هل تحرر المثقف الكردي

http://www.welateme.net/erebi/30/mehmud_ebas.jpgد. محمود عباس
هل استطاع المثقف الكردي (يتضمن هنا شريحة من السياسيين، ولربما المرأة قبل الرجل) الفصل بين الفكر والذات، وهل بلغ مرحلة خلق مفاهيم تنويرية لهدم الماضي المأزوم، وعرض تلك المفاهيم على طاولة الحوارات لتنوير الحراك والمجتمع؟ هل تمكن من التأثير على الحركة السياسية، بدءاً من تصحيح مساراتها أو إقناعها للتحرر من الإملاءات الخارجية؟ هل قدم لشعبه مواد فكرية حضارية، أو ساعد شريحته بألا تتكالب مع الإدارات أو الأحزاب الكردية على المنافع الذاتية؟ هل تحرر من المفاهيم التي فرضت عليه وعلى الشعب الكردي تلقيها وعلى مدى القرن الماضي من قبل السلطات الشمولية المستعمرة لكردستان؟ هل بلغ مرحلة مواجهة المفاهيم العنصرية الحديثة الصادرة من القوى المعادية للكرد؟ هل تخلص من الصراعات الشخصية، والأنا، ودخل مرحلة تفضيل الوطن على الذات والانتماءات الحزبية، والنزعات الأنانية والحسد من المثقف الأخر؟ هل بلغ مرحلة تقبل النقد والرد بالنقد الإيجابي؟ 
هذه الأسئلة وغيرها الكثير، تطرق إليها العديد من الكتاب الكرد، من جوانب عديدة، ومن وجهات نظر مختلفة، ولبعضهم دراسات ومقالات منشورة على المواقع، ومنهم من أسهم في إدراج فصول في كتبه، يشرفني ذكر أسمائهم، لكنني ارتأيت التنويه لئلا أغبن بحق البعض الذين قد لا يحضرني أسمه، فلكل من ساهم في هذا المجال المهم تقديري. ففي السابق وقبل فترة أطلعت على ما تمكنت الحصول عليه من خلال النت، فما ذكرته وما طرحه الإخوة الكتاب والمثقفين من أسئلة وأراء حول القضايا والمواضيع الفكرية أو السياسية-الثقافية، ورغم الظروف الموضوعية القاسية وانعكاساتها، تحتاج إلى حوارات طويلة، بل وربما إلى سجالات عنيفة، ليس فقط للخروج من الدوامة التي أسقطت الأحزاب الكردية بضحالة معرفتها والسلطات الشمولية بخباثتها المجتمع الكردي وحراكه الثقافي فيه، وأبعدتهما عن معاركهما الحقيقية، وفي مقدمتها الوقوف في وجه طغيان السلطات المستعمرة لكردستان، أو لنقل سلطات الطغيان. 
  وهنا لا بد من الانتباه إلى توصيفات ضاره بدأت تنتشر بين المجتمع والحراك الكردي والكردستاني، جلبت من الدراسات الكلاسيكية رغم منطقيتها في الحيز العام، وهي حجج أكثر من أن تكون تصنيفا، ويضخم في الواقع الكردي لتظهر متناغمة مع الصراعات الحزبية الجارية،  وتمر من خلالها غايات المتربصين بالكرد، ومنها تصنيفاتهم الكيدية للمثقفين الكرد، لتوسيع حلقات الصراع بينهم، فيوسمون البعض بالمتفرج، أو المتردد، ولم يسلم من هذا التصنيف حتى أولئك الأدباء البعيدين عن السياسة كل البعد، وبينهم من يتداول الفكر الأدبي دون الصراعات السياسية، وأخرى بالثوري الحازم لتصعيد النقد للسقوط في مستنقع التهجم العشوائي، بينهم كتاب الأحزاب، أو الناصر للحق، والحق جدلية نسبية، والبعض بالمتواطئ، وغيرها من الأصناف التي لا نشك يوما أن للسلطات الإقليمية المحتلة لكردستان الدور الرئيسي في نشر وتكريس هذه الأوبئة، لتوسيع الشرخ بين الحراك، وبالتالي النيل من قضية شعبنا الذي لا يزال في مراحل التحرر. ونحن بدورنا نتناسى أنه لحركتنا الثقافية خصوصية تختلف عن مثقفي الشعوب التي لها سيادة ودولة.
