حسين أمين
رغم أن الشعب الكوردي خلال أكثر من قرن قُسّم بين دول وحدود، وفصلته الحواجز والأسلاك والألغام، ومورست بحقه سياسات مختلفة من التهجير والتغيير الديمغرافي والقتل والأنفال والصهر القسري، ومنع اللغة والاحتفال بالأعياد والتعبير عن الهوية، بقيت بين أبنائه روابط ثقافية واجتماعية عميقة لم تستطع الحدود محوها.
من حيث العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية، واحترام التعليم والمعرفة، والانفتاح على الآخر، والفنون والموسيقى، والتعايش وقبول التنوع، نجد بين الكورد قواسم مشتركة عميقة، مع اختلافات طبيعية فرضتها الجغرافيا والتاريخ والظروف السياسية.
وهنا يبرز سؤال مهم: إلى أي شعوب العالم يشبه الكورد أكثر؟
إذا نظرنا إلى جوانب عديدة من الحياة الاجتماعية والثقافية والفنية والفكرية والمدنية، يمكن أن نجد لدى الكورد بعض القيم والممارسات المشتركة مع مجتمعات أوروبية، كما توجد بالطبع مشتركات مع شعوب الشرق الأوسط وآسيا. وهذا لا يعني أن الكورد «أوروبيون» أو أن لهم عِرقاً أقرب إلى عِرق آخر؛ فالكورد شعب له هويته التاريخية والثقافية الخاصة.
وهنا علينا أن نفهم أن الاختلاف بين مناطق الشعب الواحد أمر طبيعي جداً. فهناك شعوب تعيش ضمن دولة واحدة، وتتحدث لغة واحدة، ومع ذلك نجد فروقاً واسعة في العادات والتقاليد واللهجات وأنماط الحياة بين محافظة وأخرى، بل حتى بين مناطق متجاورة العرب مثالا .
فعلى سبيل المثال، توجد اختلافات اجتماعية وثقافية واضحة بين سكان الرقة ودير الزور وحلب المدينة وريفها ، وكذلك بين درعا والسويداء
وكذلك سهل الغاب والساحل رغم التجاور الجغرافي ووحدة الدولة. وهذا التنوع لا يعني أن هؤلاء ليسوا جزءاً من المجتمع السوري أو العربي، بل هو دليل على أن التنوع المحلي ظاهرة طبيعية داخل الشعوب نفسها.
فكيف يمكن أن نطلب من الكورد، الذين فُصلوا قسراً بين دول وحدود طوال قرن، أن تكون عاداتهم وتقاليدهم متطابقة تماماً من جزء إلى آخر؟
لقد عاش الكورد قرناً من سياسات مختلفة هدفت إلى الصهر والتهجير والتغيير الديمغرافي ومنع اللغة والثقافة والاحتفال بالأعياد والتعبير عن الهوية، ومع ذلك بقيت الروابط الثقافية والاجتماعية بينهم حية.
ومن هنا أقول بوضوح: نحن الشعب الكوردي لسنا عرباً ولا فرساً ولا تركاً؛ نحن شعب له لغته وثقافته وتاريخه وذاكرته وهويته الخاصة.
قد نتشارك مع شعوب الجوار بعض العادات نتيجة قرون من التداخل والتعايش، لكن التجاور لا يعني الذوبان، والتشابه في بعض التفاصيل لا يعني تطابق الهوية.
فالتقسيم السياسي قد يجزّئ الجغرافيا، لكنه لا يستطيع تقسيم الذاكرة والثقافة والروح.
من روج آفا إلى باكور، ومن روج هلات إلى باشور كوردستان، نحن شعب واحد بتنوعه، تجمعنا هوية وثقافة وذاكرة مشتركة، وإن فرّقتنا حدود رسمتها السياسة.
فلنجعل من هذا التنوع مصدر قوة، ومن اختلاف تجاربنا جسراً للحوار، ومن هويتنا أساساً لوحدة الصف.
كوردستان ليست مجرد جغرافيا؛ إنها ذاكرة شعب، وهوية، وكرامة، ومستقبل. ووحدتنا مسؤوليتنا جميعاً.




