المرح و الخوف في كردستان

كتب المقال أولغا خروستلافا و فرانكو بالترينيري
ترجمة: حزني كدو
لم نخبر عائلاتنا اننا ذاهبون إلى كردستان، كانت الحرب العنوان الرئيس للأخبار الواردة من المنطقة لعقود من الزمن، لم نعلم أباءنا و أصدقاءنا على بعد آلاف الكيلومترات في الارجنتين و روسيا لكي لا يقلقوا علينا، لذلك قررنا الذهاب إلى كردستان لوحدنا لنرى كل شيء بأعيننا.
لقد كانت حافلتنا فولكسفاغن ميني ميكروباص من الطراز القديم و فيها بعض المشاكل الميكانيكية و كل الخوف ان تقطعنا في منتصف الطريق، لكن أصدقاءنا الكرد شجعونا وأكدوا لنا ان المنطقة أمنة حتى ان تعطلت الحافلة.
الرحلة والخوف من العبور من كولومبيا إلى بنما بجوار منطقة (دارين كاب) محفوفة بالمخاطر حيث المخدرات و تجار الأسلحة والاتجار بالبشر بالإضافة الى الطريق الذي يقودنا عبر مناطق بيرو و السلفادور و هندوراس و المكسيك حيث تعد كل هذه المناطق غير آمنة ، و لكن خوفنا من المجهول كان أكثر من الخطر المحدد. لكننا قررنا ترك جميع مخاوفنا خلفنا وسرنا باتجاه الحدود الى تركيا و بالتحديد الى الحدود عبر شرق تركيا حيث تقاتل الجيش التركي حزب العمال الكردستاني في الجبال .
وبعد جهد كبير و سفر طويل و مشقة وصلنا الحدود، الجو كان متوترا للغاية، هناك قاعدة عسكرية تركية كل خمسون كيلو مترا، وفي أحدى نقاط التفتيش سألنا المسؤول التركي إلى أين أنتم ذاهبون ؟ نحن ذاهبون إلى كردستان .
تغير وجه المسؤول الأمني على الفور وكأنه تلقى صفعة، ثم زمجر قائلا “جمهورية تركيا، لا شيء اسمه كردستان هنا .
قلت حسنا نحن ذاهبون إلى أربيل كردستان ، العراق
حسنا انتم ذاهبون إلى العراق…
بعدها تجنبنا كلمة كردستان وقررنا ان نستخدم كلمة أربيل.
استمرت رحلتنا داخل حدود كردستان تركيا ثلاثة عشر يوما و عبرنا عشرات نقاط التفتيش، و أخيرا وصلنا إلى كرستان العراق و توقفنا في حديقة في بلدة صغيرة بالقرب من دهوك و على الفور توجهت الأنظار حولنا من السكان المحلين، حيث جلب لنا بعضهم الماء، والأخرين أحضروا الأيس كريم، ثم ظهر اثنان من البشمركة ودعونا لتناول مائدة فطار معهم حيث شهر رمضان، حقا لقد شعرت ان كل عشاء كان بمثابة احتفال صغير بنهاية يوم اخر من الصوم. وكنا سعداء جدا للمشاركة في هذا الاحتفال. وبالرغم من عدم وجود لغة مشتركة بيننا لكننا اصبحنا نجوما وسيد الحفلة في تلك الأمسية. لقد تمكنا من التحدث عن العائلات و عن أطفال كل واحد و عن البلدان التي زرناها و أيضا عن خططنا المستقبلية .بعد العشاء عرض علينا البشمركة ان نتحمم وهذا شيء نادر ومهم للسائح خصيصا في جو وحرارة مدن الشرق الأوسط.
بعد ذلك اتجهنا إلى معبد لا لش، حيث أردنا ان نكتشف المزيد عنها بطريقتنا الخاصة ولكننا كنا سعداء ان نقابل (لقمان. صحفي ومدرس إيزيدي بنفس الوقت) والذي عرض علينا زيارة الجوار…. راهب وراهبة إيزيدين قدموا لنا الفطور، وبعدها استضافتنا بعضهم لتناول الغداء. مكثنا تلك الليلة في بيت لقمان وقابلنا أصدقاءه و عائلته .
لقد قضينا اسبوعا كاملا بسرعة في كردستان و لقد كانت دهشتنا كبيرة بحسن الضيافة من الشعب الكردي، حيث دعونا الى بيوتهم وقدموا لنا أشهى المأكولات، وعرفونا الكثير من تاريخهم وعاداتهم، وكان لكرة القدم حصة الأسد من المحادثات، ويبدو ان الكرد كانوا من المشجعين الكبار للمنتخب الارجنتيني، بل أكثر منا. و(فرانكوا الكاتب يقول مازحا عندما يلعب المنتخب الارجنتيني مباراة في ارجنتين أصدقاءنا هنا يبقون واقفين طول الليل لمشاهدة المباراة في الساعة الثالثة صباحا.
السلامة كانت الشيء الأخر التي أدهشتنا. الناس كانوا يتركون أبواب بيوتهم مفتوحة ونحن تركنا الفوكيسفاكن في الشارع بدون ان نقفلها حتى، ولم يحدث أي شيء.
لا شيء يذكرنا بأن هؤلاء الناس انهوا حربا دامت أربعة سنوات مع داعش، ولكنا عندما تحدثنا مع الناس ادركنا وشعرنا بالإضافة للمرح وكرم الضيافة و الانفتاح كان هناك الرعب و عدم اليقين والخوف على وجوههم، ويضيف لقمان “لازلت أخاف في كل ليلة على عائلتي” عندما سألناه عن الحرب ضد داعش .
مرد ذلك ربما بسبب الحقيقة ان هذه المنطقة شاهدت حروبا أكثر بكثير من السلام خلال بضعة عقود مضت، لكن الناس نوعا ما يحاولون القيام بما يبدوا مستحيلا على مبدأ تمتع بالحياة والشعور بالرعب في نفس الوقت ، فبينما يتمتعون بالحاضر بنفس الوقت قلقين حول المستقبل المجهول .
تصوروا بعد كل هذا العنف، كردستان وشعبها مرحبين و مضيافين، فكيف ستكون كردستان في زمن السلم الدائم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين هل كنا نحتاج لاثني عشر شهرا حتى نفهم ما حصل؟ هل اصبح الوقت بلا قيمة لهذه الدرجة؟ هل الوضع السوري الدقيق ما بعد سقوط الاستبداد يتحمل هذا العبث بالحالة الكردية السورية؟ هل ما يحتاجه الكرد اليوم إعادة انتاج المشهد الحزبي الفاشل بدلا من طيه بعد المراجعة النقدية؟ هل فعلا ان وحدة الكرد متوقفة على تلاقي مراكز حزبية كانت…

