي الهائل جنوبًا والذي أشعل سلسلة من الحروب مع إيران القاجارية والإمبراطورية العثمانية، ازدادت حدة الاتصالات بين المسؤولين العسكريين والإداريين الروس والكُرْد. بين مطرقة الطموحات التوسعية وسندان السياسة الحذرة الرامية إلى تأمين حدودها، بدأت الحكومة الروسية في السعي للحصول على دعم سياسي من الكُرْد، وبالتالي حشدتهم في وقت مبكر من حرب القرم، بين عامي 1853 و1856. مثّلت الحرب العالمية الأولى ذروة التقارب الروسي الكردي، جاذبةً السكان المحليين إلى دوامة من العنف برزت منها قوميات كردية وأرمنية جديدة كقوى سياسية مؤثرة. مع ذلك، تدهورت العلاقات بين الروس والكُرْد بسرعة خلال الصراع العالمي، وخرجت الإمبراطورية القيصرية من الحرب دون أي دعم شعبي في منطقة الحدود الإيرانية العثمانية. يُعد التناقض العميق بين طموحات روسيا التاريخية في الأراضي الكردية وعدم اتساق سياستها تجاه الكُرْد خلال الحرب العالمية الأولى محورًا أساسيًا لهذه الدراسة.

نظراً لإهمال الاستراتيجيين الروس لإمكانيات تحالف روسي-كردي واسع النطاق، نقترح هنا وضع تناقضات الخط الاستراتيجي الروسي والمفاهيم الأساسية للفكر الكردي القيصري، التي غذّت الشكوك الأكاديمية والسياسية الروسية تجاه الإمكانات الكردية، في سياقها الصحيح. ولتقييم الترابطات الاستراتيجية والخطابية، سنعتمد على نموذج “المعرفة-السلطة  savoir-pouvoir  ” (فوكو، 1975)، الذي شهد تطوراً ملحوظاً في العقود الأخيرة. تُظهر الأدبيات النظرية الغزيرة أن التصور الخطي للعلاقة بين “المعرفة” و”السلطة”، حيث تُصاغ “السلطة” سياستها وفقاً لـ”المعرفة” الموضوعية، يعجز عن وصف عمليات التواصل والتكيف الضرورية لصنع القرار السياسي. لذا، نشير هنا إلى “المعرفة” الانتقائية، التي تؤدي دوراً في إضفاء الشرعية، فضلاً عن مفهوم الخطاب التعددي والانتهازي، وفقاً لهاري جونز (جونز، 2009). تساهم الذاتيات والنزعات الانتهازية في ظهور خطاب جديد، ولغة هجينة جديدة، كما أوضح صالح أكين في دراسته للخطاب في سياقات الحرب (أكين، 2016). ويؤدي تداخل آثار الحرب مع الذاتيات (الجهات الفاعلة) المشاركة في صنع القرار السياسي (أدلر-نيسن، 2016: 92-103) إلى ظهور خطابات متوازية أو متنافسة، تُنتجها وتوظفها جهات فاعلة مختلفة وفقًا لمصالحها وتوقعات الحرب.

 

في تحليلنا لتناقضات سياسة روسيا القيصرية تجاه الكُرْد، ننطلق من ثلاثة خطابات مترابطة حول الكُرْد تشكل جزءًا من مصفوفة التعدد اللغوي الإمبراطوري الروسي (جيراسيموف وآخرون 2009: 20): الكُرْد كـ “أمة (عرق) محارب” – وهو المفهوم الذي ظهر مع تأكيد الأمم الإمبراطورية الروسية والبريطانية (ستريتس 2004؛ راند، فاغنر 2012: 232-54)؛ الكُرْد كضحايا لصعود النفوذ الأرمني في سياق تسييس المسألة الأرمنية في كل من الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية (سوني 2015؛ أونول 2017)؛ الكُرْد كتجسيد للآخر الشرقي، المستبعد من مجال “الحضارة  civilisation ” و”الحداثة modernité  ” (جيرسيلد 2002). ساهمت هذه الخطابات الثلاثة، التي كانت حاضرة بالفعل في نصوص علماء الكرد في عهد القيصر، في تصاعد التوترات الإقليمية من خلال توظيفها الانتقائي من قبل جهات فاعلة ومؤسسات انتهازية. وهكذا، وعلى الرغم من أوجه التشابه العديدة بينها، شكلت هذه الخطابات الثلاثة أساسًا نظريًا شديد التباين لعلم الكرد الروسي، حيث عزز تعدد مناهجه التباينات المؤسسية.

لم يتناول التأريخ L’historiographie الخاص بالقضية الكردية مسألة فشل روسيا في المرحلة الأخيرة من الإمبراطورية، وهو أمرٌ ليس بمستغربٍ بالنظر إلى ندرة المصادر حول هذا الموضوع وصعوبة الوصول إليها. وقد استعان أحمد في دراسته عن الكُرْد في الحرب العالمية الأولى (أحمد، 1994) بالخطوط العريضة الأولى للسياسة الروسية تجاه الكُرْد، التي وضعها لازاريف (لازاريف، 1972). إلا أن الطبيعة التجميعية لهذه الأعمال المبكرة لم تسمح بتطويرٍ شاملٍ لمشكلة التدخل الروسي، والتي جرى تجسيدها مؤخرًا في شكل سردياتٍ سيرية récits biographiques (بروينيسن، 2006؛ رينولدز، 2011؛ ​​أتماكا، 2017) أو دمجها في مجموعةٍ أوسع من الدراسات حول الإمبريالية (رينولدز، 2011؛ ​​ماكميكين، 2011). وفوق كل ذلك، لا بد من التأكيد على إسهام رينولدز الذي لا يُنكر في دراسة السياسة الإقليمية الروسية. مع ذلك، فإن التركيز على استغلال القوى الإمبريالية لسكان المناطق الحدودية عزز تصورًا جامدًا للإمبراطوريات، لم يعكس التنوع الهيكلي للوجود الروسي في المنطقة. وقد أشار هولكويست إلى هذا القصور، موضحًا التحديات والقيود المتعددة التي فُرضت على مختلف السلطات الروسية خلال الأعمال العدائية على جبهة القوقاز (هولكويست 2011، 2013، 2015). وبتركيزه على بنية آلة الحرب الروسية، لم يتناول عمل هولكويست التناقضات الخطابية المصاحبة للخيارات الاستراتيجية الروسية. في الواقع، كان تحويل “المسألة الكردية” إلى “المسألة الكردية الأرمنية” خلال الحرب العالمية الأولى (بوزارسلان 1995) محورًا أساسيًا في اهتمامات الاستراتيجيين الروس. إلا أن غياب تأريخ شامل للعلاقات الكردية الأرمنية يحد من دراسة هذا التحول في الإطار الخطابي الذي حدده تأريخ الإبادة الجماعية للأرمن. علاوة على ذلك، لم تخضع الدراسات الكردية في عهد القيصر لدراسة تفصيلية تُؤطّرها في سياق التوترات الإقليمية.

