في عتمة الغرف الطينية السرية وبعيداً عن عيون الأجهزة الأمنية، كان صوت دوران الالة الكاتبة أشبه بدمدمة ثورية خافتة. لم تكن تلك الآلات البدائية تطبع منشورات عادية، بل كانت تصوغ باللغتين الكردية والعربية ملامح الوعي السياسي لحركة ولدت في السر، وعاشت على وقع الأزمات.منذ التأسيس الأول للحركة الكردية عام 1957 وحتى مطلع الثمانينيات، لم تكن الصحافة الحزبية مجرد وسيلة إعلامية؛ بل كانت الراية التي تثبت شرعية الوجود، وسلاح المعركة الأيديولوجي الأبرز. فما إن ينشق تيار أو يولد فصيل، حتى يتشكل معه منبر صحفي جديد، أو يشتعل صراع مرير للسيطرة على إرث وحبر التسميات القديمة.
في 14 حزيران (يونيو) 1957، أبصر “الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي) النور كأول تنظيم سياسي كردي منظم في البلاد، بقيادة نخبة وطنية. بعد عامين من العمل التنظيمي الصامت، ففي عام 1959، صدر العدد الأول من جريدة “صوت الأكراد” (Dengê Kurd) لتبدأ رحلة الصحافة السرية. لكن سنوات البدايات المستقرة لم تدم؛ ففي 5 آب (أغسطس) 1965، ضرب الحزب أول انشقاق فكري وتنظيمي عميق حول أساليب المطالبة بالحقوق وسقف العمل السياسي، لينقسم الحزب طولياً إلى جناحين:
جناح اليمين (المصطلح الشعبي ) بقيادة عبد الحميد درويش. ولإنهاء التداخل والصراع على الاسم التاريخي، قرر هذا الجناح في آب (أغسطس) 1966 حسم أمره وإصدار جريدته الرسمية تحت اسم “الديمقراطي”. بنفس اسم الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا. وفي مؤتمره الرابع المنعقد في تشرين الثاني (نوفمبر) 1977، أقر لملمة صفوفه وتثبيت أوراقه التنظيمية رسمياً والنهائية لحزبه فقام بتغير اسم الحزب إلى الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا وذلك لإزالة صفة اليمين المتعارف عليه، مواصلاً إصدار جريدته الرسمية المعتمدة “الديمقراطي”.
وجناح اليسار( المصطلح الشعبي ) بقيادة عثمان صبري. تمسك هذا الجناح بما اعتبره الشرعية التاريخية، مواصلاً إصدار جريدة “صوت الأكراد” (Dengê Kurd (
وبين الجناحين تشكل تيار الحياد (كتلة المعارضة) الذي رفض الانقسام وحاول المصالحة بينهما وفي محاولة لإنقاص حدة الصراع بين اليمين واليسار، بادر الزعيم الملا مصطفى بارزاني برعاية مؤتمر “ناوبردان” في كردستان العراق في آب (أغسطس) 1970 بغية توحيد الطرفين. ومع فشل مساعي التوحيد، التفّت كوادر المنسحبين إثر الخلافات والمستقلين لتأسيس تيار ثالث عُرف بـ “كتلة الحياد”. تكرس هذا التيار كفصيل مستقل تماماً في مؤتمر بامرني بكردستان العراق في تشرين الأول (أكتوبر) 1972 تحت اسم الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي)، واختير دهام ميرو سكرتيراً عاماً له، وأصدر الحزب الجديد جريدة “صوت الأكراد” (Dengê Kurd). لكن الأمن السوري بادر في صيف 1973 إلى اعتقال السكرتير دهام ميرو ومعظم أعضاء قيادته بسبب التنديد بالمشروع الحزام العربي، مما أدخل الحزب في شلل شبه كامل. ومن رحم هذا الفراغ التنظيمي، انشق القيادي محمد باقي ملا محمود(شيخ باقي ) ليؤسس في 15 حزيران (يونيو) 1974 تنظيماً مستقلاً عُرف محلياً وشعبياً (الحزب الديمقراطي الكردي السوري)، وأطلق جريدته الرسمية باللغة العربية تحت اسم “النضال” لتمييز كتلته سياسياً . وفي عام 1980 و أثر خلافات تنظيمية وتدخلات خارجية قاده شيخ الي من عفرين بإصدار بيان من خلال تمثيله للحزب في بيروت بالتهجم على سياسة الحزب بعلاقاته الكردستانية (كردستان العراق) ادى الى انشقاق داخل الحزب باسم حزب العمل الديمقراطي الكردي في سوريا بقيادة شيخ الي واغلبية منظمة عفرين وجريدة باسم (العمل).
