حين أصبحت معاداة الكرد ورقة سياسية احترقت

هجران قزانجي

بصفتي شخصا شارك بشكل فاعل في العمل السياسي العراقي المرتكز على القضية التركمانية منذ عام 1992، أؤمن بأن الشعبين الأكثر فهما لبعضهما البعض في العراق هما التركمان والكرد. فالتاريخ لم يجمعهما في صفحات مشتركة فحسب، بل صاغ بينهما تجربة طويلة من التعايش والتفاعل، ورسخت الجغرافيا هذا القرب، بينما عمقت التحديات والمحن المشتركة إدراك كل منهما لخصوصية الآخر. ولهذا نشأت بين الشعبين مساحة واسعة من الفهم المتبادل والثقة، لا تضاهيها العلاقة بين أي مكونين آخرين في العراق.

لكن، وللاسف، فقد تعرض هذا الرصيد التاريخي للتشويه والاستنزاف، لا بسبب خلافات جوهرية بين الشعبين، بل نتيجة حسابات ضيقة فرضتها المصالح الشخصية والمكاسب الفئوية. فمنذ عام 2003، اختار عدد من السياسيين التركمان، بدلا من الاستثمار في إرث التعايش والشراكة، تبني خطاب عدائي تجاه الكرد عبر وسائل الإعلام والمنابر السياسية، سعيا إلى كسب رضا دوائر محددة، وترسيخ مواقعهم داخل المعادلة السياسية. ولم يكن هذا الخطاب نابعا من قراءة واقعية لمصالح الشعب التركماني، بقدر ما كان وسيلة للهروب من الفشل، وإخفاء الأخطاء، والتغطية على ممارسات ارتقى بعضها إلى مستوى التفريط بالقضية التي يفترض بهم الدفاع عنها. فكلما اهتزت مكانة أحدهم، أو شعر بأن نفوذه السياسي بات مهددا، لجأ إلى تأجيج المشاعر القومية، وتصوير الكرد بوصفهم الخصم الدائم، ليحول أنظار الشارع عن مسؤوليته، ويعيد إنتاج نفسه سياسيا، حتى وإن كان الثمن تقويض العلاقة التاريخية بين الشعبين.

وفي تلك المرحلة، حين كان حزب العمال الكردستاني (PKK) مصنفا منظمة إرهابية، وكان عبد الله أوجلان يقدم في الخطاب الرسمي والإعلامي بوصفه زعيم التنظيم الإرهابي و”قاتل الأطفال”، وجد هؤلاء السياسيون في استثمار هذا المناخ فرصة سهلة لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية. فاستغلوا حساسية الملف لإثارة الرأي العام واستقطاب جزء من القاعدة الشعبية التركمانية، ليس دفاعا عن حقوق التركمان، وإنما لضمان استمرار نفوذهم، والحفاظ على امتيازاتهم، وتحصين أنفسهم من أي مساءلة عن الإخفاقات التي رافقت أداءهم طوال تلك السنوات. ومن سخرية القدر أن أكثر السياسيين التركمان تشددا في خطابهم العلني ضد الكرد، كانوا في الكواليس الأكثر حرصا على عقد الصفقات والتفاهمات مع السياسيين الكرد، بينما لم يكن خطابهم التصعيدي سوى وسيلة للاستهلاك الإعلامي وكسب الشارع.

واليوم، وفي وقت بدأت فيه الجمعية الوطنية الكبرى التركية مناقشة مشروع قانون يمهد لمرحلة جديدة خالية من الإرهاب في المنطقة، عقب إعلان حزب العمال الكردستاني (PKK) التخلي عن السلاح، لا يزال بعض السياسيين التركمان أسرى الأسلوب القديم نفسه. فينسق أحدهم مع صحفي لطرح أسئلة معدة سلفا، ثم يطلق إجابات استفزازية تستهدف إثارة الكرد العراقيين وتحريك حساسياتهم القومية، في مشهد مسرحي بات مكشوفا للجميع، ولم يعد ينطلي على أحد.

