بين عدالة القضية وفوضى إدارتها: لماذا تبدو السلطة الانتقالية في دمشق أكثر تنظيماً من خصومها؟

شادي حاجي 
نتيجةً لمتابعتي المتواضعة لما يُطرح في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي حول المشهد السوري العام، أجد نفسي أمام ملاحظة تتكرر باستمرار:
فالسلطة الانتقالية في دمشق، مهما اختلفنا مع سياساتها أو مواقفها، تبدو في كثير من الأحيان أكثر قدرة على إدارة خطابها السياسي والقانوني بصورة منظمة ومتماسكة إلى حدٍّ ما، بينما تظهر ردود الفعل الكردية الحزبية والثقافية والإعلامية متفرقة، وانفعالية، وأقرب إلى ردود فعل متسرعة منها إلى مشروع سياسي متكامل.
قد يختلف الناس حول عدالة هذا الطرف أو ذاك، لكن السياسة لا تُدار فقط بالأحقية الأخلاقية، أو المظلومية التاريخية، أو عدالة القضية، بل أيضاً بالقدرة على التنظيم، وبناء المؤسسات، وصياغة خطاب قانوني ودبلوماسي قادر على الصمود والإقناع.
فالدولة — بطبيعتها — تتحرك بعقل المؤسسات؛ إذ تمتلك خبراء قانون، وأجهزة إدارية، وغرف قرار، وآليات لصناعة الخطاب، حتى في أكثر المراحل اضطراباً. ولذلك تبدو قراراتها، غالباً، جزءاً من رؤية سياسية متصلة، سواء اتفقنا معها أم لا.
في المقابل، تعاني القوى السياسية والثقافية والمجتمعية الكردية، كما يبدو للمراقب، من أزمة إدارة سياسية لا تقل خطورة عن أي تحدٍّ خارجي.
فالتعدد الحزبي الكردي الحاد، والانقسامات الداخلية، والخلافات الأيديولوجية، والانتقال السريع إلى الخطاب العاطفي والإعلام التعبوي، كلها عوامل تستهلك جزءاً كبيراً من الطاقة السياسية الكردية.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة:
قد تكون لديك قضية عادلة، لكنك تخسر تأثيرك حين تعجز عن إدارتها بعقل بارد ومشروع واضح.
فالتاريخ السياسي مليء بحركات امتلكت شرعية أخلاقية، لكنها خسرت بسبب سوء الإدارة، في حين نجحت قوى أخرى لأنها كانت أكثر تنظيماً، وأكثر قدرة على بناء التحالفات، وإنتاج خطاب قانوني مفهوم للعالم وللداخل معاً.
وفي الحالة السورية تحديداً، لا يكفي الحديث عن الحقوق القومية أو الثقافية بلغة عاطفية أو ثورية فقط، لأن أي حقٍّ لا يتحول إلى صياغة دستورية ومشروع سياسي قابل للحياة يبقى عرضة للتأويل أو التهميش.
فالحقوق الحديثة تُنتزع عبر:
نصوص دستورية واضحة،
ومؤسسات تفاوض،
وتحالفات سياسية،
وخطاب وطني لا يثير مخاوف بقية المكونات،
وقدرة على تقديم نموذج مستقر وقابل للتطبيق.
ومن المهم هنا التمييز بين أمرين:
فالقول إن السلطة أكثر تنظيماً لا يعني بالضرورة أنها أكثر عدالة، كما أن ضعف إدارة القوى الكردية لا يلغي مشروعية مطالبها.
لكن الواقع السياسي يقول بوضوح إن ميزان التأثير لا تحسمه العدالة وحدها، بل تحسمه أيضاً الكفاءة السياسية.
ولهذا تبدو الحاجة اليوم ملحّة أمام القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية والثقافية والمجتمعية، للانتقال:
من ردود الفعل إلى بناء المؤسسات،
ومن الخطاب العاطفي إلى الخطاب الدستوري،
ومن التنافس الحزبي والثقافي والمجتمعي إلى رؤية تفاوضية موحدة،
ومن الإعلام التعبوي إلى إنتاج عقل سياسي ودبلوماسي وقانوني محترف.
لأن السياسة الحديثة لا تكافئ الطرف الأكثر غضباً، بل الطرف الأكثر قدرة على تحويل قضيته إلى مشروع قابل للحياة.
وإلى مستقبل أكثر نضجاً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمعة عكاش Jomaa Akkash اليوم سنغني وسنطلق الألعاب النارية ونلبس من أجمل ملابسنا وسنعقد حلقات الدبكة الكردية والعربية والسريانية وكاننا في “الجنة” هكذا نحن شعوب القامشلي وزالين وقامشلو نحب الحياة، لكن في الحقيقة واقع مدينتنا – عاصمتنا كارثي للغاية. إذا كانت دمشق أسوء مدينة للعيش في العالم…

محمود أوسو نحن لا نكتب عن التاريخ لنتفاخر بالماضي، ولا عن الدين لنكفر أحداً، ولا عن السياسة لنشتم قومية أو نقدس قومية. نكتب لأن السكوت خيانة، والحوار واجب. من يظن أننا عندما نكتب عن حدث تاريخي أو ديني أو اجتماعي، هدفنا إهانة دين أو قومية، فهو لم يفهم حرفاً مما نكتب، ولم يفهم معنى أن تكون إنساناً. نحن نحترم…

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…