امرأة على رأس منطقة القامشلي: قراءة في دلالات التعيين وانعكاساته

اكرم حسين 
يُمثّل تعيين امرأة كمديرة لمنطقة القامشلي حدثاً فارقاً في التاريخ الإداري السوري، بوصفه المرة الأولى التي تتقلد فيها منصباً تنفيذياً سيادياً على المستوى المحلي منذ نشأة الدولة السورية . غير أن المفارقة الأعمق تكمن في هوية الجهة التي أقدمت على هذه الخطوة، إذ صدر القرار عن حكومة توصف بالمرجعية الإسلامية، في حين أن نظام الأسد البائد الذي ظل لعقود يتبنى العلمانية شعاراً سياسياً وراسخاً أيديولوجياً، لم يبادر إلى تماثل هذه الخطوة، الأمر الذي يطرح إشكالية جوهرية تتصل بعلاقة الأنظمة السياسية بمبدأ التمكين النسائي، وبمدى قدرة الخطاب الأيديولوجي على تجسيد ذاته في الممارسة المؤسسية.
منذ خمسين عاماً، راهن نظام الأسد على خطاب علماني قومي جعل من المرأة محوراً أساسياً في ديكوره السياسي والإعلامي، غير أن هذا الخطاب لم يرقَ إلى مستوى منحها مفاتيح القرارالتنفيذي الفعلي، إذ ظلت النساء محصورات في مناصب استشارية أو في حقائب وزارية نمطية كالثقافة والشؤون الاجتماعية ، بينما احتفظت مراكز القوة الحقيقية بالحكر الذكوري، بما يعكس انفصالاً بين الشعار والممارسة الإدارية ، وفي المقابل، جاء تعيين امرأة في منطقة القامشلي تحديداً، وهي المنطقة ذات التركيبة السكانية المتنوعة عرقياً ودينياً، ليشكل منعطفاً دلالياً متعدد الأبعاد، فهو أولاً اجتهاد سياسي جديد يفصل بين الإسلام بصفته منظومة قيم أخلاقية تدعو إلى العدل والكفاءة، وبين التفسيرات الفقهية الجامدة التي كانت تحظر تولي المرأة مناصب القيادة العامة، وهو ثانياً رسالة إلى الداخل السوري مفادها أن معيار الترشيح هو المواطنة والقدرة لا الجنس ولا الانتماء، وثالثاً إشارة إلى المجتمع الدولي بأن سوريا الجديدة تمارس تحديثاً مؤسسياً يختلف جوهرياً عن شكليات الماضي، ورابعاً اختبار عملي للجدية السياسية، إذ يراهن هذا القرار على أن تثبت المعنية جدارتها، فيصبح التعيين سابقة مؤسسية يصعب التراجع عنها لاحقاً.
لا يقتصر الأثر الإيجابي لهذا التعيين على المستوى الدلالي ، بل يمتد إلى انعكاسات اجتماعية وإدارية ملموسة، فهو من جهة يسهم في كسر القوالب النمطية السائدة في مجتمع شرقي لا يزال أبياً في بنيته الثقافية، مما يخلق نموذجاً يحتذى به ويعيد تشكيل الوعي الجماعي تجاه دور المرأة في الفضاء العام، ومن جهة أخرى يُتوقع أن تولي الإدارة النسائية أولوية خاصة للملفات التنموية المرتبطة بالأسرة والتعليم والصحة والخدمات ، مما قد ينعكس إيجاباً على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، فضلاً عن أن الإدارة النسائية تُقرن في التصورات الاجتماعية بقدر أكبر من النزاهة والابتعاد عن شبكات المحسوبية، وهو ما يمثل قيمة مضافة في سياق إداري يعاني من تراكمات الفساد، كما أن اختيار امرأة لإدارة منطقة تعد بوتقة تنوع طائفي وعرقي يحمل رسالة توازن ومواطنة تتجاوز منطق التمثيل الطائفي التقليدي، وبالتالي يعزز السلم الأهلي في واحدة من أكثر المناطق حساسية في سوريا.
غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً يظل مفتوحاً على احتمالات عدة: هل سيكون هذا القرار استثناء ظرفياً أم بداية سياسة منهجية تمتد إلى تعيين نساء في المحافظات والوزارات السيادية كالداخلية والمالية والدفاع؟ الإجابة عن هذا السؤال ستكون هي المعيار الحقيقي لتقييم جدية التحول، ذلك أن العبرة ليست في قرار واحد، مهما كان دلالياً، بل في قدرة المؤسسة على إعادة إنتاج هذا النموذج بوصفه ممارسة روتينية لا استثنائية.
في المحصلة، يمثل تعيين السيدة جيان هسام لحظة اختبار حقيقية، ليس فقط لقدرتها الشخصية على قيادة منطقة القامشلي، بل لإرادة الحكومة الجديدة في تحويل الخطاب السياسي إلى أفعال مؤسسية ملموسة، وما يثير الانتباه أن هذه اللحظة قد تحققت على يد حكومة ذات مرجعية إسلامية، في تناقض واضح مع مسار نظام علماني شكلي، مما يثبت مجدداً أن الفارق لا يكمن في ماهية الأيديولوجيا التي تتبناها الدولة، بل في مدى امتلاك النخبة الحاكمة للجرأة على كسر تابوهاتها، والمضي نحو ممارسة سياسية تتقدم على الخطاب، وهو ما يجعل من هذا التعيين  امتحاناً دقيقاً لإمكانية ولادة سوريا جديدة على أسس مغايرة لما عرفته لعقود.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان لا ينبغي اختزال مستقبل الكورد السوريين في السؤال المتعلق ببقاء قوة عسكرية أو اندماجها في مؤسسات الدولة. فالقضية الكوردية في سوريا أقدم من جميع التشكيلات العسكرية القائمة، وأعمق منها، لأنها في جوهرها قضية سياسية ودستورية تتعلق بالهوية والحقوق والمواطنة والشراكة في الدولة. ومن هذا المنطلق، فإن وجود الكورد السوريين داخل السلطة المركزية ومؤسسات الدولة، بوصفهم شركاء…

