الكرد والصبر الاستراتيجي: حين يصبح الاستعداد صناعةً للمستقبل

شادي حاجي
في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟
ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية.
فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن الحقوق والطموحات القومية، بل يعني إدراك أن التحولات التاريخية الكبرى لا تُصنع بالشعارات وحدها، وأن موازين القوى لا تتغير بين ليلة وضحاها. لذلك، فإن الأولوية اليوم ينبغي أن تكون لبناء عناصر القوة السياسية والقانونية والاقتصادية والمجتمعية التي تمنح الكرد قدرة أكبر على التأثير عندما تتغير الظروف.
القانون الدولي يعترف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، لكنه لا يقدم وصفة آلية لإنشاء الدول، كما لا يلغي مبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها. ومن هنا تقتضي الحكمة السياسية عدم اختزال القضية الكردية في خيار واحد. فقد يكون تقرير المصير في مرحلة ما عبر ضمانات دستورية وحقوق قومية ولغوية، أو من خلال اللامركزية والحكم الذاتي أو النظام الاتحادي، بينما قد تتطور الخيارات مستقبلاً تبعاً للظروف السياسية والقانونية والإقليمية.
وهنا تكمن أهمية الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة بناء القدرة.
في العراق، توفر تجربة الحكم الاتحادي الكردي خبرة مؤسساتية مهمة، رغم تحدياتها الداخلية والإقليمية. وفي سوريا، تتشكل معادلة جديدة تتعلق بمستقبل الدولة وشكل توزيع السلطة والضمانات الدستورية. أما في تركيا، فإن الانتقال من الصراع المسلح إلى المسار السياسي والقانوني قد يفتح باباً مختلفاً لمعالجة القضية الكردية، وإن كانت نتائجه النهائية لا تزال مرتبطة بالتطورات الداخلية. وفي إيران، تبقى القضية مرتبطة بطبيعة النظام السياسي ومسار التحولات الإقليمية والدولية.
وهذه الاختلافات تعني أن الاستراتيجية الكردية المشتركة لا ينبغي أن تعني فرض نموذج سياسي واحد على الجميع، بل وحدة في المبادئ والأهداف العامة، مع مرونة في الأدوات والوسائل وفق خصوصية كل جزء كردستاني وكل دولة من هذه الدول.
كما ينبغي أن تدفع التجارب التاريخية الكرد إلى الحذر من الاعتماد المفرط على القوى الخارجية. فالدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها، وقد تتقاطع مصالحها مع المصالح الكردية في مرحلة، ثم تتغير أولوياتها في مرحلة أخرى. لذلك فإن السياسة الأكثر استدامة هي بناء علاقات دولية واسعة ومتوازنة تجعل الكرد شركاء موثوقين، لا أوراقاً مؤقتة في صراعات الآخرين.
لكن بناء القوة لا يقتصر على السياسة والدبلوماسية. فالاستعداد الحقيقي للمستقبل يبدأ من الإنسان والمؤسسة: تعليم نوعي، اقتصاد منتج، مؤسسات ديمقراطية، مجتمع مدني قوي، إعلام مهني، ونخب سياسية وقانونية ودبلوماسية مؤهلة، إلى جانب ثقافة سياسية قادرة على إدارة الاختلاف الداخلي.
وفي المقابل، فإن أي مشروع كردي مستقبلي سيكون أكثر قوة وشرعية إذا قام على قاعدة واضحة: تحقيق حقوق الكرد لا يعني إنكار حقوق الآخرين. فاحترام حقوق العرب والتركمان والآشوريين والسريان والأرمن وغيرهم، وضمان المساواة لجميع المواطنين في مناطقهم وأقاليمهم، ليس تنازلاً عن القضية الكردية، بل مصدراً من مصادر قوتها القانونية والأخلاقية والسياسية.
لذلك، قد يكون من الخطأ قياس النجاح الكردي فقط بمدى الاقتراب من إعلان دولة مستقلة. فالنجاح في المرحلة الحالية يمكن أن يقاس بمدى القدرة على تراكم القوة والشرعية والخبرة والمؤسسات، وبناء مجتمع أكثر قدرة على حماية حقوقه والتأثير في محيطه.
فالتاريخ لا يمنح الفرص بالتساوي، ولا ينتظر الشعوب حتى تصبح مستعدة. وعندما تتغير المعادلات الدولية والإقليمية، لن يكون السؤال فقط: من يملك الحق؟ بل أيضاً: من يملك القدرة على تحويل الحق إلى واقع سياسي؟
من هنا يصبح الصبر الاستراتيجي أكثر من مجرد انتظار، إنه عمل طويل وهادئ على صناعة الشروط التي تجعل المستقبل أقل غموضاً وأكثر قابلية للتحقيق.
قد لا يكون زمن الحسم قد حان، لكن ذلك لا يعني أن زمن الاستعداد لم يبدأ. فربما يكون الاستعداد اليوم هو أهم خطوة لصناعة مستقبل الغد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

من القامشلي إلى هانوفر.. أكاديمية جانكير تفتح طريق الحلم أمام جيل جديد من المواهب بيئة رياضية وتربوية متكاملة، تبني الانضباط والثقة والعمل الجماعي   تبدأ صناعة اللاعب قبل وقت طويل من أضواء الملاعب الكبرى. ففي السنوات الأولى تتشكل علاقته بالكرة، ويتعلم كيف يتحرك ويفكر ويتعامل مع زملائه، وكيف تتحول الموهبة الفطرية إلى مهارة قابلة للتطوير. ولهذا لم تعد أكاديميات كرة…

إبراهيم محمود كما يترجل كل منا عن حصانه، في لحظة غير محتسبة، أو مفاجئة، لحظة تطوي صفحة حياة تقدّر بسنوات تترى، هكذا ترجلّ فارس قلمه الذي يسمّى به، كما ينعطف عليه، البروفيسور الدكتور والمؤرخ الكردي العتيد عبد الفتاح علي يحيى بوتاني. كان رحيله المباغت عصر يوم الثلاثاء” 1-9/ 2026 ” وهو في زيارة عمل وواجب اجتماعي إلى الموصل، استرجاعاً لمكان…

م. محفوظ رشيد مقدمة: لكي تحظى أي قيادة أو ممثلية للشعب الكوردي بالشرعية والهيبة، لا بد أن تستند إلى كيان واضح وملموس، وعنوان معروف، وهيكلية تنظيمية تقوم على قوانين ولوائح وأسس واضحة، ومكاتب متخصصة تحدد المهام والمسؤوليات. كما ينبغي أن تستند إلى ميثاق أو عقد اجتماعي ينظم العلاقة بينها وبين الشعب، وإلى رؤية سياسية شاملة، قومياً كوردياً ووطنياً سورياً، تعبّر…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد الزهايمر مجرد فقدان للذاكرة، بل هو مرض يصيب قدرة الإنسان على الإدراك، وعلى الربط بين الماضي والحاضر، وعلى التعامل الطبيعي مع الواقع من حوله، فالمشكلة ليست فقط أن الإنسان ينسى بعض التفاصيل، بل أنه قد يفقد القدرة على فهم ما يجري، أو يكرر الأخطاء نفسها، أو يعيش في صورة مختلفة عن الحقيقة، وهكذا يمكن…