كردستان ورد الجميل الإيراني

ماجد ع  محمد

إذا ما صدق موقع “أكسيوس” بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختارت رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ليكون قناة خلفية للتواصل مباشرة مع قيادة “الحرس الثوري” الإيراني، بعدما ساورت واشنطن شكوك بشأن صلاحيات المفاوضين الإيرانيين لإبرام اتفاق ينهي الحرب. فهذا يعني بأن بارزاني حلقة وصل مهمة وفاعل خير وليس محضر شر، وفي العرف الإنساني يُكافأ فاعل الخير على ما قام به بأفضل رد، وربما يُقابل بفيضٍ من كلمات الإطراء والتعبير عن الشكر والامتنان، أما أن يُقابل خيره في الظروف الحرجة والأوقات الصعبة بالشر فهذا يشير إلى أن صنع الجميل مع جهة لا عهد لها ولا مبدأ ولا ميثاق ولا التزام أخلاقي لديها أشبه بمن عمل الخير مع انثى الضبع المعروفة باسم ام عامر، حيث جاء في القول المأثور: “ومن يصنع المعروف في غير أهله يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر” وعادةً ما يُضرب هذا المثل لمن يُسدي خدمة كبيرة لأحدهم أو يحسن إليه ويقدم الخير لمن لا يجازي المُحسن بالشكر والعرفان إنما يقابل الخير بالنكران والجحود والغدر.

وحيال السلوك العدواني لدولة الملالي تجاه كل من الإمارات العربية المتحدة، الكويت، البحرين، المملكة العربية السعودية، قطر، الأردن، سلطنة عمان وإقليم كردستان العراق منذ بدء صراعها التناحري مع أمريكا وإسرائيل، فلم يعد خافياً على أحد بأن قادة ذلك النظام تغيظهم جداً حالة الازدهار والتطور المستمر في دول الخليج العربي مقابل تراجعها المُطَّرِد يوماً بعد آخر، ولأنها باتت في الحضيض ومن الصعب عليها اللحاق بركب الدول المذكورة، لذا لا تستطيع كتم غيظها وحقدها عليهم، لذلك تحاول بشتى السبل نقل الخراب الحاصل لديها إلى دول الجوار واقليم كردستان، ولكنها إلى هذه اللحظة فشلت في جر الدول التي استهدفتها بمسيَّراتها وصواريخها إلى المستنقع الذي تتخبط فيه.

عموماً عدا عن أن نظام الملالي يكره تجربة إقليم كردستان برمتها، يبقى أن ما يغيظها أكثر في الإقليم هي الردود الدبلوماسية لكل المسؤولين في حكومة الإقليم حيال ما تعرض ويتعرض له الاقليم من العدوان السافر عشرات المرات من قبل إيران أو أذرعها الإجرامية في العراق، إذ حتى في الاستهداف الأخير كان بيان كل من رئيس الاقليم نيجيرفان بارزاني ورئيس الحكومة مسرور بارزاني في منتهى الأدب والدبلوماسية، وربما هذا التصرف الراقي مع العجرفة الإيرانية هو ما يزيد من حنق المتغطرسين في طهران، حيث حافظ مسؤولي الحكومة على كامل هدوئهم عقب العدوان الإيراني الأخير، فلم ينفعل أي واحدٍ منهم مع تمسكهم بوجهة نظرهم بقوة الحجة والبرهان، وكانوا منطقيين وابتعدوا كلياً عن البيانات العاطفية أو التصريحات الانفعالية.

ولا شك في أن قيادة اقليم كردستان لا تحتاج إلى نصائحنا بخصوص ماضي هذه الدولة وتجاربها الإجرامية إبان مفاوضاتها السابقة مع المعارضين، إذ أنها قتلت أثناء المفاوضات الدكتور عبد الرحمن قاسملو، الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، يوم 13 يوليو/تموز 1989 في العاصمة النمساوية فيينا، وبعدها قامت أدوات ذات الدولة باغتيال الدكتور صادق شرفكندي الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في 17 أيلول/سبتمبر 1992 بالعاصمة الألمانية برلين، وأثبتت التحقيقات والمحاكمات الألمانية لاحقاً تورط المخابرات الإيرانية وعناصر تابعة لحزب الله اللبناني بأوامر مباشرة من القيادة في طهران في عملية الاغتيال؛ كما أن عملية اغتيال الدكتور قاسملو ورفاقه وفق التحقيقات النمساوية قد تمت عبر التسهيلات المقدمة من قِبل وفد نظام الملالي المشارك في الاجتماع، وحسب الأدلة التي جمعتها الشرطة النمساوية وتقارير حقوقية وسياسية فإن عناصر تابعة للاستخبارات الإيرانية كانت وراء تدبير وتنفيذ العملية؛ وهذا يعني بأن على قيادة الإقليم وتحديداً على رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني أن لا يثق قط بأي طرف إيراني أثناء قيامه بدور الوسيط أو إبان عملية التفاوض، لأن هذا النظام قادر وبكل سهولة على أن يطعن ويغدر بأي شخص أو طرف.

