مقصلة الملالي: هل تخنق الإعدامات صوت الثورة؟

نظام مير محمدي *

استراتيجية “الهروب إلى الأمام

يدرك النظام الإيراني اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن بقاءه بات على المحك. إن دخول طهران في أتون حروب إقليمية طاحنة ليس مجرد خيار عسكري، بل هو استراتيجية سياسية تهدف إلى تصدير الأزمات الداخلية المتفاقمة. ومع تحول هذه الحروب إلى عبء يستنزف ما تبقى من شرعية النظام، تصاعدت حالة السخط الشعبي لتصل إلى مستويات غير مسبوقة. وفي هذا السياق، لم يعد النظام يرى في “آلة الإعدام” مجرد وسيلة عقابية، بل حولها إلى “درع أمني” يحاول من خلاله مهار الانفجار الاجتماعي الوشيك.

تصاعد الإعدامات: ذعرٌ من “يناير ٢٠٢٦”

في تطور خطير يعكس مدى استياء السلطة وهلعها، شهدت الأيام القليلة الماضية موجة إعدامات وحشية شملت ستة من أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، وهم: وحيد بني عامريان، أبوالحسن منتظر، محمد تقوي، أكبر دانشور كار، بابك عليبور، وبويا قبادي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت يد الغدر لتطال أربعة من الشباب الثوار المرتبطين بانتفاضة يناير ٢٠٢٦. هذه الإعدامات المتلاحقة، التي نُفذت في ظروف أمنية مشددة وتعتيم إعلامي، تحمل رسالة واحدة للداخل الإيراني: “النظام مستعد لإبادة جيل كامل من أجل البقاء”. لكن، كما أكدت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، فإن سفك دماء هؤلاء الأبطال لا يعكس قوة النظام، بل يكشف عن “عجزه المطلق” أمام تقدم وحدات المقاومة وجيش التحرير الوطني.

وحدات المقاومة: كسر طلسم الرعب

إن ما يقض مضاجع القيادات الأمنية في طهران ليس التهديد الخارجي فحسب، بل هو “العدو في الداخل”. لقد أثبتت التسريبات السرية الأخيرة من اجتماعات المجالس الأمنية في محافظتي طهران وألبرز أن وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق قد انتقلت من مرحلة “التعبئة” إلى مرحلة “السيطرة الميدانية”. في اجتماع المجلس الأمني لمحافظة ألبرز، أقر المدعو نعيمي، رئيس دائرة المخابرات، بأن المقاومة تمتلك الآن “تعليمات تنظيمية دقيقة” تركز على شل حركة قوات القمع في الشوارع. وما يثير رعب النظام هو تحول التكتيكات من الاحتجاج السلمي إلى “عمليات اقتحام القواعد العسكرية ونزع سلاح عناصر الباسيج”. هذا التحول النوعي دفع الأجهزة الأمنية لاتخاذ تدابير مهينة لقواتها، منها تجريد عناصرها من السلاح في التجمعات خوفاً من استيلاء المقاومين عليه.

طهران: ساحة المواجهة الكبرى

لم تعد العاصمة طهران حصناً منيعاً للنظام. الاعترافات الصريحة لرئيس منظمة استخبارات الحرس الثوري تؤكد أن وحدات المقاومة بدأت بتنفيذ “هجمات دقيقة ومقذوفات متفجرة” استهدفت مقرات سيادية، مثل مبنى الباسيج في ساحة “سباه” ومجمع “الشهيد باهنر” القضائي. إن توقيت هذه العمليات، وخاصة الهجوم على المجمع القضائي رداً على إعدام ١٦ سجيناً، يثبت أن المقاومة باتت تمتلك “قوة الردع”. إنها المعادلة الجديدة التي فرضتها وحدات المقاومة: “الإعدام سيقابله انفجار، والقمع سيولّد مقاومة مسلحة”.

الحكومة المؤقتة وجيش التحرير: البديل الوطني

إن تزامن هذه العمليات مع إعلان المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية عن “الحكومة المؤقتة لنقل السلطة إلى الشعب” وتأسيس “جيش التحرير الوطني”، وضع النظام أمام حتمية السقوط. النظام يحاول من خلال نقاط التفتيش المنتشرة في شوارع طهران، والتهديدات التي يطلقها قائد الشرطة أحمد رضا رادان، أن يوحي بالسيطرة، لكن الواقع خلف الكواليس يشير إلى “انهيار الروح المعنوية” للقوات الأمنية التي باتت تشعر بأنها مستهدفة في كل زاوية.

الإعدام كساتر حربي

يخطئ من يظن أن النظام الإيراني يمارس الإعدام بمعزل عن ظروف الحرب الخارجية. إن الملالي يستخدمون ضجيج الصواريخ في المنطقة كـ “غطاء دخاني” لتمرير جرائمهم الداخلية بعيداً عن أعين المجتمع الدولي. إنهم يرحبون باستمرار التوتر الإقليمي لأنهم يرون في “حالة الحرب” المبرر الوحيد لإعلان الأحكام العرفية غير المعلنة ومنع تشكل قيادة ميدانية للانتفاضة. إلا أن هذه الاستراتيجية قد بلغت طريقاً مسدوداً. فالشعب الإيراني، الذي يراقب تبديد ثرواته في مغامرات خارجية، وصل إلى قناعة تامة بأن “العدو الحقيقي في طهران وليس خلف الحدود”.

وختاماً

إن دماء الشهداء العشرة الذين أُعدموا في أسبوع واحد، من مجاهدين وثوار يناير ٢٠٢٦، ستكون الوقود الذي يشعل المرحلة القادمة من الثورة. إن رهان النظام على “المشنقة” هو رهان خاسر، فالتاريخ الإيراني المعاصر يثبت أن كل قطرة دم تسقط، تنبت بدلاً منها مئات من وحدات المقاومة. على المجتمع الدولي أن يدرك أن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يمر عبر التفاوض مع نظام المشانق، بل عبر الاعتراف بحق الشعب الإيراني في المقاومة وإسقاط الدكتاتورية. إن “عاصفة الإسقاط” قد بدأت بالفعل، ولا توجد قوة على الأرض، مهما بلغت وحشيتها، قادرة على الوقوف في وجه شعب قرر أن ينتزع حريته بيديه.

* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمعة عكاش Jomaa Akkash اليوم سنغني وسنطلق الألعاب النارية ونلبس من أجمل ملابسنا وسنعقد حلقات الدبكة الكردية والعربية والسريانية وكاننا في “الجنة” هكذا نحن شعوب القامشلي وزالين وقامشلو نحب الحياة، لكن في الحقيقة واقع مدينتنا – عاصمتنا كارثي للغاية. إذا كانت دمشق أسوء مدينة للعيش في العالم…

محمود أوسو نحن لا نكتب عن التاريخ لنتفاخر بالماضي، ولا عن الدين لنكفر أحداً، ولا عن السياسة لنشتم قومية أو نقدس قومية. نكتب لأن السكوت خيانة، والحوار واجب. من يظن أننا عندما نكتب عن حدث تاريخي أو ديني أو اجتماعي، هدفنا إهانة دين أو قومية، فهو لم يفهم حرفاً مما نكتب، ولم يفهم معنى أن تكون إنساناً. نحن نحترم…

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…