 

في هذا العمل، نعتمد بشكل أساسي على ثلاثة مؤلفات في الدراسات الكردية كُتبت عشية وأثناء الحرب بين روسيا والإمبراطورية العثمانية: “في حياة الكُرْد” لفلاديمير غوردليفسكي (غوردليفسكي، 1914)، و”ملاحظة موجزة عن تنظيم الكُرْد واحتياجات الكُرْد الروس” لكونستانتين سميرنوف، و”الكُرْد: ملاحظات وانطباعات” لفلاديمير مينورسكي (مينورسكي، 1915). كما نستشهد بمذكرات المستشرق فاسيلي نيكيتين (نيكيتين، 1941)، التي يروي فيها انطباعاته خلال الحرب العالمية الأولى. أما المصادر الأرشيفية التي استخدمناها لوضع العمل الأكاديمي المذكور آنفًا في سياقه، فهي في المقام الأول من أرشيف السياسة الخارجية للإمبراطورية الروسية (AVPRI). على الرغم من أن مقتنيات أرشيف الدولة للبحوث السياسية والإعلامية (AVPRI) تضمّ مجمل المراسلات الدبلوماسية الروسية، إلا أن صعوبة الوصول إليها دفعتنا إلى الرجوع إلى أرشيفات أخرى تتداخل مجموعاتها مع مجموعات AVPRI، ولا سيما أرشيف الدولة الجورجي (SSTsA). ويحتفظ المركز الوطني الجورجي للمخطوطات (SKheTs) ومعهد المخطوطات الشرقية (IVR) بالأوراق الشخصية لأندريه سميرنوف وفلاديمير مينورسكي على التوالي. كما يحتوي الأرشيف الحكومي الروسي للتاريخ العسكري (RGVIA) والأرشيفات الفرنسية على وثائق شاملة حول تلك الفترة. ورغم وجود العديد من الثغرات في معرفتنا بالتاريخ الكردي، فإن هذه المصادر تُتيح لنا فهم عملية التفاوض بين وكلاء الإمبراطورية والجهات الفاعلة المحلية، والتي ساهمت باستمرار في تحديد الهوية الكردية وإعادة تعريفها.

 

تجنيد cosaquisation  ” الكُرْد كقوة استراتيجية

في مطلع القرن العشرين، ومع تصاعد التوترات مع الإمبراطورية العثمانية، التي باتت مصدر قلق متزايد للاستراتيجيين القيصريين، برزت فكرة “الأمة الكردية المحاربة” كموضوع متكرر في الدراسات الأكاديمية الروسية حول الكُرْد. هذا المفهوم، الذي نشأ في الأدب الاستشراقي الأوروبي وخطاب النخب العثمانية، عكس أيضاً، لدى علماء الكُرْد القيصريين، تجارب روسيا في حشد سلاح الفرسان الكردي خلال حروب القرن التاسع عشر (أفيرجانوف، 1900). في الوقت نفسه، ساهم تصور السلطات الروسية للتوترات الإقليمية في تكوين صورة عسكرية للكُرْد. ففي عام 1908، وافق رئيس الأركان العامة، باليسين، على خطة لإرسال قوة فرسان خاصة إلى الكُرْد لتجنيدهم استعداداً للحرب ضد الإمبراطورية العثمانية (مارشال، 2006: 126-127). بعد أن حظيت الصفات القتالية المفترضة للكُرْد باهتمام خاص في سانت بطرسبرغ، تواصل وزير الخارجية الروسي سيرغي سازونوف عام ١٩١٢ مع القنصليات في إيران والإمبراطورية العثمانية لبدء دراسة إمكانيات توحيد الكُرْد (رينولدز ٢٠١١: ٣٣٢). وهكذا، خلقت فكرة “الأمة المحاربة  ” إمكانية الحكم الذاتي الوطني الذي يخدم المصالح الاستراتيجية الروسية.

ورغم أن ظهور مفهوم “الأمة المحاربة” الكردية في الوثائق القيصرية يُعزى إلى تأثيرات خارجية، إلا أن التأملات الأولية في إمكانية قيام كردستان ذاتية الحكم عكست في المقام الأول احتياجات الإمبراطورية الأمنية. في عام ١٩١٤، قدّم قسطنطين سميرنوف، الضابط والعميل الروسي في إيران، إلى الوزارة اقتراحه بعنوان “حول حكم الكُرْد واحتياجاتهم”، والذي اقترح فيه تشكيل دوقية كردية شبه مستقلة على غرار الهند، يحكمها أمير “يتصرف وفقًا لتوجيهات الممثل الروسي المُرسَل إلى بلاده”، على غرار النموذج البريطاني المُطبّق في المناطق القبلية بالهند. كان لسميرنوف خلفية نموذجية كمبعوث روسي (vostočnik): فقد التحق بدورات في اللغات الشرقية للضباط (١٩٠٠-١٩١٣)، ثم نُقل لاحقًا إلى مقر قيادة جيش القوقاز. وهكذا، خدم عمله في المقام الأول احتياجات الأمن الإمبراطوري والمصالح المؤسسية للقطاع العسكري. أشار سميرنوف، واصفًا الكُرْد بأنهم “مادة جيدة للجيش”، إلى أهمية ثقافة القوة العسكرية الكردية:

“إن التجنيد الإجباري سيسهم بشكل كبير في الحضارة الكردية. من جهة أخرى، من الغريب أننا لا نستعين بموارد جيدة كهذه في جيشنا، كالكُرْد. من الخطأ الاعتقاد بأن الكُرْد محاربون بالفطرة. ففي ظل ظروفهم المعيشية الراهنة، لم يسبق لكثير منهم حمل بندقية أو ركوب خيل أصيلة.” ومع ذلك، فهم يمثلون قوة عسكرية ممتازة، لأنهم في معظم الحالات يتمتعون بالصلابة والصحة الجيدة (التي لا تتأثر بالكحول أو الأفيون)، ويرضون بالقليل، ويحترمون سلطة شيوخهم، الأغالار (بطريقة محددة ومنضبطة)، ويستمتعون جميعًا بالخدمة العسكرية، إذ يرون أنفسهم شعبًا واحدًا.