الأخبار الكوردستانية الكوادر التي فُرضت على مؤسسات وبلديات روج آفا من قبل قنديل لم تكن كوادر مؤهلة ولا تمتلك أي أساس إداري أو مهني. أغلبهم من كرد باكور، بلا شهادات، بلا خبرة، وبلا أي معرفة بإدارة مجتمع أو مؤسسات، سوى دورات أيديولوجية مغلقة تُدرَّس في كهوف قنديل، قائمة على تمجيد فكر أوجلان، وهو فكر منسوخ أصلاً من كتابات يالجين كوجوك….

كفاح محمود   لم يكن سقوط نظام الرئيس صدام حسين في التاسع من نيسان 2003 نهايةً فعليةً للدكتاتورية في العراق، بقدر ما كان انهيارًا لشخص النظام ورموزه الأكثر فجاجة، فيما بقيت في العمق ذهنيةُ الإقصاء والغلبة ومصادرة الدولة لصالح فئةٍ أو حزبٍ أو جماعة، وما جرى بعد ذلك لم يؤسس، كما كان مأمولًا، لدولة مواطنة حديثة تنقض إرث الاستبداد، بل…

شادي حاجي الحيرة التي يعيشها الشعب والأحزاب والنخب الثقافية والمجتمعية الكردية اليوم ليست حالة عابرة ، بل انعكاس لأزمة أعمق بكثير من مجرد غياب “ صيغة سياسية ” جامعة . فالمشكلة لم تكن يوماً في نقص المؤتمرات والاجتماعات أو الوثائق ، بل في تراكم انعدام الثقة ، وتضارب المصالح الحزبية والشخصية والارتباطات الكردستانية والاقليمية ، وتباين الرؤى حول شكل حل…