د. فيسي داغ
التحول الأيديولوجي الأخير لزعيم حزب العمال الكردستاني يلقي باللوم على إسرائيل في معاناة الكرد، رغم أن الأدلة التاريخية تشير إلى خلاف ذلك.
شهدت السياسة الكردية تحولا دراماتيكيا منذ أن أطلقت تركيا ما سمته مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب» في تشرين الأول/أكتوبر 2024، من خلال الانخراط في حوار مع زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل عبد الله أوجلان.
أوجلان، المحتجز منذ عام 1999 في جزيرة إمرالي، وهي جزيرة سجن تركية، دعا إلى حل حزب العمال الكردستاني (PKK) من جانب واحد، والبدء بما يصفه بـ«مسار جديد للسلام والمجتمع الديمقراطي».
شكّل هذا الإعلان إحدى أهم نقاط التحول في تاريخ الحركة، وقسّم حزب العمال الكردستاني إلى معسكرين.
المعسكر الأول، الذي يتكون في معظمه من أعضاء يساريين قدامى من أصول تركية، قبل قرار أوجلان من دون تردد وتحرك لتنفيذه. أما المعسكر الثاني، الذي يتكون في معظمه من أفراد من أصول كردية، فقد استقبل القرار بصدمة، وبدأ يشكك في القرار نفسه وفي التوجه الأيديولوجي الكامن وراءه.
يعكس هذا الانقسام نمطا أعمق لطالما ميّز قيادة أوجلان، وهو التحولات الأيديولوجية المتكررة.
فعلى مدى العقود الماضية، انتقل من الدعوة إلى استقلال كردستان إلى الترويج للحكم الذاتي الديمقراطي، وصولا الآن إلى مفهوم أقل وضوحا هو «الخط الكردي الحر» ضمن إطار «المجتمع الديمقراطي».
وكان كل انتقال من هذه المراحل يتطلب من أتباعه التخلي عن العقائد السابقة لصالح رؤية جديدة، وغالبا من دون نقاش داخلي حقيقي. ولكن، وبينما يعيد من داخل السجن رسم مستقبل حركته ويعيد تعريف علاقتها بتركيا، يمكننا أن نقرأ بعض التصريحات الصادرة باسم أوجلان والتي توجه، بصورة متزايدة، اتهامات لا أساس لها ضد إسرائيل.
وتمر هذه التصريحات عبر آليات الرقابة التركية التي وضعتها سلطات الدولة.
وتستند هذه المزاعم إلى نظريات المؤامرة أكثر مما تستند إلى أدلة تاريخية، وقد أصبحت أكثر بروزا في كتاباته الأخيرة، الأمر الذي ينطوي على خطر التأثير في أجيال من الكرد الذين ما زالوا ينظرون إليه بوصفه مرجعهم الأيديولوجي الرئيسي.
وتعرض رسالة حديثة كتبها إرجين أتاباي، رفيق أوجلان في سجن إمرالي شديد الحراسة من النوع F، أحدث إطار أيديولوجي له. وتقول الرسالة إن «التغلب الكامل على منظومة الإبادة سيتحقق مجددا من خلال المقاومة والنضال وبناء الخط الكردي الحر القائم على المجتمع الديمقراطي والاندماج الديمقراطي».
وعلى الرغم من أن هذه اللغة مجردة عن قصد، فإن فقرات أخرى تجعل حجته أكثر وضوحا. فوفقا لهذا الطرح، تعود أصول «منظومة إبادة» الكرد إلى الإمبريالية البريطانية والصهيونية.
ويعزو التصريح، في إشارته إلى أوجلان، معاناة الكرد إلى وعد بلفور ومؤتمر القاهرة، ويربطهما بـ«صعود الصهيونية في الشرق الأوسط، وإنشاء إسرائيل الأولية، والاستيلاء على الموصل وكركوك، وصعود بريطانيا قوة مهيمنة في المنطقة».
كما يتحدث عن حقبة مستقبلية «ما بعد إسرائيل»، بما يوحي بأن اختفاء إسرائيل سيعيد تشكيل الشرق الأوسط بصورة جوهرية. وفي كتابات سابقة، استخدم أوجلان حتى المصطلح المثير للجدل «Judenrat»، مقدما مقارنات تاريخية مضللة تقلل من شأن الهولوكوست وتشوه، في الوقت نفسه، التاريخين اليهودي والشرق أوسطي.
إن هذه المزاعم المناهضة لإسرائيل، والتي تصل أحيانا إلى حد معاداة السامية، ليست فقط بلا أساس تاريخي، وإنما يمكن أن تلحق الضرر أيضا بالحركة الكردية، ولا سيما بأولئك الذين ما زالوا يرون في أوجلان مرجعيتهم الأيديولوجية. ونظرا إلى استمرار تأثيره، فإن مثل هذه السرديات قد تضر بالعلاقة التاريخية بين الكرد واليهود.
وهذا يثير ثلاثة أسئلة: هل تتلاعب السلطات التركية بتصريحات أوجلان؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما الذي دفع أوجلان إلى تبني خطاب يتسم بعداء متزايد تجاه إسرائيل؟ وكيف يمكن الحد من الضرر الناتج عن ذلك في العلاقات الكردية – اليهودية؟
هناك عدة تفسيرات تستحق النظر فيها.