كان تحديث المجتمع الكردي على غرار القوزاق – من خلال الخدمة العسكرية – في نظر سميرنوف، أفضل سيناريو لدمج الكُرْد في الإمبراطورية الروسية. لم تكن فكرة تطويع الكُرْد على النمط القوزاقي جديدة؛ فقد أعلن عبد الحميد الثاني نفسه، عند إنشاء أفواج الكُرْد الحميدية عام ١٨٩١، أن هذا الفرسان القبلي مستوحى من القوزاق الروس (كلاين ٢٠١١: ٤٣). مع ذلك، لم يكتفِ سميرنوف بنقل الروايات البريطانية والعثمانية عن الكُرْد، بل استند أيضًا إلى التجربة الإمبراطورية في القوقاز، التي شكلت نهج العديد من المستشرقين الروس تجاه تحديث المجتمعات شبه البدوية (برويش، جيستوا: ٢٠١٦). فقد نظر سميرنوف إلى نمط الحياة البدوية، فضلًا عن عدم ملاءمة الكُرْد (وخاصةً سكان القوقاز) للزراعة، على أنها شظايا من ثقافة كردية غنية كان لا بد من الحفاظ عليها وتكييفها مع السياق الإمبراطوري. وفي ختام تقريره، اقترح سميرنوف “ترويس  ” القادة الكُرْد « russifier » les chefs kurdes (على غرار النبلاء الجورجيين) من خلال تشجيع أبنائهم على مواصلة دراستهم في موسكو وسانت بطرسبرغ، ومنحهم مكانة نبيلة إمبراطورية، وفصل ممتلكاتهم عن بقية الأراضي الكردية.

وقد وردت الأفكار نفسها في كتابات فلاديمير مينورسكي، الموظف في القنصلية الروسية في إيران، والذي أصبح فيما بعد شخصية بارزة في الدراسات الكردية في القرن العشرين. ومثل سميرنوف، أشار مينورسكي إلى الجوانب البيئية للثقافة الكردية التي اعتبرها ضرورية للحفاظ عليها، قائلاً: “تتجلى حيوية الفكر الكردي أيضاً في حبهم لموطنهم الطبيعي”. كما عكست مقاربة مينورسكي اقتباسات سميرنوف المتنوعة حول موضوع الصفات القتالية للكُرْد (مينورسكي 1915: 219-221):

“كان سوان محقًا في ملاحظته أن ‘الخطر الدائم دفع الكُرْد إلى تنمية حذرهم وشجاعتهم ومهارتهم الفائقة وقدراتهم الاستثنائية على الملاحظة’ (سوان 1912)… ويعتقد قادتهم أن من هم في رتبتهم لا ينبغي لهم الانخراط إلا في التدريبات العسكرية، ولهذا السبب غالبًا ما يُرى شبان يطلقون حوالي مئتي طلقة يوميًا…”

وإلى جانب الميول الأكاديمية والانتماءات المؤسسية لعلماء الكُرْد في عهد القيصر، كانت علاقاتهم المعقدة مع القادة الكُرْد هي التي غذّت الخطاب حول “الأمة المحاربة”. وبفضل الإنتاج العلمي، استُلهمت مشاريع “قوزاق” الكُرْد من مبادرات المجتمع الكردي تجاه الإمبراطورية الروسية عشية الحرب العالمية الأولى. اعتمد تحقيق هذه المشاريع إلى حد كبير على النبلاء الكُرْد الذين تطلعوا إلى مزيد من الاستقلال عن الإدارة الإيرانية العثمانية، بل وحتى إلى طموحات تقدمية. وبرز ممثلو سلالة بدرخان في بوهتان كقادة لعملية التوحيد الكردي التي نُفذت تحت إشراف روسي (ميلميساني 2009؛ هينينغ 2018)؛ وامتد نفوذ بدرخان التاريخي حتى سلماس الأورمية في إيران. حصل عبد الرزاق بدرخان، رائد الجمعيات الثقافية الكردية ومؤسس المدرسة الكردية في خوي، على منحة روسية، وكان يسافر بانتظام إلى القوقاز، وغالبًا ما كان يُطرد منه على يد قوات الإمبراطورية العثمانية. قاد كامل بك بدرخان، أحد أقارب عبد الرزاق، والذي شارك أيضًا في التبادلات الروسية الكردية، ثورة بدليس الفاشلة عام 1914، ومنها فرّ إلى بلاد ما بين النهرين قبل أن يتصل بعملاء روس. من خلال وساطة عائلة بدرخان، تمكن الروس من الاتصال بشيخ بارزان (أولسون 1989: 60-1)، الذي كان يتمتع بسمعة استثنائية لموافقته على الترحيب بالأقليات المسيحية في ممتلكاته في سليماني (ويغرام، ويغرام 1914: 154).

أصبح تكثيف هذا النوع من التبادل الروسي الكردي ممكنًا مع ازدياد تنقل القادة الكُرْد وتعزيز النفوذ الروسي في شمال إيران. وقد ازداد دور النفوذ الإيراني أهميةً نظرًا لعمل كل من مينورسكي وسميرنوف في السلك الدبلوماسي الإيراني (مع أن سميرنوف كان يشغل منصبًا عسكريًا في المقام الأول). وكان سيمكو، رئيس فرع عبدوي من قبيلة شيكاك، حليفًا موثوقًا للروس في إيران. وقد امتلك الروس نفوذًا كافيًا للضغط على الحكام المحليين لمحاكمة عملاء الحكومة الذين أُرسلوا من طهران لوضع حد لأعمال سيمكو الإجرامية (تشوباني 2015؛ حوار 2016؛ سليماني 2017). وقد سهّل الدعم الروسي، الذي ازداد بعد رحلة سيمكو إلى القوقاز عام 1912، التعاون بينه وبين عبد الرزاق بدرخان عام 1913 عند تأسيس المدرسة الكردية في خوي، حيث كانت دراسة اللغة الروسية إلزامية. طلب زعيم كردي آخر، هو السيد طه من نهري، الحماية الروسية خلال إقامته في إيران عام ١٩١٣ (لازاريف ١٩٧٢: ١٥٧). وقد سهّلت الهيمنة الروسية في شمال إيران توثيق العلاقات مع الزعماء الكُرْد في المنطقة الحدودية، وعززت قناعات قادة “فوستوتشنيكي” (الزعماء الكُرْد) في عهد القيصر، الذين اعتقدوا بضرورة استغلال القدرات القتالية للكُرْد لخدمة المصالح الروسية.

في المقابل، أدى ضعف الوجود الروسي في جنوب كردستان الإيرانية إلى تأجيج النقاش الأكاديمي حول غياب التماسك بين مختلف الطوائف الكردية. فجنوب بحيرة أورميا، انصبّ اهتمام الجيش الروسي بالدرجة الأولى على الحفاظ على معقل قبلي لا يمكن السيطرة عليه، بهدف تشويه سمعة قوات الدرك – القوة المسلحة المستقلة الوحيدة في إيران. وفي الوقت نفسه، سعت الحكومة الروسية إلى التواصل مع الزعماء الكُرْد المحليين (وخاصة من قبيلتي كلهور وسنجاب) عبر لواء القوزاق المحلي بقيادة النقيب زهارتشينكو. علاوة على ذلك، اضطلعت سانت بطرسبرغ بدور الوسيط في المفاوضات بين سالار الدولة، أمير قاجار المتمرد (فلور، 2018)، وطهران. مارس سالار الدولة نفوذاً واسعاً في محافظة كردستان الإيرانية بفضل علاقاته العائلية، وخبرته السابقة كحاكم، وقبل كل شيء، حملاته العسكرية. في عام 1913، منح زهارتشينكو، مدرب الفوج الكردي في لواء القوزاق، الأمير سالار الدولة حماية السفارة الروسية (جيغالينا، 2008: 127-128)، إلا أن سالار الدولة انضم لاحقاً إلى صفوف العدو خلال الحرب العالمية الأولى. حافظ زهارتشينكو على تواصله مع الأمير وواصل جهوده لتوطيد العلاقات مع الكُرْد، لكن هذه التبادلات المتقطعة والاتصالات غير المباشرة لم تكن متوافقة مع الهيمنة المطلقة للمؤسسات القيصرية في الأراضي الكردية بأذربيجان. وأشار مينورسكي، الذي عمل في السلك الدبلوماسي في القنصلية في تبريز وسافر في جميع أنحاء محافظة كردستان لإشباع اهتماماته الأكاديمية، إلى ذلك (مينورسكي 1915: 217).

