مقالات

بين قنديل والصحراء.. كيف التقى النقيضان على عتبة دمشق؟

محي الدين حاجي

إذا نظرنا إلى تاريخ الشرق الأوسط، نجد أن التطورات الكبرى نادراً ما تحكمها النصوص الأيديولوجية؛ بل تصنعها لغة الضرورة وحسابات الميدان. واليوم، تقف العاصمة السورية أمام أحد أكثر المشاهد السياسية غرابة وإثارة للدهشة التقاء اليسار الكردي ممثلاً بـ مظلوم عبدي، مع التيار الإسلامي ممثلاً بـ أحمد الشرع أبو محمد الجولاني، في هيكل واحد لإدارة المرحلة الانتقالية في دمشق.

تبدأ هذه القصة من نقطتي انطلاق متوازيتين خارج الحدود السورية؛ حيث غادر مظلوم عبدي البلاد مبكراً للانخراط في الحركة الكردية وصولاً إلى جبال(قنديل)  العراق، بينما اتجه أحمد الشرع في شبابه نحو صحراء العراق للانخراط في صفوف التنظيمات الإسلامية. اكتسب كلاهما خبرة عسكرية وتنظيمية صلبة في بيئات المعارك المعقدة، وحين اندلعت الأحداث في سوريا عام 2011، عادا لتأسيس أذرع عسكرية ومؤسسات أمنية في الداخل؛ فأسس عبدي “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) في الشمال الشرقي، وأسس الشرع “جبهة النصرة” التي تحولت لاحقاً إلى “هيئة تحرير الشام” في الشمال الغربي.

ولم تقف براغماتية الرجلين عند حدود التأسيس، بل امتدت إلى فرض الهيمنة المطلقة عبر حسم الصراع مع الخصوم الداخليين وتهميش المنافسين المحليين. ففي الشمال الغربي، خاض الشرع مواجهات أمنية وعسكرية ضارية ضد الفصائل المسلحة الموالية للمعارضة التقليدية وشلّ حركة الأحزاب والتنظيمات المنافسة لإحكام قبضته الأحادية على إدلب. وفي المقابل، عمل عبدي عبر هيمنة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) على تحجيم القوى والحركات الكردية التقليدية والاحتفاء بالقرار الأمني وتهميش الأطراف السياسية الأخرى داخل “الإدارة الذاتية”. وموازاةً مع ذلك، خاضا معارك شرسة ضد تنظيم “داعش” والجماعات الأكثر راديكالية لإثبات القدرة على فرض الأمان واستقرار الشارع، متحوّلين من قادة فصائل إلى مديري مناطق ومؤسسات حكومية عبر “حكومة الإنقاذ” في إدلب و”الإدارة الذاتية” في الشمال  الشرقي.

وفي الملف الإقليمي الأكثر حساسية، شكّلت كيفية التعامل مع تركيا المحك الأبرز لبراغماتيتهما. فالشرع، الذي بدأ بحالة من التوجس والحذر نظرًا للخلفيات الأيديولوجية، سرعان ما تحول إلى حليف وظيفي وسياسي لأنقرة؛ نسّق معها أمنياً على الشريط الحدودي، وفتح المعابر، مما جعله طرفاً رئيساً في الترتيبات الإقليمية. وفي المقابل، ورغم تاريخ طويل من المواجهة العسكرية الحادة بين تركيا والمشروع الكردي، أبدى عبدي مرونة عالية في قبول التفاهمات السياسية والإقليمية التي تقود إلى التهدئة وتضمن استقرار مناطق نفوذه وتكاملها مع نظام الأسد سابقا وتركيا على الرغم من التصريحات والشعارات التي رفعها عكس ذلك.

وقبل أن يجلس الرجلان تحت سقف مؤسسة الرئاسة في دمشق، كانت خطوط التجارة قد سبقت السياسة بصلات مبكرة؛ حيث لم تمنع الاختلافات الفكرية بين الماركسية والسلفية من سريان شحنات النفط والقمح والبضائع بين إدلب وشمال شرق سوريا، مما أثبت أن المصالح الحيوية اليومية تتقدم على الشعارات الأيديولوجية.

توجت هذه المسارات بحل التشكيلات العسكرية المستقلة ودمج المؤسسات الإدارية والعسكرية في هيكلية الدولة المركزية بعد استلام الشرع سدة الحكم في دمشق. إن تولي أحمد الشرع رئاسة الجمهورية للمرحلة الانتقالية، وانضمام مظلوم عبدي إلى مؤسسة الرئاسة مستشاراً، يمثل نهاية لمرحلة “إدارات المناطق” وبداية لـ “واقعية الدولة”؛ اعتراف من التيار الإسلامي بالوزن الكردي وشرق الفرات، مقابل اعتراف من اليسار الكردي بالمركز السيادي لدمشق، ليعيد الرجلان كتابة قواعد اللعبة السياسية في سوريا الجديدة.

غير أن هذا الاتفاق الذي يُراد له أن يكون تدشيناً لـ “واقعية الدولة”، قد لا يكتمل ويظل رهينة امتحان صعب؛ الرجلان مرتبطان بمسارات إقليمية شائكة تتجاوز الحدود السورية. يُدار عبدي ويتحرك تحت تأثير القيادة في جبال قنديل ووفق أجندتها السياسية والعسكرية والمرتبطة بالوضع الكردي في تركيا، بينما يرتبط الشرع بالحسابات الإقليمية لتركيا و”المشروع الأردوغاني”، في المنطقة مما يجعل شراكتهما عرضة للتناقضات والاهتزاز أمام أول محك إقليمي.

وعلى الصعيد الداخلي، ترك عبدي خلفه في الشمال الشرقي ملفات معقدة وأزمات جمّة؛ من قمع سياسي وعجز اقتصادي وقلة في الخدمات وفرض سلطة أمر واقع أحادي الجانب، مما أثار غضب السكان المحليين. واللافت في الآونة الأخيرة هو بروز ظاهرة خطيرة تتمثل في جرأة أهالي وعائلات تنظيم “داعش” على تهديد الكرد، وكأنهم كانوا من ثوار الثورة السورية، مع المطالبة بمحاسبة مقاتلي “قسد” الذين قدموا آلاف الشهداء في الحرب ضد هذا التنظيم الإرهابي، ولولا تلك التضحيات الجسام لكانت هذه العشائر والمكونات حتى الآن تحت رحمة بطش “داعش“.

وفي المقابل، تبدو سلطة الشرع مرتاحة لهذه الأزمات والتهديدات التي تحيط بالشمال الشرقي السوري؛ إذ تساهم هذه الضغوط المتزايدة في إضعاف موقف الكرد، مما يتيح للشرع فرصة بسط نفوذه بشكل كامل، ليقدم نفسه كـ “مُخلّص” ومنقذ للقضية الكردية بدلاً من مظلوم عبدي والحركة الكردية التقليدية. وبين حسابات قنديل وأهداف أنقرة، تبدو الأيام القادمة بمثابة الامتحان الحقيقي والفاصل لمسار هذا الاتفاق الشائك.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب

بيان اعتزال

إدريس سالم أنا إدريس سالم، أكتب اليوم للمرّة الأولى دون أن أبحث عن جملة تليق بما أشعر، ودون أن أحاول أن أُنقذ…