وحقيقةً إن طريقة رد الجميل لدى نظام الملالي لا تشبه إلا طريقة الثعبان في الشكر لمن أحسن إليه، إذ في الوقت الذي يقوم فيه رئيس الإقليم بالتوسط بين واشنطن وإيران للوصول إلى حلٍ يرضي كلا الطرفين، وفي الوقت الذي يعمل الوسيط على تقارب وجهات النظر واللجوء إلى لغة الحوار بدلاً من الحرب والتدمير، وعوضاً عن تقدير جهود الوسيط واحترامه، وبدلاً من إرسال بطاقات الشكر للقائم بدور الوساطة تكافئه إيران بإرسال مسيراتها القاتلة إلى قيادة إقليم كردستان عوضاً عن رسائل الامتنان، والرد الأخير الجاحد يُعيد إلى أذهاننا قصة الثعبان الذي لا يغير طبعه القائم على الغدر والخيانة واللدغ، إذ ذكر الكاتب اليوناني إيسوب أنه: “في أحد فصول الشتاء، وجد مزارع أفعى متجمدة من البرد، أشفق عليها، فحملها ووضعها في حضنه، سرعان ما استعادت الأفعى نشاطها بفضل الدفء، وعادت إلى طبيعتها، فعضت من أحسن إليها، وأصابت المنقذ بجرحٍ قاتل، عندها صرخ المزارع: آه، لقد نلت جزائي على شفقتي على هذا الوغد”.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي القابلية لإقناع الذات وخداعها إزاء الواقع، هو استعداد وسلوك نفسي مشترك ينشأ لدى الجماعات والأفراد، الذين بلغوا درجة من العجز المطلق إزاء فهم واقعهم وتفسيره بعد أن فُرض عليهم قسراً، واستسلموا فعلياً له. ورغم ذلك يلجؤون إلى ميكانيزمات لخداع الذات والتحايل عليها عبر إسباغ معنى أو دلالة معاكسة لهذا الواقع كما هو بالفعل. فالأمم تخدع نفسها…

عبد الجابر حبيب لا أعتقد أن المشكلة في أن ننتقد صلاح الدين أو نعيد قراءة دوره في التاريخ، فهذا حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما ننظر إلى التاريخ بعين اليوم، ثم نحاكم شخصيات الماضي وفق مفاهيم سياسية وقومية لم تكن موجودة في زمنها. من يقول إن صلاح الدين قصر بحق الكورد، وخدم غير هم، ولم يسعَ إلى تأسيس دولة كوردية،…

صلاح بدرالدين قبل مائة عام بدأت معالم هذه المدينة بالظهور مع تواجد حامية الانتداب الفرنسي على التلة المقابلة لمدينة نصيبين – التركية – ووضع المهندسون الفرنسييون الخرائط ، واللبنة الأولى لبناء مدينة على نهر – جقجق – المتدفق من ينابيع وادي – بونصرا – قبل تغيير مجراه – في ولاية ماردين بكردستان تركيا . هناك في المنطقة الكردية السورية وأطرافها…

د . مرشد اليوسف تدخل قامشلو مئويتها الثانية وهي تحمل مئة عام من الذاكرة، بكل ما فيها من أفراح وأحزان، ونجاحات وإخفاقات، وتحولات سياسية واجتماعية تركت بصماتها على المدينة وأهلها. لكن قامشلو اليوم ليست قامشلو التي عرفناها قبل عقود. فقد أنهكتها سنوات الأزمة السورية، وأثقلت بنيتها التحتية، وتراجعت خدماتها، وفقدت بعضاً من ملامحها الجميلة. وليس من الإنصاف أن نحمّل…