السورية الجديدة ومستقبل الأكراد

عمر إبراهيم

بعد أربعة عشر عامًا من الحرب السورية، لم تعد القضية الكردية مشروعًا عسكريًا بقدر ما أصبحت اختبارًا سياسيًا لمستقبل الدولة نفسها. فالأكراد، الذين ملأوا فراغ السلطة في الشمال الشرقي خلال سنوات الصراع، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تحكمه التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما تحكمه القوة على الأرض.
تراجع الحديث عن الاستقلال أو الفيدرالية الواسعة، لصالح طرح أكثر واقعية يقوم على اللامركزية الإدارية وضمان الحقوق الثقافية والسياسية. ويعود ذلك إلى جملة عوامل، أبرزها رفض دمشق لأي صيغة تقسم السلطة السيادية، والموقف التركي الحازم ضد قيام كيان كردي، إضافة إلى محدودية الدعم الدولي طويل الأمد.
في هذا السياق، يبرز دور المجلس الوطني الكردي كأحد الفاعلين السياسيين الأساسيين. فالمجلس، الذي يتبنى خطابًا أقرب إلى الحلول التفاوضية، يسعى إلى إدماج القضية الكردية ضمن إطار وطني سوري، مع المطالبة بضمانات دستورية للحقوق القومية. كما يحاول لعب دور توازني بين الضغوط الإقليمية ومتطلبات الشارع الكردي، رغم ما يواجهه من تحديات داخلية وخلافات مع أطراف كردية أخرى.
لكن هذا الدور لا يزال محدود التأثير، في ظل الانقسام الكردي وعدم توحيد الرؤية السياسية، وهو ما يضعف القدرة على فرض مطالب واضحة في أي تسوية قادمة. فغياب موقف كردي موحد يبقى أحد أبرز نقاط الضعف في هذه المرحلة الحساسة.
مستقبل الأكراد في سوريا يرتبط اليوم بشكل الدولة المقبلة: هل تتجه نحو مركزية مشددة، أم نحو صيغة أكثر مرونة تستوعب التنوع القومي؟ وفي الحالتين، يبدو أن الحل لن يكون خارج إطار الدولة السورية، بل من داخلها.
هكذا، تقف القضية الكردية بين واقعية السياسة وحدود الجغرافيا، حيث لم يعد الرهان على فرض الأمر الواقع ممكنًا، بل على التفاوض وبناء شراكات جديدة. وفي هذا المشهد، سيكون لمدى قدرة القوى الكردية، وفي مقدمتها المجلس الوطني الكردي، على توحيد خطابها، دور حاسم في تحديد ما إذا كان الأكراد شركاء فعليين في سوريا المستقبل، أم مجرد طرف هامشي في معادلة معقدة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

كفاح محمود منذ سنوات، لا تتعرض كوردستان لاعتداءات متفرقة يمكن وضعها في خانة الحوادث الطارئة، بل لما يشبه حربًا معلنة على أمنها ومدنها واقتصادها وحق أهلها في حياة آمنة ومستقرة، ومع كل هجوم، يتكرر المشهد الرسمي نفسه: إدانة باردة، لجنة تحقيق، ثم صمت كثيف يبتلع القضية ويطمرها كأنها لم تكن. المشكلة لم تعد في الفصائل وحدها، بل في الدولة التي…

فواز عبدي كثيراً ما يدور الجدل في الساحة السياسية حول اتهام حزب ما بالعمالة أو التبعية لجهة خارجية، بينما يسارع أنصاره إلى نفي ذلك بشدة واتهام الطرف الآخر أو حتى الناقد الحيادي بالخيانة. غير أن المشكلة في هذا السجال أنه غالباً ما يبقى أسير الشعارات والانطباعات، بدل أن يستند إلى منهج يساعد المجتمع على فهم ما يجري وتقييمه بوعي. فمن…

لوند حسين* أدلت السيدة گوهَر حيدر، المتحدثة باسم الهيئة المرحلية للحركة الوطنية الكُردية (بزاڤ)، بتاريخ 4 نيسان 2026، بتصريحٍ أعقب الاجتماع السابع بعد المائة لهيئتهم، وهو تصريح يثير كثيراً من الشفقة والاستغراب، ولا يمكن التعامل معه بوصفهِ مُجرد اجتهاد سياسي عابر؛ إذ يعكُس في جوهره أزمة عميقة في فهم معنى العمل الوطني الكُردي الجامع، وحدود الشرعية السياسية، وآليات إنتاج التمثيل…

عدنان بدرالدين القراءة السابقة في ضوء التطورات في القراءة التي سبقت هذه المرحلة، لم تكن الفكرة الأساسية أن النظام الإيراني قوي، ولا أن خصومه عاجزون، بل إن المواجهة نفسها كانت تتحرك داخل معادلة تمنع الحسم الكامل. كان المعنى أن إيران تمثل نموذجًا لنظام يعاني ضعفًا بنيويًا واضحًا، لكنه لا يسقط بسهولة، وأن الضغط العسكري والاقتصادي مهما اشتد لا يتحول تلقائيًا…