ليلى زانا… سريا حسين… من التالية؟

د. محمود عباس

قبل فترة استُهدفت ليلى زانا، واليوم سريا حسين، وغدًا قد تكون كوردية أخرى. ليست القضية في الأسماء، ولا في اتجاهاتها السياسية، بل في النمط الذي يتكرر بإيقاعٍ مقلق، المرأة الكوردية تتحول إلى ساحة اشتباك.

ما يجري لا يمكن اختزاله في (نقد عابر)، كما لا يجوز إنكار وجود أخطاء أو اختلافات داخلية، فذلك جزء طبيعي من أي مجتمع حي. لكن الإشكالية ليست في وجود الخطأ، بل في كيفية استثماره؛ حين يتحول الخطأ إلى مادة يومية للتشهير، ويتحوّل النقاش إلى محاكمة علنية، نكون أمام ظاهرة تتجاوز النقد إلى ما يشبه إعادة تشكيل الوعي عبر الصراع الداخلي.

المرأة الكوردية، التي كانت عبر التاريخ أحد أعمدة الهوية الكوردستانية، لم تكن يومًا هدفًا للطعن بهذا الشكل، حتى في أحلك مراحل الانقسام. أما اليوم، فإن دفعها إلى واجهة الصراع وتحويلها إلى مادة للاستقطاب، ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشرًا على خلل أعمق في بنية الخطاب العام، وربما على نمطٍ يُدار ويُستثمر أكثر مما يبدو.

ما يجري ليس صدفة، بل يأخذ شكل نمطٍ متكرر، أسماء تُدفع إلى الواجهة، وشخصيات تُنتقى للطعن في وطنيتها، وغالبًا ما تكون، في مفارقةٍ صارخة، من أنقى الشخصيات وأكثرها التزامًا بالروح الكوردستانية. ولتأجيج الفعل وردّ الفعل، تُستحضر رموز عليا، كالقائد عبد الله أوجلان، وقد تُستدعى رموز أخرى، لا دفاعًا عنها، بل لتحويلها إلى أدوات اشتباك داخلي تُلهب الشارع الكوردي وتستنزفه في معارك جانبية، فيما تتراجع القضية أمام أعين أبنائها.

في كل معركةٍ داخلية يخوضها الكورد، لا يربح أحد منهم، بل يربح من وسّع الشرخ بينهم. فليس الخطر في الخلاف، بل فيمن يصنعه ويغذّيه ويجني ثماره.

الأخطر أننا أمام انزياحٍ مقلق يضرب في عمق البنية الأخلاقية للمجتمع الكوردي. فالثقافة الكوردية، على امتداد تاريخها، لم تعرف الطعن بالمرأة، ولم تجعل منها ساحة لتصفية الحسابات، مهما اشتدت الصراعات. أما اليوم، فقد تجاوز الهجوم حدود السياسة إلى الإعلام والمجتمع والثقافة، في محاولة لتشويه صورة المرأة الكوردية، وبالتالي ضرب أحد أعمدة الهوية الكوردستانية.

ولا يدرك كثيرون أن هذا النمط من الصراع، سواء كان مقصودًا بالكامل أو مُستثمرًا بذكاء، يعمل وفق آلية واحدة: تحويل الفعل وردّ الفعل إلى منشارٍ ينهش في الجسد الكوردي من الطرفين. فالدفاع المنفلت، كما الهجوم المنفلت، يقودان إلى النتيجة ذاتها، إضعاف الرموز، وتشويه الشخصيات، وضرب الثقة الداخلية.

ومن يدافع عن القائد عبد الله أوجلان بأسلوب انفعالي غير محسوب، قد يسيء إليه بقدر ما يسيء إلى من يهاجمها. كما أن شخصيات إعلامية مثل سريا حسين، التي تحظى بتقدير واسع لدى شريحة كبيرة من الكورد لما قدمته من دفاع صلب عن روجآفا والحراك الكوردستاني، ولما عُرفت به من لغة كوردية نقية ومواقف وطنية واضحة، لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة اشتباك تُدار فيها الصراعات بدل أن تُناقش فيها الأفكار.

كان يمكن لأي إشكال أن يُعالج بهدوء، وبحوار مسؤول، دون هذا الضجيج المفتعل، ودون توسيع شرخ الخلاف داخل المجتمع. لكن المؤسف أن من يحرّك هذه الديناميكيات، أو يستفيد منها، يعرف تمامًا أين يطرق، وكيف يُحدث الصدى، ومتى يطلق الشرارة.

