مقالات

الاقتصاد السياسي للحرب والمال والدين في فيلم „الدولي“

خوشناف سليمان

فيلم „الدولي“ (The International) ، الذي أخرجه الألماني توم تيكوير عام 2009، يتناول تحقيق عميل الإنتربول لويس سالينغر والمدعية الأمريكية إليانور ويتمان في أنشطة بنك IBBC الغامض. ويكشف التحقيق تورط البنك في تجارة الأسلحة وغسل الأموال والتعامل مع الحكومات والجماعات المسلحة. لكن البنك لا يظهر في الفيلم كمؤسسة تسعى إلى الربح فحسب، بل كفاعل سياسي عابر للحدود، إذ تمنحه قدرته على توفير التمويل أو حجبه نفوذاً يتجاوز المجال المالي ليتقاطع مع المصالح السياسية والعسكرية. ومن هنا يطرح الفيلم سؤالاً أساسياً: كيف يمكن للمال أن يتحول إلى قوة سياسية؟ ويقدم بذلك تصوراً للاقتصاد السياسي الدولي يبرز دور المؤسسات المالية في ممارسة النفوذ عبر التمويل وإدارة الديون.

تتضح إحدى أهم أفكار الفيلم في لقاء السياسي الإيطالي أومبرتو كالفيني مع لويس سالينغر وإليانور ويتمان، حين يشرح كالفيني الهدف الحقيقي للبنك قائلاً:

“إن هدف IBBC بنك ليس السيطرة على الصراع، بل السيطرة على الدين الذي ينتجه الصراع، إذ أن القيمة الحقيقية للصراع، تكمن في الدين الذي يخلقه. أنت تسيطر على الدين، تسيطر على كل شيء.” ثم يواصل: “وهذا هو جوهر العمل المصرفي… أن يجعلنا جميعاً، سواء كنا دولاً أو أفراداً، عبيداً للدين.”

يلخص هذا الحوار منطق الفيلم في الربط بين الحرب والمال. فالسلاح قد لا يكون الغاية النهائية، بل بداية لسلسلة من الاحتياجات المالية: الحرب تستنزف الموارد، والدمار يخلق حاجة إلى إعادة الإعمار، وإعادة الإعمار بدورها تتطلب تمويلاً قد لا يتوافر محلياً، فتبرز الحاجة إلى الاقتراض والتمويل الخارجي. وهكذا لا تنتهي الآثار الاقتصادية للحرب بانتهاء القتال، بل قد تستمر من خلال الديون وخدمة الدين وإعادة التمويل .ويمكن ملاحظة هذا المنطق في الحالة السورية، حيث أدت الحرب التي امتدت لأكثر من أربعة عشر عاماً إلى دمار واسع واحتياجات هائلة لإعادة الإعمار والتمويل. وبذلك لا تنتهي الآثار الاقتصادية للحرب بانتهاء القتال، بل قد تتحول إلى التزامات مالية تمتد إلى المستقبل.

لا يعني تراكم الدين بالضرورة فقدان الدولة لسيادتها، فالدين العام يمكن أن يكون أداة لتمويل الاستثمار وإعادة الإعمار. لكن أهميته من منظور الاقتصاد السياسي تظهر عندما يؤثر في السيادة المالية، أي قدرة الدولة على تمويل سياساتها والحفاظ على هامش من الاستقلال في اتخاذ القرار. فكلما زاد اعتماد الدولة على التمويل الخارجي، أصبحت أكثر تأثراً بشروط الإقراض وأسعار الفائدة وآجال الاستحقاق وإمكانية إعادة التمويل. ومن هنا لا تكمن القوة في وجود الدين بحد ذاته، بل في العلاقة بين من يحتاج إلى التمويل ومن يملك القدرة على توفيره أو حجبه .وهنا ينقل فيلم «الدولي» مفهوم القوة من المجال العسكري المباشر إلى المجال المالي. فالدولة قد تمتلك السلاح، لكنها تحتاج إلى المال لشرائه، وقد تنتهي الحرب بينما تترك وراءها أعباء واحتياجات مالية تمتد لسنوات. ومن يملك القدرة على توفير التمويل يمكن، في ظروف معينة، أن يصبح جزءاً من شبكة القوة المؤثرة في القرار السياسي. لذلك يقدم الفيلم البنك بوصفه فاعلاً سياسياً غير تقليدي؛ فهو لا يحتاج إلى حكومة أو جيش لممارسة النفوذ، بل يكفي أن يحتل موقعاً مهماً في شبكة التمويل التي تعتمد عليها الدول والشركات والأطراف المختلفة.

ومع ذلك، تبقى العلاقة التي يرسمها الفيلم بين الحرب والتمويل، في جانب منها، تكثيفاً درامياً أكثر منها قانوناً اقتصادياً. فالاقتراض لا يعني بالضرورة فقدان الدولة استقلالها المالي أو السياسي، كما أن الدائن لا يملك دائماً اليد العليا؛ إذ يتحمل مخاطر عدم السداد، بينما يستطيع المدين أحياناً إعادة التفاوض أو تنويع مصادر تمويله. وتتوقف درجة النفوذ على عوامل مثل حجم الدين، وتكلفة الاقتراض، وآجاله، وعملته، ومصادر التمويل البديلة، وقوة الاقتصاد وقدرة الدولة على توليد الإيرادات. لذلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الدين يؤدي بالضرورة إلى الهيمنة، وإنما متى وتحت أي ظروف يمكن أن يتحول الاعتماد المالي إلى مصدر للنفوذ.

ومن هذه الزاوية، لا تتوقف دلالة الفيلم عند البنك أو الشخصيات التي تدير عملياته، بل تمتد إلى منظومة أوسع من المؤسسات والوسطاء والعلاقات المالية والسياسية. فسقوط شخصية أو تعطيل صفقة لا يعني بالضرورة اختفاء البنية التي أنتجت النفوذ، لأن الشبكات المالية قادرة على الاستمرار عبر مؤسسات وعلاقات تربط أطرافاً متعددة عبر الحدود. وبذلك ينتقل الفيلم من صورة „المصرفي المسيطر“ إلى تصور أكثر تعقيداً للقوة، حيث يتداخل رأس المال والتمويل والمصالح السياسية، ويصبح الفصل بين الاقتصادي والسياسي أكثر صعوبة.

في النهاية، يضعنا „الدولي“ أمام سؤال مركزي: كيف يمكن للمال أن يتحول إلى قوة سياسية؟

لا يقدم الفيلم الدين بوصفه طريقاً حتمياً إلى الهيمنة، بل يلفت إلى أن القدرة على توفير التمويل أو حجبه قد تصبح مصدراً للنفوذ عندما ينشأ الاعتماد المالي. وفي عالم تتداخل فيه السياسة والمال، قد لا تكون القوة في امتلاك الموارد فقط، بل في القدرة على التحكم في الوصول إليها.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب