لماذا استيقظ غير بيدرسون

د. محمود عباس

من أسباب ظهور المبعوث الأممي الخاص لسوريا (غير بيدرسون) المفاجئ بعد غياب سنة وأكثر:
1- التأكيد على استمرارية وظيفته، والذي يتطلب تقديم التقرير السنوي إلى مجلس الأمن. ولملء التقرير، قام ببعض النشاطات الروتينية المستعجلة، وهو يعلم قبل أي طرف آخر بأنها كعدمه، حلقة ضمن سلسلة صدئة من المؤتمرات؛ والاجتماعات العفنة التي عقدت من أجل المسألة السورية. فعقد جلسة مع شخصيات سورية، تحت مظلة كتابة الدستور، وحوارات مع وزراء خارجية بعض الدول العربية، ومن ثم مع وزراء خارجية روسيا وتركيا وإيران، والتي لم تأخذ منه سوى ثلاثة أسابيع من النشاطات، كانت كافية لملء صفحات التقرير الذي قدمه في الثلاثاء الماضي إلى مجلس الأمن،
 وقد كان مضمونه نسخة عن التقارير السابقة، قائلا “أن الشعب السوري لا يزال يعاني بشكل كبير ولم يشهد أي تحسن في ظروف حياته اليومية”. ولمح على أن المسألة السورية يمكن أن تحل بالطرق السياسية، ذاكراً “إن النشاط الدبلوماسي المتجدد في المنطقة- إذا تم اغتنامه- يمكن أن يشكل فرصة وتحولا في جهود البحث عن حل سياسي في سوري” وهي كلمات أصبح الشعب السوري يكره سماعها، خاصة من القوى والمنظمات الدولية، ومن مبعوثي الأمم المتحدة، والتي تنشرها طوال عقد من الزمن دون تغيير، أي منذ بدايات انتقال الصراع بين الشعب والنظام إلى الصراع بين القوى المتكالبة على السلطة.
2- لاستمرارية رواتب لجان كتبة الدستور، والذين ومن البعد الإنساني والأخلاقي يفترض قطعها ودفع تلك الأموال إلى العائلات السورية المعانية في المخيمات، علما أن بعض من الشخصيات الذين تم دعوتهم لاجتماع جنيف في الشهر الماضي لم يكونوا من اللجان المنتخبة، بل تم دعوتهم بشكل ربما عشوائي، ولذلك لم يصدر أي بيان عن الجلسة ولا عن مضمون الحوارات، هناك من قبض بعض الدولارات، وسياحة سياسية في جنيف، صرفت من أموال هيئة الأمم المتحدة المخصصة للمسألة السورية، أي أننا أمام هدر أموال المعانون من الشعب السوري بشكل قانوني.
 3- وهذا هو الأهم، إعطاء الشرعية السياسية لعملية التطبيع بين تركيا ونظام بشار الأسد، والتي تمت بتحريك من وزارة الخارجية الروسية والتركية، أدرجوها ضمن مسيرة الحل السياسي للمسألة السورية، كما وإن اجتماعه مع وزراء الخارجية الروسية والتركية والإيرانية تدرج كحلقة متممة لمسيرة التطبيع التركي الجاري مع نظام بشار الأسد، والتطبيع يدرج ضمن مسيرة الحل السياسي، ومن جهة أخرى يدرج كتأكيد على أن سياسة أردوغان لم يتغير في هذا المنحى بعد الانتخابات الرئاسية.
  بالمناسبة، عقد الاجتماع في جنيف، مع شريحة عشوائية من المعارضة السورية، بعضهم لا علاقة لهم باللجان الدستورية، تمت لضخ معلومة إلى الإعلام إلى جانب ملأ الزاوية المخصصة للمسألة في التقرير السنوي، والتي كان لا بد منها إلى جانب لقاءاته مع الأطراف الدولية المعنية بالقضية السورية، وبشكل خاص وزير خارجية روسيا فلاديمير لافروف، والذي على الأرجح أنه وراء مخطط أوسع من تقديم التقرير السنوي، مع ذلك لم يصدر أية توصيات أو تعديلات مخالفة لسابقاتها في لقاءات جنيف.
 سيعود السيد غير بيدرسون إلى سباته السنوي، إلا إذا تطلبت مسيرة التطبيع مع سوريا حضوره، وتحريك بعض الأطراف المعنية بالقضية، وخاصة بعض أطراف المعارضة. ولا شك فإن أمريكا وأوروبا سيظلان في صمتهم ما دامت استراتيجيتهم في الشرق الأوسط وسوريا تحديدا غير مهددة، ومصالحهم لا تتأثر. 
 فضمن هذا التحرك البسيط للمياه السورية الراكدة، ظلت الأطراف الكوردية شبه غائبة، أو بحضور ذيلي تابع لمن تم جمعهم تحت غطاء المعارضة، وبالتالي لا وجود للكورد كقوة سياسية أو دبلوماسية تمثلهم أو تمثل ثقلهم السياسي، الجغرافي، الديمغرافي، التاريخي، وغيره، أي عمليا القضية الكوردية ضمن المسألة السورية، غائبة ضمن هذه الحوارات والمؤتمرات، ومدرجة ضمن القضايا التي سيتم البحث فيها بعد الانتهاء من المسألة السورية، أي ما بعد تغيير النظام أو تعديله أو بعد الانتهاء من كتابة الدستور، وهذه جلها أصبحت جدلية مفروغة منها، شبه مستعصية حلها، أي عمليا لا يبحث فيها ضمن هذه الاجتماعات، مثلما يتم رفض حضور ممثلين عن الإدارة الذاتية، أو المجلس الوطني الكوردي بشكل خاص ودون أن يكونوا تابعين للائتلاف الوطني السوري، أو أطراف أخرى من الحراك الكوردي، الثقافي أو السياسي أو المدني، إن كانوا في المهجر أو الداخل، علما وقد أصبح لبعضهم حضور ما على الساحة الوطنية والدولية، ويتم إقصائهم بشكل مخطط من قبل القوى الإقليمية المعنية بالقضية السورية، وخاصة المحتلة لكوردستان. 
فأي طرح للقضية الكوردية ضمن سوريا القادمة في الحوارات يتم معارضتها ونقضها من قبل المعارضة السورية والتي تأخذ أوامرها من تركيا وبعض الدول الأخرى المناوئة للقضية الكوردية، تحت حجج أن القضايا القومية والدينية تعيق القضية السورية الرئيسة، وتعتبر ثانوية في الوقت الحاضر.
 وعليه لا بد للجان الكوردية المشاركة في المؤتمرات، والحوارات، رغم تثمين جل نشاطاتهم المدرجة من أجل الشعب الكوردي وقضيته، إعادة النظر في سويات حضورهم، وتبيان الصفة التي يقدمون بها ذاتهم ويتم بها تقديم الدعوة لهم، وهل هم ممثلو الشعب الكوردي أم يمثلون طرف حزبي أو منظمة معينة. 
 فالذين يتم دعوتهم إلى المؤتمرات الدولية، كالتي عقدت في جنيف سابقا ومؤخراً، يجب أن يكونوا ممثلين عن الشعب الكوردي، وبالتالي يجب أن تكون هناك لجان منتخبة من أغلبية الأطراف السياسية والثقافية، وإلا فعليهم تقديم ذاتهم عند الحضور ممثلين عن الأطراف الكوردية المشاركة، ولا يحق لهم التحدث باسم الشعب الكوردي.   
الولايات المتحدة الأمريكية
9/6/2023م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي بالرغم من الحديث عن مرحلة سياسية جديدة في سوريا بعد سقوط نظام الطاغية بشار الأسد، إلا أن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن بناء دولة حديثة لا يتم عبر التعيين، بل عبر انتخابات حرة تعبّر عن إرادة السوريين. أي مجلس يُشكَّل خارج صندوق الاقتراع يظل فاقداً لأهم عناصر الشرعية السياسية، مهما قُدِّم له من تبريرات. فالتعيين…

