كوردستان في قلب المعادلة السورية.. دلالات زيارة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق

شريف علي

 

زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق بدعوة رسمية من رئيس السلطة الانتقالية في دمشق، شكلت صفعة سياسية موجّهة إلى كل من اعتاد النظر إلى إقليم كوردستان كفاعل هامشي في الملف السوري.

الإقليم يعلن — بلا مواربة — أنه يدخل إلى قلب اللعبة، وأنه لم يعد يقبل أن تصاغ ترتيبات المناطق الكوؤدستانية من دون حضوره، أو أن تُدار القضية الكوردية السورية من فوق رؤوس الكورد أنفسهم.

الزيارة جاءت في لحظة إقليمية مشتعلة،تركيا تواصل سياسة القضم العسكري، إيران تمد أذرعها في شرق سوريا، وواشنطن تتصرّف كقوة لا تعرف ماذا تريد. وسط هذا الفوضى، قرّر الإقليم أن يمدّ يده مباشرة إلى دمشق، لا ليعيد إنتاج الماضي، بل ليصنع معادلة جديدة، معادلة تقول إن استقرار كوردستان يبدأ من استقرار المناطق الكوردية في سوريا، وإن ترك الساحة الكوردية السورية نهباً للتجاذبات الإقليمية هو انتحار سياسي وأمني.

بهذا يمكن أن يقرأ في زيارة الرئيس بارزاني أن الإقليم يدخل إلى دمشق بثلاث رسائل واضحة

أولها إلى ،تركيا بأن كوردستان لن تبقى رهينة حسابات أنقرة، وأن أي ترتيبات تخص الشعب الكوردي في غرب كوردستان لن تُحسم من دون حضور أربيل ،والثانية إلى إيران بأ ن تمددها في غرب العراق و شرق سوريا لن يمر بلا توازن مضاد .أما الثالثة إلى واشنطن بأن الكورد لن يكونو جنودا تحت الطلب، وأن غياب الوضــوح الأميركي لا يعني غياب البدائل .

على المستوى الكوردي الداخلي، تحمل الزيارة نبرة حاسمة، الإقليم لم يعد مستعداً لمشاهدة الانقسام بين تيارالإدارة الذاتية وتيار المجلس الوطني الكوردي ، وهو يلتهم ما تبقى من الوزن السياسي للكورد في غرب كوردستان. فالإقليم يريد — وبشكل مباشر — إعادة فتح قنوات الحوار، وتخفيف الاحتقان، ودفع الطرفين نحو موقف كوردي موحّد يفرض نفسه على دمشق وعلى القوى الدولية .

أما دمشق، فهي تدرك أن الإقليم ليس مجرد ضيف سياسي، بل بوابة يمكن أن تعيد وصل ما انقطع بين الدولة السورية والشعب الكوردي، وتفتح مساراً جديداً يوازن بين ضرورات الأمن السوري وحقوق الشعب الكوردي. العلاقة بين الطرفين تتجه نحو صيغة مركبة، أمنية لضبط الحدود، سياسية لفتح باب التفاهم، واقتصادية لخلق مصالح مشتركة في الطاقة والتجارة والعبور.

الزيارة أيضاً اختبار لميزان القوى الدولي  . إذ أن روسيا ترى فيها فرصة لإعادة إدماج الكورد في الحل السياسي، بينما تركيا تراها تهديداً مباشراً، وإيران تقرأها كخطوة تعيد توزيع النفوذ في شرق سوريا. أما واشنطن، فتبدو كمن يشاهد المشهد من بعيد، تاركة فراغاً يملؤه الآخرون .

في جوهرها، الزيارة تقول شيئاً واحداً ..إقليم كوردستان لم يعد يقبل أن يكون متلقياً للنتائج، بل يريد أن يكون صانعاً لها.

وإذا نجح الإقليم في تحويل هذا الانخراط إلى سياسة مستدامة، فسيصبح لاعباً لا يمكن تجاوزه في مستقبل سوريا، وسيمنح الكورد غرب كوردستان وسوريا  فرصة تاريخية لإعادة بناء موقعهم داخل الدولة السورية أما إذا تعثّر، فستعود الساحة إلى منطق الاستقطاب الذي يضعف الجميع وقد يهدد أمن الإقليم نفسه .

==========الحسكة – 4 آب 2026 ===========

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عمر كوجري ساعة و 13 دقيقة حاولت متابعة حوار السيد سيبان حمو كاملاً دون اجتزاء.. وقرأت الكثير من متابعات وكتابات الصديقات والأصدقاء عن الحوار الذي أجري معه من قبل الإعلامية ديمة ونوس لصالح منصات ( الشرق بودكاست) مثل العديد من الأصدقاء لم أتفاجأ بالمستوى الضعيف للرجل في التحليل، مع انه كما قال خريج (تاريخ الاديان) حينما كان مسجوناً في تركيا..لغة…

سعيد يوسف   نشر موقع ولاته مى مقالاً للدكتور. محمود عباس وعلى قسمين بتاريخ 22/7/2026 تحت عنوان : “لماذا خسرنا مكتسبات غربيّ كوردستان” “أخفقت الإدارة الذاتية في بناء الدولة، وأخفقنا في حماية التجربة”. بداية لا بد لي من أن أثمّن الدور التنويري الذي يقوم به الدكتور محمود عباس في خدمة الثقافة الكوردية، بشكل مستمر ودون كلل أوملل متمنياً له…

صلاح بدرالدين المسؤولون برئاسة الإقليم ، والحكومة ، والمؤسسات الأخرى المدنية ، والعسكرية ، والأمنية ، والحزبية ، ومنذ اعلان الفيدرالية ، بعد انتخابات المجلس الوطني – البرلمان – عام ١٩٩٢ ، وحتى الان لم يتوقفوا عن الانفتاح على العالم الخارجي ، وبناء العلاقات الدبلوماسية ، والاقتصادية ليس انطلاقا من بنود الدستور العراقي فحسب بل من خصوصية فيدراليتهم الشبيهة بالكونفدرالية…

محي الدين حاجي في عتمة الغرف الطينية السرية وبعيداً عن عيون الأجهزة الأمنية، كان صوت دوران الالة الكاتبة أشبه بدمدمة ثورية خافتة. لم تكن تلك الآلات البدائية تطبع منشورات عادية، بل كانت تصوغ باللغتين الكردية والعربية ملامح الوعي السياسي لحركة ولدت في السر، وعاشت على وقع الأزمات.منذ التأسيس الأول للحركة الكردية عام 1957 وحتى مطلع الثمانينيات، لم تكن الصحافة الحزبية…