صلاح عمر سربست نبي ليس مجرد أستاذ جامعي أو كاتب كردي يختلف الناس حوله؛ إنه واحد من أولئك المثقفين الذين اختاروا أن يجعلوا من الكلمة مسؤولية، ومن الفكر موقفًا، ومن السؤال طريقًا إلى الحقيقة. ولهذا فإن ما يتعرض له اليوم من حملات إعلامية وتشويه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد خلاف شخصي أو سجال عابر، لأن القضية في جوهرها أكبر…

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   يبذل النظام الإيراني جهوداً متواصلة للحفاظ على شبكة وكلائه وحلفائه المسلحين في المنطقة، في وقت تبدو فيه البيئة الإقليمية والدولية أكثر تشدداً تجاه الدور الذي لعبته هذه الجماعات في زعزعة الاستقرار. فالإستراتيجية التي حكمت علاقة طهران بوكلائها خلال العقود الماضية لم تعد قابلة للاستمرار بالشكل نفسه، خصوصاً بعد…

نورالدين عمر تتجلى قيمة القيادة الحقيقية في القدرة على بناء التوافقات في اللحظات التاريخية الحرجة. وفي هذا السياق، يظل الجنرال مظلوم عبدي الشخصية الأكثر قبولاً واحتراماً بين الكرد في سوريا وروجافا، حتى لدى أشد المعارضين والمنتقدين لنهجه السياسي؛ إذ يعكس هذا القبول الضمني إدراكاً عاماً بفرادة دوره كرمز جامع يتجاوز الخلافات الحزبية والأيديولوجية الضيقة. وعلى عكس ما يروجه البعض،…