مقالات

حين تتحول الأحزاب إلى ساحات صراع أزمة الحركة السياسية الكوردية في سورية إلى أين؟

حسن قاسم

كتبنا بالأمس عن الأزمة التنظيمية الحادة التي تعصف بالحركة السياسية الكوردية في سورية، وقلنا إن استمرارها لم يعد شأناً داخلياً لهذا الحزب أو ذاك، بل بات قضية تمس مستقبل الحركة السياسية الكوردية برمتها.

وما جرى خلال الفترة الأخيرة يؤكد أن المسألة أعمق من خلاف عابر بين قياديين، أو اختلاف في وجهات النظر داخل حزب معين.

ففي حزب يكيتي الكوردستاني، صدر مؤخراً بيان باسم عدد من قيادات الحزب، في مشهد يعكس بوضوح حجم الخلافات الداخلية التي وصلت إلى العلن. وبغض النظر عن صحة موقف أي طرف ومصداقيته، فإن مجرد وصول الخلاف التنظيمي إلى إصدار بيانات متقابلة يمثل بحد ذاته مؤشراً خطيراً على أزمة داخلية تحتاج إلى معالجة مؤسساتية عاجلة.

وقبل ذلك، شهد حزب الوسط الكوردي تطوراً لا يقل خطورة، عندما أصدرت غالبية أعضاء اللجنة المركزية بياناً احتجاجياً على ما اعتبروه ممارسات فردية من قبل سكرتير الحزب، ودعوا إلى عزله، كما طالبوا بعزل ممثله في الأمانة العامة للمجلس الوطني الكوردي.

وبغض النظر أيضاً عن موقفنا من أطراف هذا الخلاف، فإن وصول الأمور داخل حزب سياسي إلى مطالبة غالبية لجنته المركزية بعزل سكرتيره وممثله في مؤسسة سياسية مشتركة، يكشف حجم الأزمة التنظيمية التي يعيشها الحزب.

ولم يكن حزب الوحدة الكوردي في سورية بعيداً عن هذه الحالة، فقد شهد هو الآخر انسحابات متتالية لعدد من أعضاء القيادة والقواعد، وسط اعتراضات على ما وصفه المنسحبون بالتفرد في القرار وسلوك بعض القيادات.

وقبل كل ذلك، وليس بعيداً عن الذاكرة، جاء تصدع الحزب الديمقراطي الكوردستاني – البارتي، جناح أحمد سينو، بعد انعقاد مؤتمره، وما رافقه من خلافات وانقسامات داخلية.

وهكذا دواليك، حتى أصبح السؤال مشروعاً:

هل نحن أمام أزمات منفردة داخل بعض الأحزاب، أم أمام أزمة تنظيمية عامة تضرب الحركة السياسية الكوردية في سورية؟

أين تكمن المشكلة؟

المثير للقلق أن معظم هذه الخلافات لا تبدو، في جوهرها، ناتجة عن اختلافات فكرية أو سياسية عميقة حول القضية الكوردية ومصيرها.

فإذا كانت القوى السياسية متفقة، ولو بدرجات متفاوتة، على ضرورة الدفاع عن الحقوق القومية والسياسية للشعب الكوردي، فلماذا تتحول الخلافات التنظيمية إلى انشقاقات، وبيانات، واتهامات متبادلة، وانسحابات؟

هنا ينبغي أن نمتلك الشجاعة لطرح السؤال الصعب:

هل أصبح المنصب أهم من القضية؟ وهل تحولت بعض الأحزاب من مؤسسات لخدمة المشروع القومي إلى ساحات للتنافس على المواقع والنفوذ؟

إن كانت الإجابة نعم، فنحن أمام أزمة تتجاوز الأشخاص والأحزاب، إنها أزمة في الثقافة السياسية والتنظيمية نفسها.