حالت عوامل التشرذم الجغرافي والسياسي، والهجرة المنتظمة عبر مسارات محددة، والحياة ضمن تنظيم قبلي، دون تمكّن الكُرْد، الذين نادرًا ما سكنوا قرى أو مدنًا، من تنمية شعور بالانتماء للمجتمع.

إلى جانب العامل الجغرافي، كان للعامل الزمني دور حاسم في ترسيخ صورة الكُرْد كـ”أمة محاربة”. خلال الحرب العالمية الأولى، بلغ الاستثمار الروسي في الميليشيات الكردية مستويات غير مسبوقة (بوبيدونوسيفا كايا، 2018). في تشرين الأول 1914، اقتُرح زحف كُرْد شيعة نحو كربلاء لمواجهة الدعاية العثمانية الجامعة للإسلام وقوة جاذبيتها الدينية (لكن هيئة الأركان العامة الروسية تخلّت عن هذه المبادرة). أصبح سيمكو، الذي كلّفته الحكومة الإيرانية بالدفاع عن قُطور (غولنازاريان-نيشانيان، 2002: 169)، وكامل بك بدرخان، الشخصيتين الرئيسيتين في نقل الأموال ونشر الدعاية الموالية لروسيا في المنطقة. أجرى مبعوثون روس مفاوضات مع السيد طه والشيخ برزنجي، اللذين تواصل معهما الجنرال باراتوف عدة مرات لحثهما على إشعال ثورة كردية في الموصل. كما حافظ باراتوف على اتصالاته مع قادة كُرْد موالين لروسيا اضطروا إلى التخلي عن معاقلهم بسبب التقدم العثماني (جيغالينا 2008: 163). وفي عام 1915، أُرسلت بعثة خاصة بقيادة الكونت شاهوفسكوي، القنصل الروسي السابق في دمشق، بمساعدة الخبير غادزيموكوف، إلى الأناضول لحشد الدعم الكردي. وأخيرًا، قام علي خان، نجل الزعيم الكردي سردار قلي خان المقيم في القوقاز، بتنظيم لواء مسلم بتمويل روسي خلال الاحتلال الروسي لخانية ماكو. وقد سمحت الاحتياجات الاستراتيجية لإمبراطورية في حالة حرب لجهاز الاستخبارات العسكرية الروسية (الفوستوتشنيكي) بالترويج لخدماته وأبحاثه حول الكُرْد لدى أعلى مستويات السلطات القيصرية.

إبّان ذلك، كانت نتائج التعبئة الروسية بين الكُرْد بعيدة كل البعد عن الطمأنينة. فقد واجهت السلطات الروسية انشقاقات جماعية من الميليشيات الكردية milices kurdes خلال الأعمال العدائية. وأدى الهجوم العثماني الوجيز في غرب إيران، من شتاء عام 1914 إلى ربيع عام 1915 (رايس-نيا 2002: 305)، إلى تراجع مكانة روسيا بين الكُرْد وانشقاق جماعي للقبائل التي كانت تُعتبر موالية لها. وكان الدافع المادي وراء سلوك الكُرْد غير المخلص سببًا آخر: فقد نُفذ احتلال تبريز في كانون الثاني 1915 بقوة قوامها 700 جندي عثماني فقط و4000 كردي، كانوا يقودون حميرًا محملة بالبضائع المنهوبة (غولنازاريان-نيشانيان 2002: 133). إلا أن انشقاق سيمكو في نهاية عام 1915 شكل صدمة للروس. مع تزايد شكوك الروس تجاه “حلفائهم clients  ” الكُرْد، ألقوا القبض على عبد الرزاق بدرخان عام ١٩١٥ (رينولدز ٢٠١١: ٤٤٨). وانهار اتحاد ٢٧ قبيلة كردية من كرمانشاه، الذي تأسس برعاية روسية في تموز ١٩١٧، بعد فترة وجيزة من تشكيله (جيغالينا ٢٠٠٨: ١٩٣).

وقد ألمح سميرنوف، بشكل غير مباشر، إلى خطر التحالف المتسرع، إذ أعرب عن أسفه لغياب الأدوات المؤسسية اللازمة لبناء قاعدة شعبية بين الكُرْد.

ليس من الطبيعي أن نبدأ بالتفكير في الكُرْد فقط عندما تتدهور علاقاتنا مع تركيا وتتحول إلى حرب. فبعد انتهاء الحرب، يُنسى أمرهم، وتُحفظ جميع التقارير المتعلقة بهم في الأرشيفات التاريخية.

مع ذلك، ظل هذا النوع من التفكير هامشيًا في الخطاب السائد حول براعة الكُرْد العسكرية، والذي يُعزى أيضًا إلى الوضع الإقليمي غير المواتي لتعزيز الوجود العسكري الروسي. وقد سمح تسليط الضوء على القدرات القتالية للكُرْد لمختلف السلطات والمسئولين القيصريين، فضلًا عن “حلفائهم”، بالتقليل من شأن ضعف جيش القوقاز وتبرير مكاسبهم المادية أو الرمزية. وقد بدأ اللاعبون الرئيسون الذين دافعوا عن مشروع حشد الكُرْد على غرار القوزاق في إظهار مصالحهم الخاصة مبكرًا: فقد بدأ المسؤولون القيصريون في التنديد بمهمة شاهوفسكي، التي تجاوزت القنوات الدبلوماسية في تعاملها مع الكُرْد. دخل الزعيم الكردي سيمكو في مفاوضات مع الحكومة الروسية لتأمين منصب حاكم في إيران مقابل تعاونه العسكري. ونتيجة لذلك، لم تُفضِ الخطابات المُنمّقة حول “الأمة الكردية المقاتلة” التي تخدم الإمبراطورية الروسية إلى مشروع تعبئة مُنسّق جيدًا وموحّد برؤية مشتركة. وبينما استند القادة الكُرْد الروس (الفوستوكنيكي) في كثير من الأحيان إلى تجاربهم الشخصية على الحدود الإيرانية العثمانية، فإنّ مُهندسي التحالف العسكري الروسي الكردي غالبًا ما مثّلوا مصالح مُتباينة.

