فيصل اسماعيل
الحرب الأمريكية على إيران، وحسابات القوى الكبرى، ومستقبل المشروع الوطني الكوردي في شرق أوسط يُعاد تشكيله من جديد
إن الخطر على الكورد لا يكمن فقط في نتائج الحرب، بل في أن تُصنع التحولات القادمة وهم منقسمون. فحين تتصارع الإمبراطوريات، تصبح وحدة الموقف الوطني الكوردي أهم من أي وقت مضى.
ما يجري اليوم في المنطقة يتجاوز كونه مواجهة بين إسرائيل وإيران، فهو في جوهره صراع أوسع تقوده الولايات المتحدة لإعادة ضبط موازين القوى في الشرق الأوسط، فيما تمثل إسرائيل رأس الحربة العسكرية في هذه المواجهة. أما إيران فتسعى للحفاظ على دورها الإقليمي ومنع خصومها من فرض معادلات جديدة على حسابها.
ورغم امتلاك واشنطن القدرة على التأثير الحاسم في مسار الحرب، فإن أهدافها تختلف عن أهداف إسرائيل. فتل أبيب تنظر إلى الصراع من زاوية أمنية مباشرة، بينما تتعامل الولايات المتحدة معه من منظور أوسع يرتبط بالطاقة والممرات التجارية والتنافس الدولي مع روسيا والصين. لذلك لا تبدو واشنطن معنية بإسقاط إيران أو تفكيكها بقدر ما تسعى إلى إضعافها ومنعها من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة.
وفي المقابل، لا ترغب روسيا والصين في رؤية شرق أوسط يخضع بالكامل للنفوذ الأمريكي، لذلك تحاولان الحفاظ على التوازن ومنع أي تغيير جذري في موازين القوى، بينما تراقب الدول الأوروبية المشهد بقلق خشية انعكاساته على الأمن والطاقة والاقتصاد العالمي.
وسط هذه الحسابات الدولية المعقدة، تجد كوردستان نفسها مرة أخرى في قلب العاصفة. فالإقليم لم يكن طرفاً مباشراً في الحرب، ومع ذلك تعرض للضغوط والقصف، لأن موقعه الجغرافي وعلاقاته الدولية جعلاه جزءاً من معادلات الردع والرسائل المتبادلة بين القوى المتصارعة.
ويرى كثير من الكورد أن تركّز الضغوط العسكرية في مناطق نفوذ الحزب الديمقراطي الكوردستاني أو في المناطق التي تنشط فيها قوى كوردستان إيران المعارضة لطهران، لا يخلو من أبعاد سياسية تتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة. كما أن كثيرين يعتقدون أن بعض القوى الإقليمية تنظر بقلق إلى أي مشروع وطني كوردي مستقل قادر على تعزيز القرار الكوردي وحماية المكتسبات القومية.
وفي هذا السياق يبرز دور المرجعية الوطنية الكوردستانية المتمثلة بالرئيس مسعود بارزاني، الذي دعا باستمرار إلى مشروع وطني كوردي جامع يقوم على حماية المكتسبات الدستورية وتعزيز العلاقات الدولية وتحصين كوردستان من صراعات المحاور. غير أن هذا المشروع واجه تحديات كبيرة بسبب الانقسامات السياسية الكوردية وتضارب الحسابات الحزبية والإقليمية.
ولعل أبرز دروس المرحلة الحالية أن الخطر على الكورد لا يأتي فقط من الخارج، بل من استمرار الانقسام الداخلي في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات قد تعيد رسم خرائط النفوذ لعقود قادمة. فالتاريخ أثبت أن القوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها، أما الشعوب التي تفتقد وحدة الموقف والرؤية المشتركة فتتحول بسهولة إلى ساحات لتصفية الحسابات.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة جديدة قد تحمل فرصاً ومخاطر في آن واحد. والسؤال الذي يواجه الكورد ليس فقط كيف ستنتهي الحرب، بل كيف يمكن تحويل هذه التحولات إلى فرصة لحماية الحقوق القومية وتعزيز المشروع الوطني الكوردي.
فحين تتصارع الإمبراطوريات، لا يكفي أن تكون محقاً، بل يجب أن تكون موحداً وقادراً على حماية مصالحك. أما الأمم التي تنقسم على نفسها فتتحول إلى جزء من مشاريع الآخرين، في حين أن الأمم التي تتوحد حول مشروعها الوطني تصبح شريكاً في صناعة المستقبل.