كيف تحولت شعار الدولة المدنية إلى عباءة لتفكيك المجتمع

محي الدين حاجي

في القاموس السياسي المعاصر، غدت مفاهيم مثل “الدولة المدنية” الحصان الرابح الذي يراهن عليه الجميع. لكن القراءة العميقة لتجليات هذا المفهوم في واقع الشرق الأوسط تكشف عن مفارقة صارخة؛ فلا يوجد في قواميس الفكر السياسي العالمي المستقر عقيدة أو فكر يحمل اسم “التيار المدني ” كبديل أيديولوجي قائم بذاته. بدلاً من ذلك، تحول هذا الشعار إلى ما يشبه “العباءة الفضفاضة” التي سارعت التيارات التقليدية المأزومة وجماعات انتهازية لارتدائها، هرباً من حمولتها التاريخية الثقيلة، ورغبةً في إعادة إنتاج نفسها بثوب عصري للوصول إلى السلطة.

العباءة الجديدة: ملاذ الإسلام السياسي واليسار القومي

لم يكن تبني شعار “الدولة المدنية” مجرد تطور فكري تلقائي، بل كان مناورة سياسية بامتياز. لقد وجدت فيه تيارات الإسلام السياسي (وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين) مخرجاً تكتيكياً للالتفاف على مخاوف المجتمعات من “الدولة الدينية”، تماماً كما وجد فيه التيار القومي (تحت اسم اليسارالقومي ) المأزوم فرصة لخلع رداء الأيديولوجيات الشمولية التي أثبت التاريخ عدم واقعيتها.

هذا التحالف غير المقدس بين أقصى اليمين الديني والتيار القومي العنصري الأيديولوجي تحت لافتة “المدنية”، لم يكن يهدف لبناء دولة المؤسسات، بل كان تحالفاً براغماتياً لإنتاج حالة شعبوية هجينة وخطيرة. الهدف الأسمى والوحيد منها كان دغدغة مشاعر الجماهيربانشاء منظمات المجتمع المدني وجمعيات ثقافية وتراثية تحت اسماء دينية اواسماء شخصيات تاريخية او فكرية وتفكيك البنى القائمة للوصول إلى سدة السلطة او الاستفادة المالية ، دون امتلاك مشروع حقيقي لبناء المجتمع والدولة.

معضلة الولاء: كيف يحكم الدولة من لا يؤمن بها؟

وهنا تبرز الوجودية الأعمق والأكثر خطورة: كيف لمن لا يؤمن بالدولة القومية والوطنية بحدودها وسيادتها أن يطمح لاستلام السلطة فيها؟ إنها واحدة من أكبر التناقضات السياسية؛ كيف يمكن لزعيم تيار أيديولوجي عابر للحدود أن يقف رئيساً ليقسم اليمين الدستورية على العلم والشرف، ويسهر على حماية حدود البلاد، ويقلد الرتب العسكرية لجيشها،او زعيما لحركة يهتفون ويقسمون بحياته في حين أن عقيدته الحقيقية وولاءه الفكري يتجاوزان هذه الدولة برمتها؟

هذه التيارات تملك طموحات إمبراطورية أو أممية تسعى لنشر أفكارها في الدول الأخرى، وتشكيل هيئات ومجموعات وخلايا تابعة لها في الخارج، متخذة من الدولة مجرد “منصة انطلاق” لا وطناً نهائياً. والتاريخ القريب والبعيد يزخر بالشواهد في منطقتنا :

الناصرية  وحركة البعث والقومي الاجتماعي  الذين حاولوا تذويب الدول الوطنية في قوالب قومية واهية.تحت شعار اليسار العربي والاشتركية العربية الخاصة بهم.

جماعة الإخوان المسلمين وتوابعها(داعش والقاعدة) التي تؤمن بـ “الأممية الإسلامية” وتعتبر الوطن مجرد “حفنة من تراب عفن”.

تيار (اليسار) الراديكالي الكردي التي تؤمن بإيديولوجيات عابرة للحدود وتعمل على زعزعة استقرار الدول جغرافياً وسياسيا تحت شعار بناء المجتمع الديمقراطي والعدالة الاجتماعية وتشكيل شرق أوسط جديد.