 

 

الكُرْد كقوة مُوازنة للنفوذ الأرمني المُتزايد

 

كان تحوّل “المسألة الكردية question kurde ” إلى “المسألة الكردية الأرمنية” في المخيال السياسي الروسي، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر فصاعدًا، مُتجذّرًا في التوترات القائمة المُحيطة بتسييس المجتمع الأرمني (دادريان 2008: 72-105). إلى جانب مشكلة الترويس التي عانى منها الأرمن في القوقاز، شكّلت تحركات النزوح عبر الحدود بين الأناضول وأذربيجان، والتي اشتدت حدتها عقب قمع الحامديين في تسعينيات القرن التاسع عشر، مصدر قلق دائم في تبليسي وسانت بطرسبرغ. بعد التعبئة العثمانية عام ١٩١٤، سارع بعض الأرمن العثمانيين إلى الحدود الشرقية لطلب الجنسية الإيرانية، بينما بدأ بعض أعضاء حزب الطاشناق بنقل جماعات مسلحة من القوقاز إلى إيران لحماية السكان المسيحيين من غارات الكُرْد. وفي الوقت الذي استمرت فيه الإمبراطورية الروسية في اضطهاد الثوار الأرمن داخل الأراضي الإيرانية، نجحت في كسب ثقة الطاشناق حوالي عام ١٩١٣، وقدّمت نفسها دوليًا كحامية للأقليات المسيحية. وتماشيًا مع سياسة رعاية المسيحيين هذه، ضغط الروس على سيمكو عام ١٩١٤ لتولي مسئولية حماية الأرمن في سهل سلماس (غولنازاريان-نيشانيان ٢٠٠٢: ٩٨، ١٦٨).

 

إلا أن دور الوسيط الذي اضطلع به الروس خلال الأعمال العدائية بين الكُرْد والأرمن كان معقدًا بسبب غموض الموقف الكردي من الحقوق الإقليمية للأرمن. ففي حوالي عام 1914، وصف معظم المستشرقين الروس مشكلة العداء الكردي الأرمني من منظور تنامي النفوذ الأرمني في الإمبراطورية العثمانية والمنطقة عمومًا. وقد تبنى عالم التركيات فلاديمير غوردليفسكي، الذي أقام في تركيا لأول مرة خلال الفترة الثورية بين عامي 1904 و1908، منظورًا حكوميًا مؤيدًا لحركة “تركيا الفتاة” بشأن المسألة الكردية الأرمنية (غوردليفسكي 1914).

تدريجيًا، بدأ الأرمن يلعبون دورًا مهيمنًا في حياة البلاد، بينما وجد أسيادهم السابقون – الكُرْد والأتراك – أنفسهم فجأة تحت نير تابعيهم السابقين. وهكذا، نشأ مصدر جديد لسوء الفهم والعداء بين الأرمن والكُرْد على أساس اقتصادي.

وبالمثل، لاحظ فلاديمير مينورسكي، الذي كان يعمل آنذاك في السفارة الروسية في طهران، عام ١٩١٥ أن الكُرْد رفضوا رفضًا قاطعًا “طاعة أوامر الأرمن”. وقد وثّق مينورسكي ملاحظاته من خلال عمله الميداني، إذ نجد الصيغة نفسها تقريبًا عند الشيخ عبيد الله، قائد الثورة الكردية عام ١٨٨٠. مع ذلك، في كتابه الآخر المخصص للمسألة الكردية الأرمنية، والذي يعود تاريخه إلى عام ١٩١٥، لم يُخفِ مينورسكي أولوية الاعتبارات الاستراتيجية في تصوره للصراعات العرقية على الحدود القوقازية. في ملفه عن “أرمينيا”، ذكر مينورسكي أن اهتمام روسيا بالجزء الشرقي من الإمبراطورية العثمانية قد نشأ عن القمع العنيف الذي مارسته الدولة التركية ضد الأرمن، وأن الأناضول، خلال الحرب العالمية الأولى، أصبحت “قضية سياسية خارجية”. وأشارت البيانات الديموغرافية التي استشهد بها مينورسكي إلى أن الكُرْد كانوا يشكلون الأغلبية في ولايات أرمينيا التابعة للإمبراطورية العثمانية، مما جعل مشروع أرمينيا المستقلة، على أقل تقدير، صعب المنال. ووصف مينورسكي الكُرْد بأنهم “غير متحضرين”، وقدمهم كشعب “واعد” من حيث التعليم، بينما كان الأرمن مثقلين بشكوك النزعة التوسعية. ووفقًا لمينورسكي، كان الهدف من توظيف السكان الكُرْد هو موازنة النفوذ الأرمني المتنامي، الذي كانت تخشاه الإدارة القوقازية والحكومة الروسية لعقود. لعب الخطاب حول “الأمم السياسية” التي تمثل تهديدًا وجوديًا للإمبراطورية الروسية دورًا هامًا في تصوير مينورسكي للصراع الكردي الأرمني.

شكلت الحرب العالمية الأولى لحظة محورية في صياغة المطالب الكردية بالأراضي وفي تحديد موقفهم من القضية الأرمنية. تجدر الإشارة إلى أن الحملة الدعائية المعادية للأرمن التي أطلقتها حكومة تركيا الفتاة لم تكن وحدها التي عززت المطالب الكردية، بل أيضًا طموحات الحكومة الروسية فيما يتعلق بالحقوق الإقليمية للأرمن (أوزجان 2010-2011). فعلى الرغم من إعلان نيكولاس الثاني عام 1914 عن الأخوة الروسية الأرمنية، واستخدام وسطاء من حزب الطاشناق في المفاوضات مع جمال باشا، نصت النسخة النهائية من اتفاقية سايكس-بيكو-سازونوف (1916) على تقسيم الأناضول بين فرنسا وروسيا دون تحديد وضع السكان الأرمن (بوبروف 2014؛ هوفانيسيان 1968: 158، 163). علاوة على ذلك، اعتبر الكُرْد إنشاء السلطات القيصرية لأفواج كردية بمثابة دعم روسي إضافي ضد خطر الهيمنة الأرمنية. ورغم تأكيد شارل-أود بونان، الوزير الفرنسي في طهران، أن الكُرْد “كانوا مدفوعين بفكرة الربح بقدر ما كانوا مدفوعين بالتعصب” في عنفهم ضد الأرمن، إلا أن السلطات القيصرية أبدت تفهمًا أكبر بكثير للاستياء الكردي، مما أتاح فرصًا جديدة لإعادة التنظيم السياسي للمنطقة بعد الحرب.