 

فهل اهتزت مكانة القائد عبد الله أوجلان فعلًا؟ أم أن ردود الفعل غير المحسوبة أساءت إليه أكثر مما دافعت عنه؟ أم أن الضجة برمتها لم تكن سوى ضربةٍ للوعي الكوردي، أصابت المجتمع والقضية معًا في صميمهما؟

الحقيقة أن الوسط الكوردي، في عمقه الاجتماعي، بريء من هذا المسار. فما يحدث لا يعكس طبيعته، حتى وإن ظهر بأسماء كوردية وتلقفته بعض المنصات. فهناك من يدرك نقاط الضعف، ويعرف كيف يبث سمومه، وكيف يخلق بيئة مناسبة لانتشارها، مستفيدًا من تراكمات سابقة ومن أدوات إعلامية حديثة.

لقد بات واضحًا أن منصات ظاهرها كوردستاني وباطنها تفكيكي تعمل على استهداف الرموز الكوردية دون استثناء، من السياسية إلى الإعلامية، ومن الثقافية إلى الدينية، عبر خلق ذرائع مصطنعة لتبرير حملات التشويه. الهدف ليس النقد، بل تفكيك النسيج الكوردي من الداخل، وتوسيع الشرخ الذي بدأ يتعمق في السنوات الأخيرة.

ويأتي ذلك في لحظة حساسة، حيث بدأت القضية الكوردية تعود إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي كعامل توازن استراتيجي. وفي مثل هذه اللحظات تحديدًا، تتكثف محاولات التفكيك الداخلي، وتُفعّل أدواتها، وتُطلق منصاتها، لمنع تحوّل هذه اللحظة إلى فرصة.

ما يحدث ليس خلافًا، بل معركة على وعي الكورد؛ وقد حذّرتُ من هذا المسار قبل أسابيع في مقالين متتاليين، منذ لحظة استهداف السيدة ليلى زانا، حين كان الخطر لا يزال في بداياته.

فكل طعنة في الجسد الكوردي ليست عشوائية، بل تُصيب المجتمع قبل الفرد، وتستهدف القضية قبل الأشخاص.

أخطر ما في هذه المعركة أنها تُخاض داخلنا، ونحن نظن أننا ندافع عن أنفسنا.

ومن لا يدرك ذلك، قد يجد نفسه، دون أن يشعر، جزءًا من الأداة التي تُستخدم ضد شعبه.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

4/4/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف أثارت حادثة قيام أحد الأشخاص برمي العِقال على الأرض ردود فعل غاضبة لدى الكثيرين من العرب والكرد ، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى المكانة الرمزية التي يحتلها العِقال في الوجدان الاجتماعي والثقافي لدى قطاعات واسعة من العرب والكرد معا . فالرموز ليست مجرد أشياء مادية، بل تحمل في طياتها معاني الانتماء والذاكرة والكرامة والتاريخ. غير…

فراس حج محمد| فلسطين في واحد من المراسلات بيني وبين الدكتور أحمد نسيم البرقاوي على إثر مقال نقديّ أعجب به، يرسل لي هذه الرسالة: “صديقي فراس العزيز: قرأت بمتعة كبيرة مقالتك الرائعة جداً، ونقدك العميق، وعندي بأن مصطلحك: التفخيم النقدي مصطلح يجب أن يدخل التداول في النقد، لأن التفخيم النقدي ليس سوى نوع من الكتابة هدفها التبرج بمنقود ذي شهرة،…

صلاح بدرالدين من الطبيعي تخليد العظماء لدى أي شعب ، واطلاق أسمائهم على مؤسسات سيادية ، وصروح علمية ، وتاريخية ، واجتماعية ، اما أن يصل الامر الى استخدام تلك الأسماء في مواقع ذات رمزية دينية في مجتمعات متعددة الأديان والمذاهب ولاتخلو من الحساسيات ، فمسألة فيها نظر ، ومن هذا المنظور علينا تناول الموضوع الذي بين أيدينا حول قيام…

ولاتي مه – خاص: أعلن ثلاثة من أعضاء الهيئة القيادية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا انسحابهم من الحزب وإنهاء مهامهم التنظيمية، وذلك في بيان مشترك صدر اليوم الاثنين 29 حزيران/يونيو 2026، بعد ما وصفوه بـ”استنفاد جميع فرص الإصلاح الممكنة داخل الأطر التنظيمية القائمة”. ووقع البيان كل من الأستاذ مسلم شيخ حسن، والمهندس أحمد زيبار، والمهندس رزكار عارف حسو، الذين…