أما جناح اليسار فقد استقال اوصمان صبري و تزعمه صلاح بدر الدين. وفي كونفرنس تشرين الأول 1972، قرر هذا الجناح الانعطاف كلياً نحو الماركسية-اللينينية وتغيير صفته التنظيمية من الحزب الديمقراطي الكردي إلى “منظمة البارتي الديمقراطي الكردي اليساري في سوريا” تطلب هذا التغيير الجذري هوية إعلامية جديدة؛ وفي المؤتمر الرابع للحزب 1 كانون الثاني (يناير) 1975، تقرر الاستغناء عن اسم جريدة “صوت الأكراد” ، ليصدر بدلاً منها جريدة “طريق الشعب” (Riya Gel)، بجهد وقيادة مشتركة ضم صلاح بدر الدين، ويوسف ديبو، وعصمت سيدا.
لم يمضِ العام على هذا الاندماج الإعلامي والفكري حتى عصفت الخلافات بـ “المنظمة”. ففي تشرين الأول (أكتوبر) 1975، أعلنت قيادات في المنظمة برئاسة يوسف ديبو وعصمت سيدا احتجاجاً وتمرداً داخلياً وتدخلات كردية خارجية ضد صلاح بدر الدين. تكرس الانشقاق علناً. وأعلنوا في مؤتمرهم في تموز (يوليو) 1976 تأسيس الحزب اليساري الكردي في سوريا، وتمسكوا بإصدار جريدة “طريق الشعب” (Riya Gel) كإرث شرعي لمؤتمر 1975.ولكن صلاح بدر الدين استمر بمنظمة البارتي اليساري مصدراً جريدته المركزية “طريق الشعب” (Riya Gel). بات للشارع الكردي جريدتان مختلفتان مضموناً، ومتطابقتان ترويسةً واسماً. وفي بداية 1982 انشق مجموعة عن الحزب اليساري باسم حزب الشغيلة الكردية بزعامة صبغت سيدا.
في غمرة هذه الاحداث، ومع تواصل النزاعات الفكرية شهد عام 1979 انشقاقاً جديداً قاده صالح كدو معترضاً على السياسات العامة للقيادة، ليؤسس تنظيماً مستقلاً حمل اسم الحزب الاشتراكي الكردي في سوريا، وأطلق جريدته الرسمية “الاشتراكي” (Sosyalıst) متبنياً الاشتراكية الديمقراطية.
أمام تآكل القوة التنظيمية وعقب الانشقاقات المتلاحقة داخل الحركة وتأسيس كتل وأحزاب جديدة، وتجنباً لاستمرار عبثية الازدواجية الإعلامية، قرر منظمة البارتي اليساري (صلاح بدر الدين). في آب (أغسطس) 1980، عقد مؤتمره وتم فيه تغير اسم المنظمة الى حزب الاتحاد الشعبي الكردي في سوريا، وتغيير ترويسة الصحافة رسمياً لتصبح جريدة “اتحاد الشعب” (Hevgirtin Gel). بذلك التحول انفض صراع الشرعية التاريخي على جريدة “طريق الشعب” (Riya Gel)، لتنفرد بها رسمياً الحزب اليساري الكردي (عصمت سيدا ويوسف ديبو) وقبل أن تسدل تلك الحقبة الحافلة فصولها، وفي تشرين الأول أكتوبر 1981 بادر نجم الدين ملا عمر بتأسيس الحزب الشيوعي الكردستاني -سوريا (KKP)، ليعبّر عن صوته الجديد عبر جريدة “الأذادي” (Azadı).
سجل الحبر المطارد تطوى السنون وتتبدل مسميات الأحزاب والقيادات، لكن الأرشيف السري لتلك الصحافة يظل السجل الحي الأكثر صدقاً لملامح مخاض الحركة السياسية الكردية في سوريا. فمن “صوت الأكراد” إلى “طريق الشعب الى اتحاد الشعب “، ومن “الاشتراكي” إلى “الديمقراطي والنضال” و”الأذادي”، لم تكن تلك المطبوعات صفحات ورقية عابرة؛ بل كانت لمعركة داخل المجتمع الكردي. وقيادات حاول السيطرة على المجتمع عن طريق السياسة للمطالبة بالحقوق القومية للشعب الكردي حسب نظرة كل حزب وبرنامجه والرحمة على الرعيل الأول وطول البقاء للأستاذ صلاح بدرالدين الشاهد الحي وربما الوحيد من القيادات المتبقية من تلك الفترة.