عبد الجابر حبيب
لا أعتقد أن المشكلة في أن ننتقد صلاح الدين أو نعيد قراءة دوره في التاريخ، فهذا حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما ننظر إلى التاريخ بعين اليوم، ثم نحاكم شخصيات الماضي وفق مفاهيم سياسية وقومية لم تكن موجودة في زمنها.
من يقول إن صلاح الدين قصر بحق الكورد، وخدم غير هم، ولم يسعَ إلى تأسيس دولة كوردية، نعم، صلاح الدين لم يسعَ إلى تأسيس دولة كوردية، ولا أحد يملك دليلاً على أنه كان يرفض حق الكورد في دولة قومية، وإنما لأن عصره لم يكن عصر القوميات والدول القومية أصلاً.
كان ذلك عصر الكتل الدينية والسياسية، والإمبراطوريات والسلطنات؛ كتلة مسيحية من جهة، وكتلة إسلامية من جهة أخرى، وصراعات على الأرض والسلطة والنفوذ. أما الدولة القومية بالشكل الذي نعرفه اليوم، فلم تكن هي الإطار السياسي الذي يحكم العالم.
فكيف نطلب من رجل عاش في القرن الثاني عشر أن يفكر بعقلية القرن الحادي والعشرين، ثم نحاسبه لأنه لم يفعل ما نريده نحن اليوم؟
لكن السؤال الأهم يبدأ من هنا:
إذا كنا نرفض أن نحاكم صلاح الدين بعين اليوم، فلماذا نريد من الكورد اليوم أن يتخلوا عن التفكير بعقلية عصرهم؟
نحن نعيش في عصر القوميات والدول القومية. فأية دولة تسيطر على جزء من كوردستان، هل تخلت عن قوميتها؟
هل قالت تركيا: لنعد دولة محايدة تجاه القوميات ولنترك لكل مكون حقه الكامل في هويته؟
وهل تخلت إيران عن مشروعها القومي؟
وهل تخلت سوريا، أو العراق عن هويتهما القومية؟
بل على العكس، عرف الكورد سياسات التتريك والتفريس والتعريب، ومحاولات صهر الهويات المختلفة في هوية الدولة الغالبة، ووصل الأمر في مراحل مختلفة إلى التضييق على اللغة والثقافة والهوية.
فإذا كان زمن القوميات قد انتهى، فلماذا لم ينتهِ عند الآخرين؟
وإذا كانت الدولة القومية مشروعاً تجاوزه التاريخ، فلماذا ما زالت الدول التي تتحكم بمصير الكورد متمسكة بها؟
هنا يصبح الحديث عن “أخوة الشعوب” و”الأمة الديمقراطية” بحاجة إلى نقاش جاد، لا إلى شعارات.
أنا لا أرفض مشروع “الأمة الديمقراطية” من حيث المبدأ، ولا أقول إنه مستحيل، لكنني أطرح سؤالاً بسيطاً:
من يضمن لنا أن تكون نهايته مبشرة؟
وإذا كان مشروع الدولة الكوردية مرفوضاً بحجة أنه غير قابل للتحقيق، فأين الدليل على أن مشروع الأمة الديمقراطية أكثر قابلية للتحقيق؟ هل يملك ضمانة ولو بنسبة واحد بالمئة بأن الدول القومية المحيطة ستتخلى عن قومياتها ومشاريعها المركزية من أجل هذا المشروع؟
إذا كان من حق البعض أن يحلم بمشروع يتجاوز الواقع، فلماذا لا يكون من حق الكورد أن يحلموا أيضاً بمشروع دولتهم؟
بل أذهب أبعد من ذلك: ربما يكون مشروع الدولة الكوردية، من الناحية السياسية والقانونية، أكثر وضوحاً وقابلية للفهم لدى العالم من مشروع “الأمة الديمقراطية”، لأن العالم الذي نعيش فيه ما زال قائماً إلى حد كبير على الدول والحدود والسيادة والاعتراف الدولي.
وهذا لا يعني أن الدولة الكوردية سهلة التحقيق أو أن العالم سيمنحها للكورد على طبق من ذهب.
لكن الفرق كبير بين أن نقول “المشروع صعب”، وبين أن نقول “المشروع مستحيل”.
فأوروبا نفسها لم تتجاوز الدولة القومية بإلغائها، وإنما بنت أشكالاً من التعاون والتكامل بعد أن أصبحت الدول القومية حقائق سياسية راسخة.
إذن لماذا يكون المطلوب من الكورد تحديداً أن يتجاوزوا القومية قبل أن يحصلوا على حقهم في تقرير مستقبلهم؟
ثم نصل إلى المفارقة الأكثر غرابة.
هناك من يروي بسخرية مبطنة بالشماتة أن بشار حجي علي، من قرية بتني، وقف عند قبر صلاح الدين، ووضع قدمه عليه وقال:
“قم أيها الميت، وانظر إلى النجوم والسيوف تعلو أكتاف الآخرين، ونحن تعلو أكتافنا المعول والمجرفة… لا بارك الله فيك.”
قد يختلف الإنسان مع هذا الكلام، وقد يراه قاسياً أو ظالماً لصلاح الدين، لكن السؤال: لماذا نحول هذه العبارة إلى دليل تاريخي على مسؤولية صلاح الدين عن واقع الكورد اليوم؟
إن الرجل الذي عاش في القرن الثاني عشر لا يمكن تحميله مسؤولية قرارات سياسية وقومية لم تكن موجودة في عصره.
والأغرب أن هذا الموقف يذكّرنا بالمقولة الشهيرة المنسوبة إلى الجنرال غورو عند ضريح صلاح الدين “ها قد عدنا يا صلاح الدين”.
غورو استحضر صلاح الدين بوصفه رمزاً للمقاومة التي واجهت الأوروبيين في الماضي، والرجل الكوردي استحضره بوصفه رمزاً لما يراه هو خذلاناً للكورد.
اختلف الموقفان تماماً، لكنهما يشتركان في شيء واحد:
كلاهما يستدعي رجلاً من القرن الثاني عشر ليضعه في مواجهة صراعات القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين.
اتركوا صلاح الدين في زمنه.
لا تحاكموا الرجل لأنه لم يؤسس دولة قومية في عصر لم تكن فيه الدولة القومية هي النظام السياسي السائد، ولا تجعلوا منه شماعة لكل إخفاقات الحاضر.
لكن في الوقت نفسه، استغرب من ممن يعاتب صلاح الدين لأنه لم يسع لإنشاء دولة قومية للكورد.. ويقول للكورد اليوم “لا تفكروا في الدولة القومية للكورد، فالدولة القومية انتهى زمنها.”
إذا كان من حق الآخرين أن يحلموا بما يبدو مستحيلاً، فلماذا يصبح حلم الدولة الكوردية وحده محرماً عند هؤلاء؟
لماذا يقول من يحمل مشروع الامة الديمقراطية للكوردي “تفضل، هات كوردستان”، وكأن المطلوب منه أن يقدم الدولة جاهزة حتى يُسمح له بالحديث عنها؟ أو دليل فشل لمن يرفعون ذلك الشعار،
فإن كانت القومية قد أصبحت شيئاً من الماضي، فلتصبح كذلك عند الجميع.