كوباني بين مشهد الترحيب واستحقاق الوحدة الكردية

مسلم شيخ حسن- كوباني 

شهدت مدينة كوباني مؤخراً مشهداً لافتاً تمثل في استقبال حافل ورفيع المستوى لمسؤولي الحكومة السورية المؤقتة. وكان مستوى الترحيب والاحتفال الذي رافق هذه الزيارة جلياً وواضحاً. ربما لم تشهد المنطقة مثل هذا الحماس والتنظيم والتوافق الشعبي في العقود الماضية.

لكن بعيداً عن تفاصيل الزيارة وجوانبها السياسية، يبرز سؤال جدير بالتأمل: لماذا لم تنعكس هذه الروح من التفاهم والتقارب على الواقع الكردي الداخلي طوال السنوات الماضية ؟

فلو تمكنت الأحزاب والقوى السياسية الكردية من منح بعضها بعضاً جزءاً يسيراً من هذه الروح الإيجابية، ولو بنسبة لا تتجاوز عشرة بالمئة مما رأيناه في هذه الاستقبالات، لكان المشهد الكردي اليوم مختلفاً تماماً . فبعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً من التحولات والأحداث الكبرى في سوريا، لا يزال الواقع السياسي الكردي يعاني من الانقسامات والتهميش والصراعات المتراكمة، مما أضعف قدرته على استغلال الفرص المتاحة وتحقيق الإنجازات القومية المنشودة.

لم تكن المشكلة يوماً تتعلق باستقبال الضيوف أو عدم استقبالهم فهذه قيم اجتماعية ووطنية جديرة بالثناء، تجسد تماسك المجتمع وتواضع أبنائه. بل على العكس، تكمن المعضلة الحقيقية في عجز الأحزاب الكردية عن بناء جسور الثقة فيما بينها وفشلها في ترجمة شعارات الوحدة إلى أفعال عملية قائمة على الحوار والتعاون والشراكة.

لقد أثبتت التجارب أن الأمم لا تحقق أهدافها الرئيسية إلا عندما تتجاوز قواها السياسية خلافاتها الضيقة وتقدم المصلحة العامة على الحسابات الحزبية الضيقة. لطالما كانت الانقسامات الداخلية ولا تزال، من أبرز العوامل التي حالت دون تحقيق العديد من التطلعات المشروعة للشعب الكردي في سوريا وأضعفت وجوده السياسي في العديد من المنعطفات الحاسمة.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى ثمة حاجة ملحة لتقييم التجارب السابقة بجدية واستخلاص العبر منها. فالمستقبل لا يبنى على أخطاء الماضي بل على القدرة على تجاوزها والانطلاق نحو مرحلة جديدة قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون الحقيقي والمسؤولية الوطنية المشتركة.

ولو نجحت الأحزاب الكردية في ترسيخ ثقافة الحوار والتفاهم وفي التعامل مع بعضها بعضاً بروح وطنية جامعة، لكانت قد قطعت شوطاً مهماً نحو تحقيق تطلعات الشعب الكردي في سوريا إلى الحرية والكرامة والديمقراطية. فالقضية الكردية لم تكن يوماً بحاجة إلى مزيد من الخلافات، بقدر ما كانت بحاجة إلى إرادة سياسية قادرة على توحيد الصفوف وتحويل التحديات إلى فرص، خدمة لمصالح الشعب ومستقبل أجياله القادمة.

 

8 / 6 / 2026

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…

محمود أوسو الإيزيديون هم شعب كردي أصيل، موحدون يؤمنون بإله واحد. عاشوا آلاف السنين في جبال كردستان: شنكال، دهوك، الموصل، ديار بكر، عفرين. تاريخهم كتب بالدم، لأنهم دفعوا ثمن إيمانهم 74 مرة على الأقل. أغلب هذه الفرمانات جاءت باسم الدين الأسلامي في زمن الفتوحات عياض بن غنم وما بعدها مع وصول الجيوش الإسلامية إلى كردستان في عهد عمر بن الخطاب،…

د. محمود عباس من كوردستان في ذاكرة الطفل إلى كوردستان في عتمة السياسة طوال قرن كامل، جرّب الحراك الكوردستاني تقريبًا كل لغة سياسية ممكنة لإقناع الدول التي اقتسمت كوردستان بأن الشعب الكوردي ليس ضيفًا على أرضه، ولا أقل شأنًا من الشعوب التي أُنشئت لها دول وحدود وحكومات. تحدّث الكورد عن الأخوّة، والمواطنة، والوطنية المشتركة، والديمقراطية، واللامركزية، والفيدرالية، وتقاسم السلطة، وبناء…