عبد الجابر حبيب
لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن يسمح له بمعرفة الحقيقة.
اليوم، وبعد كل هذه السنوات، يبدو أن حسني البرظان لو عاد إلى الحياة لغيّر مقدمة مقالته، وقال:
إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في كوباني، فعلينا أولاً أن نعرف ماذا يجري في سري كانيه… وإن أردنا أن نفهم كوباني، فعلينا أن نفتش في الأدراج المغلقة، حيث تُصنع القرارات، ثم تخرج إلى الناس وقد فقدت نصف معناها.
في سورية، لم تعد المشكلة في قلة التصريحات، بل على العكس تماماً، باتت في كثرتها. فكل يوم يحمل تصريحاً جديداً، وكل تصريح يرسم وطناً مختلفاً.
يخرج مسؤول ليعلن أن صفحة جديدة قد فُتحت، وأن البلاد تتجه نحو سلطة واحدة وقانون واحد. ثم لا تمضي ساعات حتى تصطدم بصور الاحتجاجات، وبالجدل حول إنزال العلم السوري، وبمشاهد توحي بأن الواقع يسير في طريق، بينما التصريحات تسير في طريق آخر.
وتحاول إحدى المذيعات في قناة تلفزيونية لفت الانتباه إلى مشكلة الاحتجاجات في كوباني وجريمة إنزال العلم، لكنها تمضي في اللف والدوران حول الحقيقة، متجاهلة السبب الذي كان وراء ما جرى في كوباني.
وتواصل التهرب من الحقيقة التي حاول الضيف مراراً توضيحها، وكأنها تعتقد أن النصف الثاني من الحقيقة هو الحقيقة كلها، رغم معرفتها أن النصف الأول منها هو السبب الحقيقي لكل ما جرى في كوباني والحسكة.
وكان بعض الإعلام العربي، في عدد من القنوات، يحاول إخفاء الحقائق. ومع الأسف، فإن هذه فتنة أخرى يعمل البعض على إيقاظها، عبر شيطنة طرف، مقابل تبرئة الطرف المُدان أصلاً. وحين تنتقل كاميرا الحقيقة إلى سري كانيه، تصبح المفارقة أكثر إيلاماً.
هناك أناس احتفظوا بمفاتيح بيوتهم سبع سنوات، كما يحتفظ الغريق بخشبة النجاة. كانوا يحلمون بفتح أبواب منازلهم، وترتيب صور العائلة على الجدران، واستعادة رائحة البيوت التي غادروها قسراً.
لكنهم، عندما عادوا، اكتشفوا أن الطريق إلى البيت يمر أولاً عبر متاريس القوة.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
كيف يُعلن عن عودة آمنة، بينما الأمن نفسه لا يزال يبحث عمّن يحميه؟
وكيف تُكلَّف لجنة بالإشراف على عودة المهجرين، وهي لا تمتلك على الأرض القوة الكافية لفرض قراراتها أمام الفصائل المسيطرة؟
لقد علمتنا تجارب الدول أن هيبة الدولة لا تبدأ من البيانات، بل من قدرتها على حماية أضعف مواطنيها.
ومن هنا، لا يمكن تجاهل ما جرى سابقاً في محطة علوك، عندما تعرض الوفد الحكومي للاعتداء. وبغض النظر عن تفاصيل الحادثة ومسؤولياتها، فإن أي اعتداء على وفد رسمي كان يستوجب تطبيق القانون بحزم؛ فالدولة التي تتهاون في أول اختبار، تجد نفسها أمام اختبارات أصعب لاحقاً.
الإفلات من المحاسبة لا يطوي الصفحة، بل يكتب الصفحة التالية.
لكن الإنصاف يقتضي أيضاً قول الحقيقة كاملة في الإعلام العربي، بعيداً عن تبرئة الطرف المُدان لمجرد أنه عربي الانتماء.
فالذين يقيمون اليوم في سري كانيه ليسوا جميعاً غرباء؛ فكثير منهم من أبناء المدينة، ويعرفون الحقيقة كما هي، ويعرفون أيضاً أن ثمة من قدم من مناطق بعيدة عن سري كانيه، واستولى على بيوت وأملاك غيره بذريعة التهجير القسري. وأغلب هؤلاء قدموا من غويران في الحسكة، أو من الغوطة، أو من ريف دير الزور. وفي المقابل، هناك آلاف المهجَّرين الذين دفعتهم الحرب إلى النزوح كما دفعت غيرهم، لكنهم لم يجعلوا من مأساتهم مبرراً للمساس بحقوق الآخرين، ولم يدّعِ أحد منهم حقاً في بيت ليس له، لأن التهجير، مهما كان قاسياً، لا ينشئ حقاً، ولا يُسقط حقاً.
غير أن المأساة لا تُلغي المأساة، والظلم لا يُصحح ظلماً آخر.
فالتهجير يمنح الإنسان حق الحماية، وحق المأوى، وحق الحياة الكريمة، لكنه لا يمنحه حق التملك في بيت ليس له.
ولهؤلاء أوجه سؤالاً، لا اتهاماً:
لو عدتم غداً إلى غويران، أو إلى الغوطة، أو إلى ريف دير الزور، ووجدتم أبواب بيوتكم قد فُتحت بمفاتيح غير مفاتيحكم، ويسكنها أناس يقولون إن الحرب أجبرتهم على ذلك… فهل ستقولون: لقد أصبح البيت لهم؟
أم ستطالبون بحقكم، لأن الغياب القسري لا يُسقط الملكية؟
إذا كانت الإجابة هي المطالبة بالحق، فإن الحق نفسه يجب أن يكون لأهالي سري كانيه.
فالحقوق لا تتبدل بتبدل الجغرافيا، ولا تختلف باختلاف القومية أو الانتماء السياسي، وإلا أصبح المظلوم، من حيث لا يشعر، نسخة أخرى من ظالمه.
إن أخطر ما أنتجته الحرب السورية أنها جعلت الجميع ضحايا، لكنها أغرت بعض الضحايا بأن يصبحوا جزءاً من إنتاج المأساة نفسها.
وما يحتاجه السوريون اليوم ليس انتصار طرف على آخر، وإنما انتصار القانون على الجميع.
المشهد السوري كله يشبه إعلان عيد الفطر قبل ثبوت رؤية الهلال…
لكن السماء ما زالت تنتظر الشاهد.
نحن نعيش زمناً تُعلن فيه النهايات قبل أن تبدأ البدايات، وتُوقَّع التفاهمات قبل أن تتفاهم الوقائع، وتُكتب بيانات النصر، بينما المواطن ما زال يبحث عن مفتاح باب، أو عن غرفة، أو عن شعور بسيط بأن الدولة موجودة حقاً.
فالقضية لم تعد: من يرفع العلم، أو لماذا يُنزل في مكان آخر؟ ولا: من يسيطر على المدينة؟
لقد أصبح السؤال أكبر من ذلك بكثير:
متى تصبح الدولة هي المرجعية الوحيدة؟
ومتى يصبح القانون أقوى من الفصيل؟
ومتى يعود الإنسان إلى بيته، لا بوساطة السلاح، ولا بفضل التفاهمات المؤقتة، وإنما لأنه صاحب حق، ولأن الدولة تحمي هذا الحق؟
إلى أن يأتي ذلك اليوم، سيظل حسني البرظان عاجزاً عن إنهاء مقالته…
ولن يبقى غوار مجرد شخصية كوميدية في مسلسل قديم، بل سيغدو رمزاً لكل إعلامي يحاول أن يفسد الحقيقة، كلما أوشكت أن تُقال.