تخريب ثقافة العائلة.. الضربة في النواة

إن خطر هذه التيارات لا يتوقف عند تخريب الهيكل السياسي للدولة، بل يمتد ليشكل خطراً وجودياً على البنية.ففي سبيل صياغة “الإنسان الايديولوجي” الأعمى، تسعى هذه الفلسفات الاجتماعية والسياسية عبر تخريب ثقافة العائلة إلى تفكيك الرابطة الأسرية، وضرب القيم والتقاليد الموروثة التي تحمي العائلة، باعتبارها النواة الصلبة التي تقاوم الاختراق الأيديولوجي، مستبدلين ترابط العائلة بتبعية مطلقة للحزب أو الجماعة.

ثنائية “المقدس والخائن”: نسف الوعي السياسي

لم يقتصر التخريب على البنى الاجتماعية والسياسية، بل امتد لضرب أصل “الوعي الإنساني”. لقد عملت هذه التيارات الايديولوجية على حصر الحركة السياسية والمجتمعية داخل مربع استقطاب ثنائي حاد ومدمر، يضع الجماهير أمام خيارين لا ثالث لهما

الخيار العقائدي المطلق: حيث التبعية العمياء للحزب والحركة، والتي يتم تتويجها بشعار “الاستشهاد من أجل الوطن وحياة القائد والرئيس  ”  بالمفهوم الذي يخدم الأيديولوجيا.

وصمة العار المطلقة: فكل من يختلف معهم، أو يملك وعياً نقدياً، أو يطالب بمسار عقلاني ودبلوماسي يحمي دماء الناس ومقدراتهم، يُصنّف فوراً على أنه خائن، عميل للعدو، ومفرّط بالثوابت.

وهنا نسأل هؤلاء الايديولوجيين:

 على أي شيء أنتم معتمدون في هذا التقسيم؟ وعلى أي وعي ترتكزون؟ إن الوعي الحقيقي لا يُبنى على إلغاء العقل وتسطيح الواقع في معادلة “معي أو ضدي”. لكن هذه التيارات تعتمد على “وعي زائف” يقتات على العواطف المشحونة والشعبوية الجوفاء، لتمنع الشعوب من التفكير العقلاني والمحاكمة المنطقية للأمور، محوّلةً العمل السياسي من مساحة للبناء والمصالح الوطنية إلى ساحة.  تكفير سياسي وتخوين وتدمير متبادل

حينما تُختزل السياسة بين حتمية ’الاستشهاد الأعمى‘ أو تهمة ’العمالة للعدو‘، فإن أول ما يموت هو الوعي، وتصبح الأوطان مجرد وقود لمشاريع لا تكسب منها الشعوب سوى الخراب.

من الشارع إلى الشاشة: صناعة “الربيع” في الاستوديوهات

عند تتبع مسار أحداث “الربيع العربي” وما تلاه من الانشطة المجتمعية، يتضح أن المشهد لم يُصنع في ميادين التغيير وحدها. لقد اشتغلت “ستوديوهات الإعلام” الموجهة التابعة لهذه التيارات (وفي مقدمتها شبكة الجزيرة الإخوانية) كغرف عمليات حقيقية لصياغة هذه الحالة الشعبوية وتضخيمها، وتكريس معادلة التخوين والقداسة

عبر التماهي بين الآلة الإعلامية الضخمة وأجندات الإخوان واليسارالزائف والقومي، تم تزييف الوعي الجمعي، وتحويل المطالب المحقة للشعوب إلى معارك صفريّة انتحارية، أدت في نهاية المطاف إلى تدمير مؤسسات الدولة الوطنية بدلاً من إصلاحها.

الحالة السورية: الثورة النقية مقابل الاختطاف الأيديولوجي

لعل المثال الأبرز والأنصع على هذه الجدلية هو التجربة السورية. فحينما انتفض السوريون في البدايات، لم يخرجوا مدفوعين بعقائد مذهبية، أو أجندات عابرة للحدود، أو بخيارات التخوين والأيديولوجيا المستوردة. خرج السوريون من أجل الكرامة، الحرية، وسيادة القانون

لم تكن الثورة: سُنة ضد شيعة، ولا كرداً ضد عرب.

