قانون الاندماج التركي: سلام مجتزأ أم إعادة تدوير للحلول الأمنية؟  

عبدالباقي اليوسف

تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ يبدو تحولاً دراماتيكياً، .لكنه في جوهره محاولة من أنقرة لتجنب شظايا الصراع الإقليمي وتأمين جبهتها الداخلية عبر الالتفاف على جوهر الأزمة السياسية.

لقد انطلق ما يُسمى بـ “مسار تركيا بلا إرهاب”—وهو عنوان مريب يثير الاستغراب في كيفية قبوله من قِبَل قيادة حزب العمال الكوردستاني وزعيمه المحتجز منذ سبعة وعشرين عاماً عبدالله أوجلان—تحت غطاء جهد سياسي وقانوني يهدف إلى تفكيك بنية التنظيم وإيقاف النزاع المسلح. ويبرر أوجلان هذا التراجع وتبني الخيار السلمي بتبدل الظروف الدولية والإقليمية والادعاء بأن النضال الديمقراطي هو الأسلوب الأنجع.

وهنا يحق للشارع الكوردي أن يتساءل بمرارة: أين كان هذا التقدير للظروف عندما أُعلنت الثورة المسلحة عام 1984 للمطالبة بـ ‘كوردستان المستقلة’؟ هل كانت الظروف حينها مهيأة لمواجهة دولة بحجم تركيا، العضو المحوري في حلف الناتو، في أوج الحرب الباردة؟ ألم يكن واضحاً آنذاك أن القوى العظمى والأنظمة الإقليمية في إيران والعراق وسوريا لن تسمح بمساس الخريطة الجيوسياسية؟ لقد تجاهلت القيادة حينها حقيقة أن المنظومة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفيتي قد كفت يدها بعد حرب فيتنام عن دعم حركات التحرر الوطني، وانفتحت على الأنظمة القومية والاستبدادية، واعادة تعريفها بالديمقرطيات الثورية بمبرر مواجهة الإمبريالية—كما حدث مع تجارب عبدالناصر والبعث في سوريا والعراق حيث ضُغط على الأحزاب الشيوعية للتحالف مع جلاديها. إن التضحية بعقود من الزمن وآلاف الأرواح ثم العودة إلى نقطة الصفر بذريعة “تبدل الظروف” يعكس إخفاقاً تحليلياً تاريخياً يدفع ثمنه الشعب الكردي اليوم.

تسارعت الأحداث ميدانياً على نحو لافت؛ فمن الدعوات الأولى لإلقاء السلاح، وصولاً إلى إعلان الحزب حل نفسه رسمياً في مايو 2025 والبدء بتسليم عتاده. وتوازياً مع ذلك، صادق البرلمان التركي في 10 اوغوست الحالي بأغلبية 467 صوتاً مقابل معارضة 87 صوتاً على قانون “تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي”—وهو مسمى أثار التحفظ والريبة لخلوه من إشارات صريحة لعملية السلام وإخاء الشعوب أو “القانون الإطاري لعملية السلام”—وسط ترحيب حكومي واسع بإنهاء نزاعٍ كبّد البلاد خسائر جسيمة.

لكن القراءة المتأنية لبنود هذا القانون ومسار تطبيقه تكشف عن هشاشة هيكلية تجعل من فرص النجاح أمراً مشكوكاً فيه، وتتلخص في النقاط التالية:

  • غياب العفو العام: يشكل استثناء الكوادر والقيادات من العفو العام عقبة كبرى تفقد المقاتلين الدافع الحقيقي للعودة في ظل غياب ضمانات قانونية تحميهم من الملاحقات القضائية.
  • عراقيل التعامل مع العائدين: تتسم الإجراءات الأمنية والإدارية بالتعقيد والضبابية، مما يحول عملية “الاندماج” إلى إجراءات احتجاز وتدقيق أمني مطول يكرس الشكوك.
  • تجاهل الجذور السياسية للمسألة: يخلو القانون من أي إشارة صريحة للهوية أو الحقوق القومية الكوردية، ويتعامل مع الملف من منظور أمني وإداري محض، مما يفرغ العملية من مضمونها السياسي والتاريخي.
  • غياب الطرف الثالث الضامن: تفتقر العملية برمتها لوجود ضامن دولي محايد مثل الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، وهو شرط أساسي لبناء الثقة في قضية بالغة حساسيتها كالقضية الكوردية، ولا سيما مع التاريخ الطويل من الإبادة الجماعية وقمع الثورات الكوردية في عهد الجمهورية التركية، وآخرها حرب الأربعين عاماً مع حزب العمال.
  • استمرار الأزمة الديمقراطية والحقوقية: لا يمكن اختزال السلام في مجرد وقف العنف المسلح؛ فالقانون يتجاهل البيئة الديمقراطية وأوضاع حقوق الإنسان المتردية، في حين أن السلام والديمقراطية يعتمد كل منهما على الآخر بشكل وثيق.

إن السلام المستدام كان يتطلب شجاعة سياسية حقيقية تتمثل في إقرار عفو قانوني متكامل، واعتراف دستوري بالحقوق اللغوية والثقافية، وتوسيع صلاحيات الإدارات المحلية، إلى جانب إصلاح المنظومة القضائية وقوانين مكافحة الإرهاب، وإيجاد آليات مراقبة مستقلة تضمن عدم الالتفاف على الحقوق السياسية والاجتماعية المتساوية لجميع المواطنين.

ورغم خلو المبادرة الحكومية من هذه المكونات الجوهرية، فإن ثمة متنفساً قد يُراهَن عليه؛ وهو تخليص الشعب الكردي من “لغز” حزب العمال الكردستاني، الذي طالما استخدمته السلطات التركية كذريعة جاهزة لشيطنة المناضلين السلميين وقمع العمل السياسي المدني. كما يُؤمل أن يضع هذا التحول حداً للتدخلات العسكرية التركية في دول الجوار، وتحديداً في كوردستان الجنوبية وكردستان الغربية (شمال شرق سوريا) تحت شماعة الأمن القومي.

إن المراحل الانتقالية تتطلب وعياً نقدياً بلا أوهام؛ فالتمسك بالحقوق المشروعة يمر عبر النضال المدني والدستوري الصلب، وليس عبر الرهان على تسويات هشة تُصاغ في الغرف المغلقة لتلبية حاجات الإقليم وتوازنات السلطة.

12 / 8 / 2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…

عبدالله كدو على المثقفين والسياسيين، وكل أصحاب الخبرة والحكمة والمهتمين بالشأن الوطني الكردي السوري العام ، أن يقدموا، بصدق وأمانة، الأدلة والقرائن والوثائق الأساسية التي توضح السير السياسية والفكرية للقوى والشخصيات الكردية الفاعلة، المدنية منها والعسكرية، كما هي في حقيقتها، بعيدا عن التقديس أو التشويه أو الانتقائية. فمعرفة الحقائق ونشرها ليست ترفاً، بل مسؤولية قومية ووطنية، إذ لا ينبغي أن…