لماذا لم تُفضِ هذه المشاعر المعادية للأرمن بين النخبة الروسية إلى تأسيس اتحاد سياسي روسي-كردي؟ أحد أسباب هذا الفشل يكمن في انتماء العديد من الشخصيات الروسية التي روّجت للخطاب المعادي للأرمن إلى مؤسسات إمبراطورية مختلفة. فعلى سبيل المثال، نشأت فكرة “أرمينيا بلا أرمن” على يد غادزيموكوف، مساعد الكونت شاهوفسكي (هولكويست 2013: 349)، في حين تعرّضت مهمة شاهوفسكي لانتقادات علنية من قِبل موظفي وزارة الخارجية القيصرية. كما ساهمت القيادة العسكرية العليا على جبهة القوقاز في تعزيز المشاعر المعادية للأرمن. وعلى وجه الخصوص، لم يُخفِ الجنرال تشيرنوزوبوف، المسؤول عن الهجوم الروسي في غرب إيران، تحيّزاته ضد الأرمن. ومع ذلك، غالبًا ما أثارت أنشطة تشيرنوزوبوف معارضة من الدبلوماسيين المتمركزين في إيران، والذين كانوا من أبرز الداعين إلى التقارب الروسي الكردي. في المقابل، لم يُبدِ تشيرنوزوبوف أي تعاطف مع الكُرْد، وارتكب فظائع واسعة النطاق في القرى (غولنازاريان-نيشانيان 2002: 123).

كما تبلورت الخلافات حول استخدام الكُرْد أو الأرمن في الدفاع عن القوقاز داخل أوساط السلطة الروسية، لكن هذه كانت مواقف ظرفية أكثر منها رؤى طويلة الأمد. عندما تم استبدال نائب ملك القوقاز، فورونكوف-داشكوف، بالدوق الأكبر نيكولاي نيكولايفيتش، الذي أُقيل من غاليسيا لسوء إدارته وتجاوزاته المعادية للسامية، دعا الأخير إلى تحسين العلاقات الروسية الكردية (هولكويست 2013: 337، 345). كان فورونكوف-داشكوف، المؤيد لمنح القوقاز مزيدًا من الحكم الذاتي، والمدرك للتداعيات الإقليمية لقمع الثوار الأرمن في مطلع القرن العشرين، يُنظر إليه ضمنيًا في سانت بطرسبرغ على أنه “مؤيد للأرمن”، وسرعان ما تبنى نيكولاي نيكولايفيتش موقفًا مؤيدًا للكُرْد، جزئيًا لتعويض تراجع مكانته على الجبهة الشرقية.

 

وفي نهاية المطاف، غالبًا ما كان الخطاب المعادي للأرمن الذي نقلته صحيفة “فوستوتشنيكي” ينبع من أوساط القوميين الكُرْد، الذين أغلقت الحكومة العثمانية صحفهم ومنظماتهم في بداية الحرب (أحمد 1994: 122). لطالما اتهم النبلاء الكُرْد الأرمن بالتواطؤ مع حركة “تركيا الفتاة”، التي قامت، من بين أمور أخرى، بترحيل 700 ألف كردي إلى المدن التركية تحت ستار الإجلاء في مواجهة التقدم الروسي (رومانيت 1938: 10). وقد أعرب كامل بك بدرخان عن أسفه لـ”خيانة” الأرمن خلال الانتفاضة الكردية في بيتليس عام 1914، و”مؤامرات” رجال الجنرال أندرانيك التي حالت دون إجراء مفاوضات كردية-أرمنية في فان في يوليو 1916. ودعا سيمكو الروس إلى إعادة النظر في التزامهم تجاه الأرمن ومنحه تعويضًا عن الانتهاكات التي ارتكبتها الكتائب المسيحية. وبطبيعة الحال، كانت السلطات القيصرية حذرة من القادة الكُرْد، الذين شكلت مطالبهم المتزايدة تحديًا لهيبة روسيا والوضع الراهن في سانت بطرسبرغ.

في مواجهة احتمال تحالف إيراني عثماني وتفاقم الأزمة الإنسانية، سعت الحكومة الروسية جاهدةً للحفاظ على حيادها في الصراع الكردي الأرمني (هولكويست 2013: 338-339). وقد تفاقم العنف العرقي على الأراضي الإيرانية بسبب تصرفات السلطات الإدارية والدينية الإيرانية التي دعمت الكُرْد والعثمانيين في حملتهم ضد الأرمن. وكان من شأن أي موقف حاسم من سانت بطرسبرغ أن يُعرّض الجنود الأرمن لمواجهة العديد من الأطراف الروسية المتواجدة على جبهة القوقاز. وكشف تقرير ليفون أوفانيسيان، المبعوث الأرمني إلى لجنة نواب جنود الجيش القوقازي، عن المشاعر المعادية للأرمن السائدة بين موظفي منظمة “زيمسكي سويوز” الإنسانية، التي كانت قد أسست مقرها هناك في صيف عام 1917 تقريبًا.

( Zemskij Sojuz منظمة عامة رئيسة تأسست في يوليو 1914 في بداية الحرب العالمية الأولى. بقيادة الأمير جورجي لفوف، حشد الاتحاد الحكومات المحلية الريفية (الزيمستفوس) لتقديم المساعدة الطبية وتزويد المستشفيات الميدانية ومساعدة اللاجئين. المترجم، نقلاً عن الانترنت )

“جميع موظفي منظمة “زيمسكي سويوز” في المقصف الطبي بمستشفى بيركري-كاليج، من الإدارة إلى أدنى الرتب، يعاملون الأرمن، سواء كانوا محليين أو لاجئين، بعداء وحقد شديدين. حتى أن إحدى راهبات الرحمة قالت لي ذات مرة: “الأرمن لا يستحقون صداقة روسيا الحرة؛ إنهم بلطجية (غولوفوريزي)”. علاوة على ذلك، لا بد لي من الإشارة إلى أنه خلال عمليات التفتيش التي نُفذت في قرية سور الكردية، عُثر على العديد من الأغراض التي تخص راهبات الرحمة في منزل الزعيم الكردي لزيلان، هورشود بيك: من بينها مفروشات وأغطية ومناديل وعطور وكولونيا تحمل علامة “زيمسكي سويوز” التجارية. خلال المعركة، أخذت راهبة أخرى من راهبات الرحمة كاميرا وذهبت لتصوير الكُرْد المهزومين.” عندما حذرها ضابط من أن حياتها في خطر، أجابت: “الكُرْد أصدقاؤنا؛ لن يقتلوني Les Kurdes sont nos amis, ils ne me tueront pas “.

لم يعكس الخطاب المؤيد للحقوق الإقليمية الكردية في الولايات الأرمنية سوى جانب هامشي من المشاعر المعادية للأرمن التي كانت تتبلور بين الدبلوماسيين والعسكريين والفاعلين المدنيين الروس. وقد أدى عجز المؤسسات الروسية عن إدارة الوضع الإنساني في المنطقة إلى صمت الحكومة القيصرية إزاء التوترات العرقية والدينية التي تفاقمت بسبب الأعمال العدائية. كما حالت المنافسات الشخصية والمؤسسية التي شكلت “التعاطف الكردي” المعادي للأرمن بين الفاعلين الروس دون التعاون بين مختلف الهيئات القيصرية تحت راية مشروع كردستان ذاتية الحكم.

