مقالات

حين تدفن الجريمة تحت ضجيج الأسعار

د. عدنان بوزان

ليست كل الأزمات التي تنفجر في الشارع عفوية بالضرورة، كما أن توقيت بعض القرارات السياسية قد يكون أبلغ من القرار نفسه. ففي السياسة، لا تقاس خطورة الحدث بما يحدث فيه فقط، وإنما بما يزيحه من واجهة المشهد. وحين تكون السلطة محاصرة بأسئلة ثقيلة، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله ليس الإجابة عنها، بل إنتاج سؤال آخر أكثر إلحاحاً في حياة الناس اليومية.

وهذا بالضبط ما يجعل رفع أسعار المحروقات، في هذا التوقيت تحديداً، جديراً بالقراءة السياسية، لا الاقتصادية وحدها.

كان الشارع، قبل انفجار أزمة الوقود، أمام سؤالين لم يكونا عاديين: من قتل سيبان؟ ومن أحرق سجناء كوباني؟ سؤالان يرتبطان بدماء بشر، وبمسؤوليات سياسية وأمنية وقانونية، وبحوادث لا ينبغي أن تغلق ملفاتها بمجرد إطلاق رواية جاهزة أو تحميل المسؤولية لطرف لا يملك بالضرورة القدرة على تقديم الحقيقة كاملة. وكانت القضية تتجه نحو مساحة أكثر خطورة بالنسبة إلى السلطة: مساحة السؤال والمساءلة والبحث عن المسؤول.

ثم جاء قرار رفع أسعار المحروقات، فإذا بالمشهد يتغير بسرعة.

خرجت المحافظات إلى الشوارع، وأُغلقت الطرق، وارتفعت أصوات الغضب، وتحول النقاش العام من الجريمة إلى الخبز، ومن الدم إلى سعر الوقود، ومن سؤال المسؤولية إلى سؤال القدرة على البقاء. وهنا تكمن المفارقة السياسية الأكثر قسوة: حين يعجز الناس عن تأمين حاجاتهم الأساسية، يصبح من الصعب عليهم الاستمرار في ملاحقة الأسئلة الكبرى.

الجوع لا يلغي العدالة، لكنه يستهلك طاقة المطالبة بها. والفقر لا يمحو الجريمة، لكنه يدفع الناس إلى تأجيلها. والغلاء لا يبرئ القاتل، لكنه يستطيع أن يطرد قضية القتل من واجهة المشهد.

وهذا هو جوهر الإلهاء السياسي: ليس أن تجعل الناس تنسى، وإنما أن تجعلهم منشغلين إلى الحد الذي لا يعود لديهم معه الوقت والطاقة لمواصلة السؤال.

فالسلطة الذكية، حين تجد نفسها أمام قضية محرجة، لا تحتاج دائماً إلى إسكات الجميع؛ يكفيها أحياناً أن تجعل الجميع يتحدثون عن شيء آخر.

وهنا لا تكمن المسألة في سعر المحروقات وحده، ولا في حق الناس في الاحتجاج على الغلاء؛ فهذا حق طبيعي ومشروع، بل إن رفع الأسعار في ظروف معيشية قاسية يمكن أن يكون سبباً كافياً لانفجار اجتماعي واسع. لكن السؤال السياسي هو: لماذا جاء هذا القرار في هذه اللحظة تحديداً؟ وما الذي أحدثه في ترتيب أولويات الشارع؟

فالقرار السياسي لا يقرأ بمعزل عن سياقه، والتوقيت في السياسة قد يكون جزءاً من المعنى.

لقد كان من الممكن أن يبقى الشعب أمام جريمة سيبان، وأمام مأساة سجناء كوباني، وأمام أسئلة المسؤولية والاعتقال والحرق والأبواب المغلقة والروايات المتناقضة. وكان من الممكن أن يتسع النقاش حول ما إذا كانت تلك الأحداث مجرد وقائع منفصلة، أم أنها تنتمي إلى مناخ سياسي وأمني واحد. لكن الأزمة المعيشية الجديدة نقلت مركز الثقل إلى مكان آخر تماماً.