  فماذا ينقض وينقص حراكنا الثقافي الكردي لتبلغ سوية الحركات التنويرية الأوروبية في القرون الماضية سوى دولة، أو لترقى إلى سوية الحركة الثقافية الفرنسية التي انقسمت إلى جماعتين مختلفتين في طروحاتها، في نهايات القرن الثامن عشر، والذي شارك فيها أميل زولا وأندريه جيد ومارسيل بروست وجان جوريس وغيرهم؟ والذين تجاوزت صراعاتهم الواقع الأدبي إلى السياسي، ومقالة أميل زولا ” أني أتهم” خير دليل، والطرفان رغم خلافاتهما أرتقوا بأساليب النقد الموضوعي والمنطقي إلى سوية حركة تنويرية شاعت مفاهيمها في أوروبا والعالم. 
   المثقف الكردي كغيره من مثقفي الشعوب المستعمرة في شرقنا، تكونت مفاهيمه ومعارفه وتقييماته للقضايا من بيئته الاجتماعية، ومن المؤلم أن بيئتنا تحكمت في معظم شؤونها ومفاصلها الأنظمة الشمولية، التي أذاقت مجتمعاتنا وحراكنا شتى أنواع الاضطهاد، وتجاهلت مطالبها على مدى القرن الماضي، فقد ساد هذا  الواقع منذ فترة الاستعمار الفرنسي وحتى اللحظة، ومن أبرز سماتها العنصرية وإلغاء الأخر، وبالتالي فجل صراع حراكنا هي من مفرزات تلك المراحل، وأغلبيتنا لا زلنا نحملها بل ونتمسك بها بطريقة أو أخرى رغم مجريات الأحداث الكبرى في المنطقة وهجرة شريحة واسعة إلى العالم الحضاري، لا زلنا نتمسك بسلبيات الواقع الماضي، والمؤدية إلى النكوص وليس التحرر، ورغم معرفة أغلبيتا للواقع، لا نتجرأ في إماطة اللثام عن الحقيقة. 
 ومن المساوئ والتشوهات السائدة حتى اللحظة، في البعد العام، الانجرار وراء العامة لا قيادتهم وتوعيتهم، ونساهم في صراعاتهم ونتناسى البحث عن الحلول لها، وبالتالي ننقسم ونزيد الشرخ بين المجتمع والقراء إلى على مقاس الأحزاب الكردية التابعة. وفي الحيز الذاتي، جلنا لا نقبل النقد، مهما كان بسيطا، ناهيكم عن النقد الجارح، وكثيرا ما يتحول إلى التهجم على خصوصيات الكاتب أو السياسي أو المفكر المنتقد. ولن ننسى الحسد والأنانية مكان الدعم والتقييم المنطقي، لتطوير المطروح أو على الأقل تنقيته من بعض السلبيات والنواقص. ولا يخفى المفهوم الدارج، حيث التحيز للأحزاب السياسية أو تبعيتها في الوقت الذي يجب أن تكون فيه الحراك الثقافي منورها، وأغلبيتنا ينحازون إلى سياسة الشجب والتهجم بدل محاولات التغيير بتقديم البديل الأفضل عن طريق الإقناع.
   فلولا هيمنة هذا المنطق على الساحة لقدمت شواهد وأمثلة، أسماء وقضايا ومواضيع طرحت، ولتقدمت الكل وبأريحية على خوض هذه التجربة، مع بعض المختلفين، فكريا أو سياسيا، من الإخوة الكتاب المأمول منهم تنوير المجتمع والحراك السياسي، وخلق حلقات الحوار لتنقية الذات قبل الحراك السياسي والمجتمع، ولا تعني هذا أنه تنقصنا جرأة مواجهة الحوارات، بل لأن أغلبيتنا نحمل الكثير من مخلفات الماضي المضر، فللحذر أو لحساسية المواجهة بحد ذاتها هو ما ينبهني ألا أخوض غمار الأسماء وذكر خصال البعض من الحراك الثقافي أو التطرق إلى الخلاف مع الأخر حول المطروح، إلى جانب أنني أرى أن جل مصائبنا تأتي من سلطات القوى الإقليمية، وهي التي يجب أن نواجهها ونركز عليها بكل قوانا، فالتركيز على مهاجمة الأحزاب دون المحتلين يؤدي إلى التآكل الداخلي، ويحول دون معرفة ما تخططه الأنظمة المعادية. فلماذا لا نملك قدرة المواجهة التي استخدمها كل من سقراط ضد جور الحكام، وفولتير في إقناع ملك فرنسا والبرلمان على إعلان براءة كالاس والتعويض لذويه عن الغبن الذي لحق به؟
 وسيكون من دواعي سرورنا خلق مثل هذه الحوارات، وظهور شريحة رائدة للخوض فيها بالحيز التنويري، شريطة أن يعفى النقد من الشخصنة، والابتعاد عن التضخيم في التقييم، ولا شك تجري الأن على الساحة مثل هذه، لكن جل ما يتم عرضه وتحليله أو مناقشته حتى الأن، ساد فيه إما السلبية المطلقة أو الإيجابية المفرطة، والقلائل من الكتاب تمسكوا بالحكمة والمصداقية. أي بما معناه، نهدم أو نساعد في الهدم، فالوصف الزائد مثلها مثل التهجم، ولهذا علينا أن نبني لا أن نهدم، نسهم في التغيير إلى الأفضل لا أن نزيد الشرخ بين المجتمع أو بين أطراف الحراك، أن نترك أثر طيبا عند الجيل القادم والقراء والشعب الذي في حاجة ماسة إلى نوعية حضارية من المفاهيم والمواضيع، لا أن نعيد تجارب كتبة البلاط أو الذين يمجدون ثقافة السلطات ويجترونها رغم التغيرات الكبرى.
 المثقف ولا نعني المتعلم، هو المركز، فكلما كان حرا في مفاهيمه، ومتماهيا مع قضايا مجتمعه شع تنويره وجذب المجتمع إلى ذاته، و يسعدني هنا أن أستشهد بمقولة للباحث والناقد الكبير (إبراهيم محمود) من مقال له نشر في موقع (ولاتي ما) وموقع الأنطولوجيا السرد العربي، تحت عنوان (سؤال المثقف الكردي) يقول ” بينما المثقف فهو رغم كونه كردياً، يبقى ماداً بنظره وبصيرته إلى الجهات كافة، فيكون الكردي وسوى الكردي محط اهتماماته، إلى جانب القضايا الكبرى” ويضيف ” السياسي مفتوناً بالحساب غالباً، بينما المثقف بالهندسة، إلى درجة أن السياسي نفسه موضوع من موضوعاته” وما أسهل اليوم الوصول إلى أذهان أكبر عدد من القراء وبالتالي التأثير على المجتمع، مثل بساطة الحصول على المعلومات ومعرفة الثقافات القيمة السائدة في العالم الحضاري، وبلوغ سدنة السياسيين الذين هم في حاجة ماسة إلى المساعدة، وإنقاذهم من معضلاتهم، وتحرير حراكنا، وتنبيههم من مغبات الانجرار إلى الصراعات الحزبية حيث الإملاءات الخارجية السائدة تحت أغطية واهية.
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
1/8/2018م
 نشرت ككلمة المحرر في جريدة بينوسا نو العدد (73) الناطقة باسم الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…

د. محمود عباس   الأمم الصغيرة ومكانتها في النظام العالمي الجديد.   لم يعد النظام العالمي الجديد حكرًا على الأمم الكبرى وحدها، ولا باتت المكانة الدولية تُمنح فقط لمن يملك المساحة الأوسع أو الجيوش الأضخم. فخلال العقود الأخيرة، أثبتت تجارب متعددة أن أممًا ودولًا صغيرة استطاعت أن تفرض لنفسها وزنًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي، لا لأنها…