 

 

الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية

كان استشراق السكان على هامش الإمبراطورية عاملاً رئيسياً في تشكيل الخطاب الأكاديمي الروسي حول الكُرْد، وكذلك في صياغة السياسة الإمبراطورية على جانبي الحدود القوقازية. مثّل تهميش الكُرْد في الخطابات العديدة التي أنتجها رجال الدولة الروس وموظفو الدولة (الفوستوتشنيكي) اتجاهًا مُعديًا خدم المصالح الاستراتيجية للإمبراطورية، وحلّ التناقضات المؤسسية، وتوافق مع النماذج الخطابية القديمة التي برّرت التوسع الإمبراطوري. شكّلت أسطورة الإنسان البدائي النبيل الأساس الخطابي لمعظم الإنتاج الأكاديمي حول الكُرْد في الإمبراطورية الروسية. أكّد سميرنوف أن “الكردي كائنٌ عذري يجب أن يُعلّم كل شيء منه”، بينما استحضر مينورسكي قربه وارتباطه الوثيق بطبيعة وطنه. مع ذلك، قدّمت النصوص التي كتبها المستشرقون تفسيرًا ملتبسًا لبراءة الكُرْد، فربطوها في كثير من الأحيان بالعنف المفرط والثقافة البدائية. في محاولة لإيجاد تفسير منطقي لهذا النموذج الاستشراقي، عزا مينورسكي “قسوة” الكُرْد إلى “حماستهم الشديدة” وإلى “انحراف” نابع من ضعف جيرانهم الأرمن (مينورسكي 1915: 221، 222، 225):

“يجب التأكيد على طبيعة الكُرْد الانتقامية وقسوتهم التي يصعب فهمها أحيانًا… لا تنبع هذه الحوادث من الطبيعة الوحشية لبعض الشعوب، بل من ظروف معيشتهم وحماستهم الشديدة في الجنوب… إن الحياة مع عناصر أقل ميلًا للحرب (مثل الأتراك الشيعة الأذربيجانيين أو الأرمن) تُفسد الكُرْد بلا شك.” وهكذا، تنشأ أخلاقية مزدوجة: الأولى لمن يستطيع الرد على العدوان بالعدوان، والأخرى لمن يُغري ضعفهم المعتدي بسهولة الوقوع فريسة. إن فكرة أن القوة يجب أن تكون سخية هي نتاج حضارة راقية وقديمة، بينما في المستوى الأساسي لتطورها، حيث يكون الإنسان ذئباً للإنسان، فإن الضعف مدمر ليس فقط لأولئك الذين يجسدونه، ولكن أيضاً للأقوى.

تردد صدى خطاب المستشرقين حول بدائية ثقافة الكُرْد لدى رجال الدولة الروس الساعين للحفاظ على الوضع الراهن على الحدود الإيرانية العثمانية. في عام ١٩١٤، لخص فاسيلي فون كليم، مدير القسم الشرقي بوزارة الخارجية، صورة الكُرْد على النحو التالي (جيغالينا ٢٠٠٨: ١٢٩-١٣٠):

“إن أي اتفاق مع زعماء القبائل الكردية لا يضمن بأي حال من الأحوال نتيجة مستقرة، ولن يجلب لنا سوى الندم، لأن الكُرْد، بحبهم الجامح للحرية، وانعدام انضباطهم، وجشعهم المفرط، وميلهم للصراع، وولاءاتهم المتقلبة لنا وللأتراك وللإيرانيين، فضلاً عن أحلامهم بالاستقلال، يمثلون عنصراً غير مستقر وغير موثوق به، وقادرين على تغيير ولائهم في أي لحظة.”

وبالمثل، فقد مينورسكي مصداقية القومية الكردية، معارضًا فكرة إنشاء كردستان إيرانية عثمانية لما قد تُشكّله من تهديد للوضع الإقليمي الراهن. ووفقًا لمينورسكي، لم تكن هناك بعد “أسس ثقافية، ولهذا السبب قد يؤدي توحيدهم [الكُرْد] إلى حركات فوضوية ووحشية مثل غارة الشيخ عبيد الله على بلاد فارس عام 1880” (لازاريف 1972: 118-119؛ أتيش 2014). وربط مينورسكي هذه “الحركات الفوضوية والوحشية” بالثقافة القبلية للكُرْد (مينورسكي 1915: 117):

“لا الإنسانية، ولا الأخوة الدينية، ولا الشعور القومي الأوسع مُتاح للكُرْد، بينما تحظى الروابط الأسرية والشعور القبلي بأهمية بالغة بينهم”.

كما استُخدم الاستشراق لتبرير التجاوزات القنصلية الروسية، والتي يُمكن ربطها الآن بالسياسة العامة للوزارة. أدى التفسير العثماني لحركات الكُرْد العابرة للحدود إلى قيام السلطات الدبلوماسية الروسية المتمركزة في شرق إيران بأعمال عنف متكررة ضد القبائل الكردية المجاورة. في الوقت نفسه، شجع المبعوثون العثمانيون والألمان في كثير من الأحيان قطاع الطرق الكُرْد العابرين للحدود، بينما أنشأ عملاء روس عصابات لمواجهة التقدم العثماني. وأدت الظروف المحلية وتزايد المخاوف الروسية بشأن الحرب إلى اندلاع اشتباكات بين عصابات كردية ومسيحية خارجة عن السيطرة. ومع ذلك، لعبت ذاتية الدبلوماسيين الروس دورًا حاسمًا في تصعيد التوترات بين الطوائف. وكانت مذبحة المسيحيين في أورميا عام 1915 على يد الكُرْد نتيجة لسياسة “الوقاية” الملموسة التي انتهجها القنصل الروسي فيدينسكي، الذي كان متورطًا في قتل قادة كُرْد مجاورين ومصادرة ممتلكاتهم (جينيس 2003: 59-60).

سعى الجيش أيضًا إلى استغلال الصورة الاستشراقية للكُرْد لتبرير عنفه المفرط. وساهمت ظروف الحرب في استشراق الكُرْد من قِبل الروس في تعاملاتهم اليومية مع سكان المناطق الحدودية. وقد استذكر المبعوث البلشفي شكلوفسكي في مذكراته فترة وجوده في أذربيجان قائلًا: “إنّ عبارة ‘كل كردي عدو’ قد أزالت كل الحماية التي توفرها قوانين الحرب للكُرْد المسالمين، بمن فيهم الأطفال” (شكلوفسكي 2008: 101). واستباقًا لأي تحول مفاجئ في الولاء أو “خدعة” من جانب الكُرْد، شنّ الجيش الروسي حملات عقابية لم ترحم أحدًا (إليسيف 2001: 81، 143). وتزايدت حالات المصادرة غير المصرح بها والاغتصاب التي ارتكبها الروس ضد الكُرْد (شيمو، 1989: 133).

