حسن قاسم
لماذا يختار كثير من أبناء البلدان العربية والمجتمعات المتأزمة مغادرة أوطانهم، رغم ارتباط الإنسان الطبيعي بأرضه وذكرياته وأهله؟ هل الهجرة مجرد بحث عن الرزق، أم أنها في كثير من الأحيان تعبير عن رغبة أعمق في الهروب من واقع يشعر فيه الإنسان بأنه محاصر، ومحروم من أبسط شروط الحياة الكريمة؟
في بعض البلدان، يعيش الناس وسط أزمات متراكمة: اقتصاد هش، ومؤسسات ضعيفة، وفساد مستشرٍ، وأنظمة سياسية لا تتيح مساحة كافية للحرية والمشاركة، إلى جانب حضور قوي للخرافة والشعوذة وتفسيرات غيبية تُقدَّم أحيانًا على أنها بدائل عن التفكير العلمي والعقل النقدي. وفي مثل هذه البيئات، يجد الشاب نفسه أمام مستقبل غامض، وفرص محدودة، ومجتمع يطلب منه أن يتكيف مع الواقع بدل أن يسعى إلى تغييره.
وتزداد المشكلة حين تتحول بعض القراءات الانتقائية للتاريخ والتراث إلى وسيلة لتبرير الحاضر. فبدل أن ننظر إلى الماضي بعين نقدية، ونميز بين ما يستحق الاعتزاز وما ينبغي تجاوزه، يجري أحيانًا تقديم تاريخنا بوصفه سلسلة متواصلة من الأمجاد، بينما تُهمَل صفحات العنف والصراعات والاستبداد والتمييز. إن احترام التاريخ لا يعني تقديسه، والحفاظ على الهوية لا يعني إغلاق باب النقد.
ولعل وضع المرأة يكشف جانبًا واضحًا من هذه التناقضات. ففي مجتمعات ما زالت تُعامل فيها المرأة أحيانًا باعتبارها أقل استقلالًا أو قدرة على اتخاذ القرار، يصبح الحديث عن التقدم ناقصًا ما لم يقترن بتحرير الإنسان، رجلًا كان أم امرأة، من كل أشكال الوصاية والتمييز. فلا يمكن بناء مجتمع حديث إذا كان نصفه محرومًا من كامل حقوقه الإنسانية والاجتماعية.
ثم يأتي الاستبداد السياسي ليزيد الأزمة عمقًا. فعندما تغيب حرية التعبير، وتضعف سيادة القانون، وتصبح المؤسسات خاضعة للنفوذ السياسي أو الشخصي، ويشعر المواطن أن صوته لا قيمة له، فإن الوطن يتحول في نظر كثيرين من مساحة للانتماء إلى مساحة للخوف والعجز.
أما الفساد، فهو الوجه الآخر لهذه المعاناة. حين تصبح المحسوبية أقوى من الكفاءة، والعلاقات أقوى من القانون، والثروة والنفوذ طريقًا إلى الفرص، يفقد الإنسان الثقة في مؤسسات بلده وفي إمكانية بناء مستقبل عادل داخله. عندها لا يعود قرار الهجرة مجرد بحث عن راتب أفضل، بل يصبح بحثًا عن نظام يحترم الإنسان وحقوقه ووقته وكرامته.
ولهذا تبدو بلدان الغرب، بالنسبة إلى كثير من المهاجرين، أكثر من مجرد وجهة اقتصادية. إنها تمثل بالنسبة إليهم فرصة لاختبار معنى آخر للمواطنة: حرية أكبر في التعبير، ومؤسسات أكثر استقرارًا، وقوانين تحمي الحقوق، ومساحات أوسع للاختيار الفردي، وإمكانية أن يعيش الإنسان حياته بعيدًا عن الخوف والرقابة الاجتماعية والسياسية.
لكن الهجرة ليست جنة بلا عيوب، والغرب ليس مجتمعًا مثاليًا خاليًا من التمييز أو الأزمات أو الظلم. فالمهاجر قد يواجه الغربة، والعزلة، وصعوبة الاندماج، والحنين إلى الوطن، وربما أشكالًا من العنصرية أو التمييز. ومع ذلك، فإن الفارق الجوهري بالنسبة إلى كثير من الناس يكمن في وجود مؤسسات وآليات قانونية تسمح لهم بالمطالبة بحقوقهم ومواجهة الأخطاء بدل الاستسلام لها.
إن السؤال الحقيقي، إذن، ليس: لماذا يكره أبناؤنا أوطانهم؟
بل: لماذا أصبح الوطن عاجزًا عن إقناع أبنائه بالبقاء؟
الهجرة ليست دائمًا خيانة للوطن، كما أنها ليست دائمًا انتصارًا للمهاجر. وفي كثير من الحالات، هي رسالة احتجاج صامتة تقول إن الإنسان يريد أن يعيش في مكان يشعر فيه بأن كرامته مصانة، وعقله محترم، وحريته حقيقية، ومستقبله ممكن.
الوطن الذي يريد أبناءه أن يبقوا فيه لا يستطيع أن يطلب منهم التضحية إلى ما لا نهاية، بل عليه أن يمنحهم أسبابًا حقيقية للبقاء: دولة قانون، وتعليمًا جيدًا، واقتصادًا منتجًا، وعدالة اجتماعية، وحرية مسؤولة، ومؤسسات نزيهة، واحترامًا كاملًا للإنسان.
فحين يجد الإنسان في وطنه الحرية والكرامة والعدالة والأمل، يصبح البقاء اختيارًا.
أما حين يفقد هذه الأشياء كلها، فلا ينبغي أن نتساءل باستغراب: لماذا رحل؟ بل علينا أن نسأل بصدق: ماذا فعلنا لكي يبقى؟