كان الحراك السوري في نقائه الأول حراكاً وطنياً جامعاً وعقلانياً يبحث عن دولة المواطنة. غير أن دخول “ماكينة الايديولوجيا” واختطاف المشهد من قبل تيارات الإسلام السياسي واليسارالقومي، وفرض ثنائيات “إما الاستشهاد الأيديولوجي أو التخوين”، هو الذي حوّل القضية من صرخة حرية مشروعة إلى مستنقع من الصراعات الطائفية والعرقية، مما أجهض الحلم الوطني السوري النقي وأدخله في أتون التدويل

وهذ ينطبق على الحالة الكردية بسوريا فتسارع شعارات الحراك ومطالبهم من الاعتراف بالحقوق السياسية والاجتماعية للشعب الكردي بسوريا الى شعارات وتشكيلات مثل مجلس غرب كردستان والكانتونات  والإدارة الذاتية الى الأقاليم والفيدرالية واحيانا تجاوز ذلك الى المطالبة بالكونفدرالية  لتحريف الحراك عن مساره. وبنهاية المطاف وبعد ركوب تلك القوى الحراك المجتمعي تم التنازل لكل هذه المطالب الى القبول بالمناصب والاندماج .

العودة إلى الجوهر

إن مأساة التيارات التي تدعي “المدنية” اليوم في الشرق الأوسط أنها أرادت بناء “دولة شعارات” لتمرير مشاريعها  على حساب وعي الشعوب ودماء المواطنين. والطريق الوحيد للخروج من هذا النفق المظلم يبدأ من تعرية هذه العباءات الأيديولوجية المستعارة، والاعتراف بأن المدنية الحقيقية والوطنية لا يلتقيان مع الولاءات العابرة للحدود ولا مع ثقافة التخوين الإقصائية، بل تتجسد فقط في سيادة القانون ووضع دستور يحمي المجتمع، وإحياء الوعي العقلاني، وحماية ثقافة العائلة، والولاء المطلق للدولة الوطنية بكل مكوناتها دون تمييز والحقوق والواجبات، بعيداً عن ستوديوهات التحريض وصالونات الشعبوية المدمرة

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي نتيجةً لمتابعتي المتواضعة لما يُطرح في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي حول المشهد السوري العام، أجد نفسي أمام ملاحظة تتكرر باستمرار: فالسلطة الانتقالية في دمشق، مهما اختلفنا مع سياساتها أو مواقفها، تبدو في كثير من الأحيان أكثر قدرة على إدارة خطابها السياسي والقانوني بصورة منظمة ومتماسكة إلى حدٍّ ما، بينما تظهر ردود الفعل الكردية الحزبية والثقافية والإعلامية…

عبدالله كدو قبل أيام قليلة، أعلن رئيس المجلس الوطني الكردي الأستاذ محمد إسماعيل، لصحيفة كردستان، عن فشل كونفرنس وحدة الصف والموقف الكردي. وعليه، لا بد من التذكير بالرأي الكردي الآخر المخالف لرأي الأكثرية في المجلس، وذلك بعد أن انكشف المستور وأعلن الفشل. وهنا أعتذر بداية من كل الكرد الذين أيدوا كونفرنس “وحدة الصف الكردي”، عندما أقول إنني، إلى جانب نسبة…

مسلم شيخ حسن- كوباني   إن نجاح لأي نظام سياسي أو مؤسسة عامة لايمكن أن تنجح دون الإرادة الحقيقية للشعب، فالشعب هو مصدر الشرعية وركيزة الاستقرار. وقد أثبتت التجارب السياسية والتاريخية في مختلف دول العالم أن أي مشروع يبنى بعيداً عن رغبات الشعب ومطالبه أو يفرض عليه دون مشاركته الحقيقية، هو هش بطبيعته وعرضة للفشل مهما بلغت قوته وتأييده. من…

صلاح بدرالدين في خضم تناول ، وتقييم تجربة – حزب العمال الكردستاني في تركيا – وفروعه المنتشرة في سوريا والعراق وايران ، على الصعيدين النظري، والعملي، من جانب كتاب وباحثين مستقلين، يتم التركيز في أكثر الأحيان على شعار ( الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب ) بتخطئته من جانب البعض بمفهومين أكثر خطأ، وأشد ضررا . الأول : عندما يعتبر هذا البعض…