د. عدنان بوزان لم يعد السؤال المتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها مجرد نقاش قانوني يدور بين فقهاء القانون الدولي، ولا مجرد مبدأ سياسي تستحضره المنظمات الدولية في مواثيقها وبياناتها، بل أصبح واحداً من أكثر الأسئلة السياسية والفكرية إلحاحاً في عالم تتسع فيه الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية. فالنظام الدولي، الذي أقر منذ منتصف القرن العشرين بأن الشعوب…

د . مرشد اليوسف تُظهر التجربة التاريخية للكرد في سوريا (روجافا) . أن المجتمع الكردي لم يكن يومًا كتلة جغرافية واحدة متصلة. فمنذ العهد الايوبي والعثماني ثم خلال فترة الانتداب الفرنسي، توزعت التجمعات الكردية بين مناطق الجزيرة وكوباني وعفرين من جهة، وبين المدن السورية الكبرى من جهة أخرى. وقد أدت عوامل تاريخية وجغرافية واقتصادية وسياسية عديدة إلى إقامة مئات…

إبراهيم اليوسف التوقيع الذي لم يفلح في الترقيع صدر اليوم، بتوقيع الرئيس المؤقت السيد أحمد الشرع، ما سمي بالثلث المكمِّل لمن سمُّوا بأعضاء مجلس الشعب المنتخبين، إذ جاء هذا الثلث بالتعيين، في قرار قراقوشي لم يُسمع له مثيل في العالم، وسط تصفيق بعض المصفقين لأيِّ “سيادة رئيس”، شأن ذلك العضو* الذي خاطب الطاغية بشار الأسد قائلاً: “سوريا قليلة عليك، سيادة…