أولا، من شبه المؤكد أن أكثر من ربع قرن من السجن قد أثّر في رؤية أوجلان للعالم. فالعزلة الطويلة قد تشوش الحكم السياسي، وتجعل من الصعب تفسير الوقائع الإقليمية المتغيرة بسرعة بصورة موضوعية.
وغالبا ما تعتمد كتاباته الأخيرة على سرديات تاريخية شاملة تختزل أحداثا معقدة.
ثانيا، ربما يحاول أوجلان التكيف مع حكومة رجب طيب أردوغان في الوقت الذي تستمر فيه المفاوضات حول القضية الكردية.
ومن خلال تبني خطاب معاد لإسرائيل، وهو موقف يحظى بصدى قوي في الخطاب السياسي التركي المعاصر، قد يأمل أوجلان في تحسين فرص التوصل إلى تسوية مع أنقرة. وقد يخدم مثل هذا الخطاب مصالح سياسية وشخصية في آن واحد.
وفي الوقت نفسه، ربما يعتقد أوجلان بالفعل أن إسرائيل ساعدت تركيا في اعتقاله عام 1999، وهو تصور ربما أسهم منذ ذلك الحين في تشكيل مواقفه.
ويبقى السؤال مفتوحا عما إذا كان هذا الخطاب المناهض لإسرائيل يعكس قناعة حقيقية أم حسابات سياسية.
وبالمثل، ليس واضحا ما إذا كان قرار أوجلان حل حزب العمال الكردستاني نابعا من قناعة صادقة بأن الكفاح المسلح وصل إلى طريق مسدود، أم من ضغوط مارستها الدولة التركية، أم من استسلام أوسع نطاقا يترك الكرد في مواجهة نظام طالما أنكر حقوقهم من دون معالجة مظالمهم السياسية.
وأيا يكن التفسير، فإن ظروف أوجلان الشخصية أثرت، لا محالة، في اتجاه الحركة.
ومع ذلك، فإن ادعاءات أوجلان التاريخية لا تصمد أمام التدقيق. فلم يكن لوعد بلفور أي ارتباط بتقسيم كردستان أو بحرمان الكرد من حقوقهم القومية بعد الحرب العالمية الأولى. والربط بين هذه القضايا يصنع سردية تاريخية زائفة تخلط بين القضيتين الفلسطينية والكردية رغم اختلاف مساريهما التاريخيين.
كما أن الزعم بأن الصهيونية تتحمل مسؤولية معاناة الكرد مضلل بالقدر نفسه. فتاريخيا، أبدت المجتمعات اليهودية، ثم دولة إسرائيل لاحقا، تعاطفا عموما مع التطلعات الكردية.
قادة إسرائيليون يدعمون حق الكرد في تقرير المصير
دعم قادة إسرائيليون باستمرار حق الكرد في تقرير المصير، باعتبارهم شعبا كبيرا غير عربي وغير فارسي وغير تركي، وله تاريخ طويل من التعايش مع اليهود.
واستمر هذا الدعم حتى في الوقت الذي ظلت فيه قدرة إسرائيل على مساعدة الجماعات الكردية محدودة بفعل الجغرافيا والوقائع الدبلوماسية والتحديات الأمنية.
وعلى النقيض من ذلك، كان الإخوة المسلمون للكرد في أنقرة وبغداد وطهران ودمشق هم الذين حرموا الكرد، بصورة منهجية، من حقوقهم الثقافية واللغوية والسياسية طوال القرن العشرين. وتعرض الكرد لسياسات الاستيعاب القسري والتهجير والمجازر، بما في ذلك ما حدث في زيلان وديرسم وحلبجة وأماكن أخرى كثيرة.
وكانت هذه المآسي نتيجة لسياسات الدول القومية في البلدان التي عاش فيها الكرد لقرون، وليست نتيجة للصهيونية. وعلى الرغم من أن أوضاع الكرد تطورت بصورة مختلفة في أنحاء المنطقة، فإن العديد من التحديات الأساسية لا تزال من دون حل.
ولا يوجد كذلك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن شرق أوسط افتراضيا في مرحلة «ما بعد إسرائيل» سيحسن وضع الكرد.
بل على العكس، غالبا ما شكلت إسرائيل ثقلا استراتيجيا موازنا مهما في منطقة تعرضت فيها الأقليات القومية والدينية مرارا للتمييز والاضطهاد.
وقد نظرت إسرائيل تاريخيا إلى هذه المجتمعات، ومن ضمنها الكرد، باعتبارها شركاء طبيعيين، وأيدت عموما تطلعاتهم إلى الأمن والاعتراف وتقرير المصير.
ولذلك، فإن الحفاظ على علاقات كردية – إسرائيلية بناءة يظل في مصلحة الشعبين. وينبغي ألا تطغى الخلافات السياسية والتحولات الأيديولوجية على تاريخ أطول من الاحترام المتبادل والتجارب المشتركة بوصفهما أقليتين في منطقة مضطربة.
قد يعيد التحول الأخير في نموذج أوجلان الفكري رسم مستقبل حزب العمال الكردستاني، لكنه ينبغي ألا يعيد كتابة التاريخ أو يقوض أسس العلاقات الكردية – اليهودية.
البروفيسورة عوفرا بنغيو
مديرة المنتدى الكردي في مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة تل أبيب.
د. فيسي داغ
باحث في المنتدى الكردي في مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة تل أبيب.
حسابه على منصة X: @dagweysi
===========
المصدر: THE JERUSALEM POST