وهكذا أصبحت الأولوية: كم أصبح سعر الوقود؟ بينما كان السؤال الذي ينبغي ألا يموت: من قتل سيبان؟ وكان ينبغي أن يبقى السؤال الآخر حاضراً: من أحرق سجناء كوباني، ولماذا لم تحمَ أرواحهم؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية سياسية ليس أن تنفى، بل أن تنسى. والنسيان السياسي لا يحتاج دائماً إلى حذف الذاكرة؛ يكفي أن تغرق الذاكرة في سيل من الأزمات اليومية. وحين يصبح المواطن مشغولاً بالطوابير، والخبز، والوقود، وأجرة النقل، وتكاليف المعيشة، فإن السلطة تكون قد نجحت في نقل المعركة من ميدان المساءلة إلى ميدان البقاء.

وهنا تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أداة سياسية، سواء أكان ذلك مقصوداً، أم كان مجرد نتيجة محسوبة لقرار غير مسؤول. وفي الحالتين، تكون النتيجة واحدة: تراجع الجريمة إلى الخلف، وتقدم لقمة العيش إلى الواجهة.

لكن دم سيبان لا يصبح أقل قيمة لأن سعر الوقود ارتفع، وسجناء كوباني لا يصبحون أقل استحقاقاً للعدالة لأن الشوارع امتلأت بالغاضبين على الأسعار.

القضايا لا تتنافس على الحقيقة. ولا يجوز أن يسمح الشارع لأزمة جديدة بأن تبتلع أزمة أقدم وأخطر. من حق المواطن أن يحتج على الفقر، ومن حقه أن يرفض رفع الأسعار، ومن حقه أن يقطع الطريق احتجاجاً على سياسة اقتصادية تدفعه نحو مزيد من العوز؛ لكن من حق الضحايا أيضاً أن يبقى دمهم حاضراً في الذاكرة العامة، وأن تظل الأسئلة التي طرحتها جرائمهم مفتوحة حتى الوصول إلى الحقيقة.

إن أخطر انتصار يمكن أن تحققه السلطة ليس أن تقنع الناس بروايتها، بل أن تجعلهم يتوقفون عن السؤال.

وعندما يتحول المجتمع من البحث عن القاتل إلى البحث عن سعر ليتر الوقود، فثمة شيء أعمق من أزمة اقتصادية يحدث في المشهد: إعادة هندسة للأولويات العامة.

وهنا يجب أن يكون الوعي السياسي أكثر يقظة من الضجيج. فليس المطلوب أن يختار الناس بين خبزهم ودماء ضحاياهم، وليس المطلوب أن يتوقف الاحتجاج على الغلاء من أجل قضية أخرى. المطلوب هو ألا تسمح السلطة بتقسيم الذاكرة العامة إلى ملفات متنافسة، بحيث يبتلع الملف المعيشي الملف الجنائي، ثم يدفن الأخير تدريجياً تحت ركام الأحداث الجديدة.

فالسلطة التي تخشى السؤال قد لا تمنعك من الكلام؛ قد تمنحك موضوعاً آخر للكلام. وقد لا تطلب منك أن تنسى؛ قد تجعلك مشغولاً إلى درجة أنك لا تجد وقتاً للتذكر. وهذه، في جوهرها، واحدة من أكثر أدوات السيطرة السياسية نعومةً وخطورةً: أن يتحول الإلهاء إلى بديل عن القمع، وأن يصبح الضجيج بديلاً عن الحقيقة.

لذلك ينبغي ألا نسمح بأن يدفن سؤالا سيبان وسجناء كوباني تحت ضجيج المحروقات، مهما كان الغلاء موجعاً، ومهما كانت الاحتجاجات مشروعة.

فالأسعار ترتفع وتنخفض، والأزمات الاقتصادية تتغير، والحكومات تأتي وتذهب؛ أما الجريمة التي لا تجد عدالة، فإنها تتحول إلى جرح مفتوح في ذاكرة شعب كامل.

ولهذا يجب أن يبقى السؤال قائماً، مهما ارتفع سعر الوقود، ومهما امتلأت الشوارع بالغاضبين:

من قتل سيبان؟ ومن أحرق سجناء كوباني؟

فإذا ضاع السؤال، فلن تكون السلطة قد ربحت معركة الأسعار فقط؛ بل تكون قد ربحت معركة الذاكرة أيضاً.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
5 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب

بيان اعتزال

إدريس سالم أنا إدريس سالم، أكتب اليوم للمرّة الأولى دون أن أبحث عن جملة تليق بما أشعر، ودون أن أحاول أن أُنقذ…

متى سنعود إلى بيتنا؟

المهندس باسل قس نصر الله جاء أبناء جيراني، الموزعون بين ألمانيا والبرازيل وكندا والسويد وهولندا وغيرها من بلاد الغربة، لزيارة أهاليهم في…