وقد سهّلت النبرة الاستشراقية للدبلوماسية القيصرية التعاون بين القناصل والجيش. أكد نيكيتين على “العقم الواضح لجميع مفاوضاتنا” مع الكُرْد، فضلاً عن سلوكهم “المخادع” (نيكيتين 1941: 172):

“هذا يدفعني للحديث قليلاً عن محادثاتنا مع الكُرْد. الآن، وبعد فوات الأوان، أستطيع أن أرى بوضوح أنها كانت معيبة جوهرياً. طالبت قيادتنا الكُرْد بإلقاء أسلحتهم وتسليم الغنائم والنساء المسيحيات. في المقابل، مُنحوا ضمانات بالسماح لهم بالعيش في قراهم دون أي إزعاج.” كان الكُرْد يُقسمون يميناً على القرآن، ثم يرحلون، وبعد فترة وجيزة يستأنفون غزواتهم بضراوة أكبر. هنا أيضاً، كان الحل المنطقي الوحيد الذي يُراعي الواقع هو الحرب المباشرة أو التحالف، والدعاية السياسية، والمال. نزع سلاح كردي أو مصادرة غنائمه أثناء الحرب؟ هراء” قشمريات ” Plaisanteries .

علاوة على ذلك، سمح استخدام الخطاب الاستشراقي للجهات الفاعلة القيصرية بالحفاظ على مسافة بينها وبين القادة الكُرْد. أشار سميرنوف أيضًا إلى غياب التضامن الأفقي، عازيًا “عدم نضج immaturité ” الكُرْد السياسي إلى الفجوة الهائلة بين النخب المتعلمة والجماهير، لكن خطابه ظلّ مُركزًا على ولاءات القادة الكُرْد المتقلبة:

“من الصعب التفاؤل بأن الحرب الحالية ستضع حدًا للقضية الكردية، لأنها لا تزال في مراحلها التكوينية، ومعظم المجتمع الكردي… غير مستعد لاستيعاب أفكار لا يفهمها إلا قلة من الوطنيين الكُرْد مثل كامل بك. علاوة على ذلك، يسعى كامل بك وغيره من القادة على شاكلته إلى تحقيق مصالحهم السياسية الشخصية بدلًا من النضال من أجل تحرير شعبهم من الحكم التركي.”

أخيرًا، كان تصوير الإسلام كسبب رئيسي لـ”تخلف arriération ” الكُرْد جزءًا من تقليد استشراقي أوسع نطاقًا شكّل المؤسسات الروسية والخطاب الرسمي في المناطق ذات الأغلبية المسلمة. ففي وقت مبكر من عام ١٩١٢، لاحظ مينورسكي أن “التعصب الإسلامي بين الكُرْد” يمثل “العقبة الرئيسة” أمام توغل عملاء الإمبراطورية في كردستان. وخلال الحرب، لاحظ نيكيتين أن “الفكرة الدينية، إن صح التعبير، تتبعت الفكرة القومية الكردية”: فلم يكن شيوخ الكُرْد يفسرون دائمًا الدعوة إلى الجهاد العثماني على أنها مشروعة، وهو ما كان، وفقًا لنيكيتين، مؤشرًا فقط على مفهومهم الخاص للسلطة في العالم الإسلامي (نيكيتين ١٩٤١: ٤٨). وقد لاقت فكرة “التعصب الإسلامي” صدىً لدى الخوف المرضي لدى السلطات الروسية من النزعات الإسلامية الجامعة التي ألهمت حركات الإصلاح المحلية في القوقاز وتركستان. من ناحية أخرى، ربطت الأوساط العسكرية بين القومية الإسلامية الجامعة وتنامي الوجود العثماني في المنطقة.

وهكذا، اتخذ الخطاب الاستشراقي حول الكُرْد منحىً تبريريًا قويًا، مما مكّن الدبلوماسيين والمستشرقين من تبرير طموحاتهم الإمبريالية والتستر على أوجه القصور الهيكلية في السياسة الروسية. وبالإضافة إلى وظيفته الهيكلية المتمثلة في تسهيل التواصل والتعاون بين مختلف الجهات، فقد خدم استشراق الكُرْد من قبل الجهات الروسية مصالح الإدارة القيصرية، التي كانت تخشى التورط في صراع عرقي ديني على حدود القوقاز.

 

خاتمة

 نظرًا لتقييدها باستراتيجيتها الجيوسياسية، فشلت روسيا في بناء علاقات متينة مع الكُرْد في العقد الثاني من القرن العشرين. وبينما كان من الممكن استغلال المشاعر القومية الكردية من قبل روسيا، لم تظهر هذه الفكرة في الخطاب الأكاديمي الروسي إلا في سياق مفهوم “الأمة الكردية المحاربة” أو في سياق القضية الأرمنية. وفي سياق الحرب، الذي شجع على تطور هذا النوع من الخطاب، سرعان ما أثبت التحالف الاستراتيجي الروسي الكردي فشله بسبب ضعف قاعدته المؤسسية وطبيعته الظرفية. في مواجهة تداخل المصالح المحلية والتنافسات المؤسسية، سعى عملاء الإمبراطورية الروسية لتحقيق مصالحهم الخاصة متسترين وراء الخطاب الأكاديمي حول الكُرْد. ورغم تكرار ذكرها في المراسلات الدبلوماسية القيصرية، إلا أن محاولات تصور كردستان ذاتية الحكم اصطدمت باستمرار بهيمنة الوضع الراهن، الذي اعتمد على استشراق الصورة الكردية. وقد وفرت تأملات “فوستوتشنيكي” حول عدم نضج الكُرْد السياسي مبرراً لسياسة المحسوبية، لكنها لم تسمح بالتفاوض مع الزعماء المحليين بشأن الحقوق الإقليمية، التي بدأت تكتسب أهمية محورية في تطلعات الأمة الكردية الناشئة.

Alisa SHABLOVSKAIA: Les « bons sauvages » au service de l’Empire : les Kurdes dans l’imaginaire russe à l’époque de la Première Guerre mondiale, 1914-1917,18-2-2023

-ملاحظة: التعريف بكاتبة المقال وصورتها من وضع المترجم

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

د. محمود عباس إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن…

اكرم حسين الحديث عن مسؤولية «الكرد» عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، وتحميلهم جماعياً نتائج سياسات وممارسات هذه القوة، هو خلط سياسي وأخلاقي لا يخدم الحقيقة ولا وحدة البلاد. أولاً: قسد لم تدّعِ يوماً أنها تمثّل الكرد السوريين ، ولم تكن مفوضة بالحديث باسمهم. بل إن مشروعها السياسي، منذ نشأته، قام على مفهوم «الأمة الديمقراطية»، وهو تصوّر عابر للهويات…

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…