إن هذا الخطاب الذي كان يدر على أصحابه مكاسب سياسية في مرحلة سابقة، فقد اليوم مفعوله بالكامل. فلا هو يعيد إليهم شعبيتهم، ولا يحجب إخفاقاتهم، ولا يمنحهم شرعية جديدة. بل على العكس، أصبح يرتد عليهم، ويضعهم في مواقف محرجة، ويعمق الفجوة بين المكونات العراقية، والأخطر من ذلك أنه يلحق ضررا مباشرا بالمجتمع التركماني، الذي يدفع ثمن مغامرات سياسية لا تخدم مصالحه، بل تعزل قضيته، وتضعف حضوره، وتفقده فرص بناء علاقات متوازنة مع شركائه في الوطن.

لقد تغيرت الظروف، وتبدلت المعادلات، ولم يعد الخطاب القائم على صناعة الخصومات قادرا على إنتاج المكاسب التي كان يحققها في الماضي. وما يحتاجه التركمان اليوم ليس افتعال أزمات جديدة مع الكرد ولا مع العرب، وإنما مشروع سياسي مستقل، ورؤية وطنية واقعية، وقيادة تضع مصلحة الشعب فوق الحسابات الشخصية، وتدرك أن الشراكة الصادقة مع جميع مكونات العراق هي الطريق الأقصر لحماية الحقوق وترسيخ الحضور السياسي. فالسياسي الذي يعيش على صناعة الخصومات، يفقد مكانه بمجرد أن تبدأ مرحلة صناعة السلام.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

تصريح الناطقة باسم الهيئة المرحلية ” للحركة الوطنية الكردية “ عقدت الهيئة المرحلية ” للحركة الوطنية الكردية ” لقاءها الافتراضي الثاني عشر بعد المائة وبعد مناقشة بنود جدول العمل توصلت الى التصورات التالية : ١ – تزداد يوما بعد يوم مكانة سوريا الجديدة الإقليمية والدولية ، وتتعزز مكانتها في ترسيخ الامن والاستقرار ، ومواجهة الإرهاب ، وفي القيام بحكم الموقع…

د. فيسي داغ التحول الأيديولوجي الأخير لزعيم حزب العمال الكردستاني يلقي باللوم على إسرائيل في معاناة الكرد، رغم أن الأدلة التاريخية تشير إلى خلاف ذلك. شهدت السياسة الكردية تحولا دراماتيكيا منذ أن أطلقت تركيا ما سمته مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب» في تشرين الأول/أكتوبر 2024، من خلال الانخراط في حوار مع زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل عبد الله أوجلان. أوجلان،…

حسن قاسم لماذا يختار كثير من أبناء البلدان العربية والمجتمعات المتأزمة مغادرة أوطانهم، رغم ارتباط الإنسان الطبيعي بأرضه وذكرياته وأهله؟ هل الهجرة مجرد بحث عن الرزق، أم أنها في كثير من الأحيان تعبير عن رغبة أعمق في الهروب من واقع يشعر فيه الإنسان بأنه محاصر، ومحروم من أبسط شروط الحياة الكريمة؟ في بعض البلدان، يعيش الناس وسط أزمات متراكمة: اقتصاد…

اكرم حسين يُمثّل تعيين امرأة كمديرة لمنطقة القامشلي حدثاً فارقاً في التاريخ الإداري السوري، بوصفه المرة الأولى التي تتقلد فيها منصباً تنفيذياً سيادياً على المستوى المحلي منذ نشأة الدولة السورية . غير أن المفارقة الأعمق تكمن في هوية الجهة التي أقدمت على هذه الخطوة، إذ صدر القرار عن حكومة توصف بالمرجعية الإسلامية، في حين أن نظام الأسد البائد الذي…