فالسكرتير ليس مالكاً للحزب، واللجنة المركزية ليست ملكية خاصة لأعضائها، والمنصب التنظيمي ليس امتيازاً شخصياً. الحزب مؤسسة، والقيادة مسؤولية، والمؤتمر هو المرجعية التي تمنح الشرعية وتسحبها وفق النظام الداخلي.

ولا يمكن لحزب يرفع شعار الديمقراطية والحقوق القومية أن يمارس داخل مؤسساته عكس ما يطالب به في المجتمع.

القضية أكبر من الأحزاب

المؤسف أن هذه الصراعات تأتي في وقت نحن فيه بأمسّ الحاجة إلى وحدة الحركة السياسية الكوردية، ووحدة الإرادة والموقف والعمل، في مواجهة تحديات ومخططات تستهدف هوية وحقوق ووجود الشعب الكوردي.

وبدلاً من أن تُستثمر الطاقات في بناء موقف كوردي موحد، نجد جزءاً كبيراً منها يُستهلك في صراعات داخلية حول المواقع والتمثيل والشرعية التنظيمية.

إن استمرار هذه الحالة سيؤدي حتماً إلى فقدان القواعد ثقتها بقياداتها، وسيزيد حالة الإحباط لدى الكوادر، وسيجعل الانشقاق ظاهرة طبيعية بعد كل خلاف، بينما يفترض أن تكون الأحزاب مدارس للديمقراطية والحوار وقبول الآخر.

لقد آن الأوان للخروج من دائرة:

من هو السكرتير؟ ومن يمثل الحزب؟ ومن يملك الشرعية؟ ومن يحتفظ بالموقع؟

والعودة إلى السؤال الأكبر:

ماذا نريد لشعبنا؟ وكيف نحمي حقوقه؟ وما هو المشروع السياسي القادر على تحويل هذه الحقوق إلى واقع دستوري وسياسي؟

مؤتمر قومي لم يعد ترفاً

من هنا، فإن الدعوة إلى مؤتمر قومي كوردي سوري جامع لم تعد ترفاً سياسياً ولا شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل أصبحت، في ظل هذه الظروف، حاجة ملحّة.

نحن بحاجة إلى مؤتمر يضم الأحزاب والقوى السياسية والشخصيات المستقلة والأكاديميين والمثقفين وممثلي المجتمع المدني، بهدف إعادة بناء الثقة، ووضع أسس جديدة للعمل القومي المشترك.

مؤتمر لا يُعقد لتوزيع المناصب، ولا لإعادة إنتاج القيادات نفسها، ولا لتكريس المحاصصة، وإنما لوضع رؤية سياسية وقومية واضحة، وآليات ديمقراطية لاتخاذ القرار، وهيكلية تمثيلية تحظى بثقة القواعد والجمهور.

فالمرحلة لا تحتمل المزيد من الانقسامات، ولا تسمح باستمرار عقلية «أنا ومن بعدي الطوفان».

كلمة أخيرة

إن الحركة السياسية الكوردية في سورية أمام اختبار تاريخي حقيقي:

إما أن تستمر في إعادة إنتاج أزماتها وانشقاقاتها، وإما أن تمتلك الشجاعة للاعتراف بأن هناك خللاً تنظيمياً وسياسياً عميقاً يحتاج إلى مراجعة شاملة.

ولكي نكون صريحين مع أنفسنا:

القضية الكوردية أكبر من الأحزاب، وأكبر من الأشخاص، وأكبر من السكرتير واللجنة المركزية والمؤتمر والموقع التنظيمي.

فالمنصب مؤقت، والحزب وسيلة، والقيادة مسؤولية، أما القضية فهي الباقية.

ومن يريد فعلاً خدمة شعبه، عليه أن يعرف متى يتمسك بالموقف، ومتى يتنازل عن الموقع، ومتى يضع المصلحة العامة فوق مصلحته الحزبية والشخصية.

آن الأوان أن نضع النضال القومي على السكة الصحيحة، قبل أن تدفع الحركة السياسية الكوردية ثمناً أكبر من انقساماتها الداخلية.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب