مقالات

بعد نهارٍ من الدك

حسين جلبي

بعد أن دكت مدافع بشار الأسد بابا عمرو و الخالدية و البياضة و الإنشاءات، و بعد أن دُكت حمص و حماة و درعا و القورية و مضايا و الزبداني و داريا، و بعد أن دُكت سوريا من أقصاها إلى أقصاها بكل ما يصلح و لا يصلح للدك، و بعد أن دك الإعلام السوري مشاعرنا و قلوبنا و عقولنا بأكاذيبه، و بعد أن إنتهت وجبة الدك الصباحية اليومية بنجاح، و أصبح هناك رصيد جيد من الجثث و الأشلاء و الجرحى و الدماء، يكفي لتغذية جميع الحصص الإخبارية، من النشرات الموجزة إلى المفصلة، و من منتصف النهار إلى ما وراء الخبر و ما أمامه، إلى بانوراما و حصاد اليوم و العالم هذا المساء و هذه الليلة..
 و يكفي كذلك لإلغاء البرامج الإعتيادية لصالح البرامج المباشرة، و تحويل العاديات إلى عواجل..

دكاً يكفي لمنح فرص ذهبية لظهور الخبراء و المحللين السياسيين و الإستراتيجيين، المعمرين منهم و المبتدئين، و إعطائهم جميعاً إمكانية التباري اللغوي، و عرض تسريحاتهم، و أناقتهم، و ألوان ربطات أعناقهم، و يكفي أخيراً لتوفير مادة دسمة للسياسيين و صناع القرار، للإطلال على ناخبيهم و معارضيهم، لإظهار عدم رضاهم لما يحصل، و إدانته بأشد العبارات، و إظهار قلقهم الشديد، و أسفهم العميق، و دعواتهم للحل السلمي، و الكف عن إستخدام العنف… بعد كل ذلك، عاد العالم المُنهك من التصريحات النارية و التغطية المباشرة، عاد أخيراً إلى فراشه الوثير، بعد ان اغتسل مما علق بضميره من صور، و بعد أن نظف حذائه مما علق به من أرواح، و هو يمنّي النفس بنهارٍ آخر مثير، تدور فيه ماكنته الإعلامية مثل نواعير حماة، لكن بعد أن تغب من دماء السوريين، لتسقي بها مفاصل العالم المهترئة، لعلها تدور..

و ليغمض عينيه أخيراً على صورة إنتصاره الكلامي.

صورة من فيتنام، مشاهد من القيامة
بعد نهارٍ إخباري آخر، تنقلت فيه بين كل المحطات، سمعت فيه كل الصرخات، رأيت صنوف العذاب، و أشلاء الأشلاء، تابعت إرتفاع عداد الشهداء حتى الرقم القياسي اليومي، رأيت أبو جعفر و هو يتنقل بين الأنقاض و يشرح عبثاً ما لا يحتاج للشرح، سمعتُ زئير أبو صلاح و هو ملقىً جريح، سمعت بكاء هادي العبد الله و هو يتحدث عن نقص كل شئ عدا الموت، سمعت مناشدات الدكتور محمد المحمد و هو يقول بصوتٍ أجش: خمسة أطفال من عائلة واحدة، الشهيد كان وحيداً لأمه و قد تيتم بعد إستشهاد والده، إستشهد و لم نستطع أن نفعل له شيئاً، سمعت و سمعت و سمعت، رأيت صغيرات لا تظهر ملامحهن، تغطي الدماء و الأتربة وجوههن، بل أجسادهن كلها، واحدة منهن تصرخ و هي تطلب أمها، و أُخرى يُسكِتها الناشط و هو يعدها بالسكاكر فتنسى كل شئ و هي تسأل: و هل عندكم دكان؟ و ثالثة يحملها والدها و يسير بها إلى اللاتجاه، و عندما يلتفت تظهر فتحة في رأسها و قد خرج منها دماغها.
يتابع اليوم مسيره، و إذا بمشهدٍ فوضوي من القيامة، أبنية مدمرة و يظهر من بين الأنقاض جثث و لعب أطفال و بقايا مدفأة، في حين يتراكض الناس، إلى جميع الإتجاهات نحو المجهول، و فتاة بجديلتين تشبه تلك المشهورة من حرب فيتنام تركض باكية.
شعرت بنفسي ميتاً، شعرت بهؤلاء الناس أمواتاً و لا أحد يسمعهم، قلت لأغادر هذا القبر، فلقد تعبت من الموت، وقفت على سرير إبنتي، أمسكت اللحاف لأغطيها، تجمدت يداي فجأة، دارت في رأسي آلاف الصور، من حمص و شقيقاتها، حيث لا ماء و لا طعام و لا كهرباء و لا دفء، لا حليب أطفال و لا سكاكر، عُدت مسرعاً إلى أصدقائي لأتابع أسطورة الحياة التي يصنعونها.
jelebi@hitmail.de

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: welateme

الحوار الكردي المبهم

صبري رسول يُعدّ الحوار أحد أدوات التواصل بين طرفين، شخصين، قوتين أو قطبين، لمعرفة آراء الطرف الآخر، وإمكانية العمل معاً، لجمع الطاقات…

ماجلان وأوجلان والدوران

وليد حاج عبدالقادر / دبي بداية لابد من التوكيد على أمر حيوي فرغم كثرة الأمثال والأقوال المأثورة في الثقافة الكردية ، لابل…

لأجل هذا خرجنا

ماجد ع محمد بالرغم من أن وزارة الخزانة الأميركية كانت قد فرضت قبل عامٍ من الآن عقوباتَ على فصيلين سوريين لتورطهما في…