إدريس سالم
أنا إدريس سالم، أكتب اليوم للمرّة الأولى دون أن أبحث عن جملة تليق بما أشعر، ودون أن أحاول أن أُنقذ بالكلمات ما عجزت عن إنقاذه بالفعل.
بعد سنوات طويلة قضيتها بين الكتب والأقلام والدفاتر، وبين القراءة والكتابة، وبين الإيمان بأن الكلمة يمكن أن تكون موقفاً، وأن القلم يستطيع أن يقف إلى جانب المظلوم والفقير والتعيس، وصلت إلى لحظة لم يعد بإمكاني فيها أن أواصل بالطريقة نفسها.
لقد فشلت.
أقولها أوّلاً في حقّ نفسي، وبالمعيار الذي وضعته لنفسي طوال هذه السنوات. فشلت في أن أساعد نفسي وشعبي الكوردي بالقدر الذي كنت أتمنّاه، وفشلت في أن أجعل من كلماتي سنداً حقيقياً لقضيتي، وفشلت في أن أحوّل ما راكمته من قراءة ومعرفة وكتابة إلى فعل يتجاوز حدود النصوص والمنابر.
وأعرف جيّداً أن كاتباً واحداً لا يستطيع أن يغيّر مصير شعب، ولا أحمّل نفسي مسؤولية ما يتجاوز قدرتي. لكنني أحاسب نفسي على ما كان بوسعي أن أفعله ولم أفعله، وعلى المسافة التي بقيت دائماً بين ما أكتبه وما كنت أستطيع أن أقدّمه في الواقع.
كتبت كثيراً عن الألم، لكن الألم بقي.
دافعت عن قضية أؤمن بها، لكن القضية ما زالت تنزف، وتُدار في كثير من الأحيان بمنطق المصالح والصفقات، بعيداً عن آمال أصحابها. رفعت صوتي بالكلمات، بينما كانت أصوات تُدفن تحت الركام والصمت، وأخرى تُحرق داخل السجون، والكثير منها تُنهيها الحروب قبل أن تجد مَن يسمعها.
ربما أخطأت حين منحت الكلمة أكثر مما تحتمل، وحين ظننت أن الكتابة قادرة وحدها على سدّ الفجوة بين المعرفة والفعل. تعلّمت متأخّراً أن للكلمة حدوداً، وأن الكاتب، مهما اتّسعت رؤيته، يبقى عاجزاً أمام واقع لا يريد أن يتغيّر بالكلمات.
لذلك، ومن هذه اللحظة، أعلن الوقوف عن الكتابة. ليس لأنني فقدت الإيمان بالكلمة، ولا لأنني تخلّيت عن انتمائي أو عن قناعتي بقضية شعبي، وإنما لأنني لم أعد أحتمل الاستمرار في دور أشعر أنني لم أعد قادراً على أدائه بالطريقة التي حلمت بها.
أنا إدريس سالم، اخترت أن أتوقّف عن الكتابة حين أدركت أنني لم أعد أستطيع أن أكتب بالمسافة نفسها من اليقين الذي كنت أمتلكه سابقاً. وربما يكون صمتي وابتعادي عن عالم الأدب والكتابة الآن أكثر صدقاً من كتاب جديد.
أغلق دفاتري، وأضع قلمي جانباً، وأترك الكتب في أماكنها. وسأتلف مخطوطاتي الأربعة والعشرين، لا في لحظة غضب أو انفعال، وإنما بعد قرار فكرت فيه طويلاً. أعرف أن إتلاف أربعة وعشرين مخطوطاً يعني إغلاق سنوات من العمل، لكنني لم أعد أرى في الاحتفاظ بها المعنى الذي كانت تمثّله بالنسبة إليّ.
لا أعرف إن كان هذا اعتزالاً نهائياً أم هزيمة مؤقتة أمام واقع أكبر مني. وربما يأتي يوم أعيد فيه النظر في هذا القرار، لكنني اليوم لا أريد أن أترك لنفسي باباً خلفياً أتسلّل منه إلى الكتابة كلما اشتقت إليها. أريد أن أختبر للمرّة الأولى حياة لا يكون فيها القلم هو وسيلتي الوحيدة لفهم ما يحدث من حولي.
إلى كلّ مَن قرأ لي يوماً، أو وجد في كلماتي شيئاً يشبهه، أو انتظر مني نصّاً جديداً:
أعتذر.
أعتذر، فلم يكن القلم ضعيفاً وحده، لكنني كنت أظن أنه أقوى مما هو عليه.
أعتذر، وأختار الصمت، وأبتعد عن الضجيج الذي أحاط بالكتابة والقضية، وأعود إلى أبسط صورة يمكن أن أكون عليها:
مواطناً كوردياً بسيطاً، يحمل انتماءه بعيداً عن المنابر والأدوار والألقاب.
قد أتوقّف عن الكتابة، لكنني لا أتوقف عن الانتماء. قد أغادر عالم الأدب، لكنني لا أغادر ما أؤمن به. أما القلم، فسأتركه هذه المرّة حيث يجب أن يكون:
صامتاً.
#إدريس_سالم
15 أيلول/سبتمبر 2026