قراءة سريعة في مقال د. محمود عباس

سعيد يوسف

 

نشر موقع ولاته مى مقالاً للدكتور. محمود عباس وعلى قسمين بتاريخ 22/7/2026 تحت عنوان :

“لماذا خسرنا مكتسبات غربيّ كوردستان”

“أخفقت الإدارة الذاتية في بناء الدولة، وأخفقنا في حماية التجربة”.

بداية لا بد لي من أن أثمّن الدور التنويري الذي يقوم به الدكتور محمود عباس في خدمة الثقافة الكوردية، بشكل مستمر ودون كلل أوملل متمنياً له التوفيق والعطاء الدائم.

حقيقة العنوان إشكالي لماذا خسرنا! لماذا أخفقت الإدارة ! سؤال كبير جدّاً والإجابة طويلة أيضاً !! أما الشطر الثاني (وأخفقنا) هذه ال “نا” أيضاً ، نا الدالة على الجماعة التي تحمّل الجماعة/ المجتمع إن صح التعبير، مسؤولية الإخفاق هذا التعميم يمنح البعض شعورا بالرضا لأنه يضيف شركاء آخرين للقائمة ويحمّل الجميع جزءا من مسؤوليه ما حدث.

في القسم الأول من المقال تناول الدكتور محمود جملة العوامل الداخلية والخارجية التي أسهمت في إخفاق التجربة، وفي القسم الثاني قدّم مقترح بناء هيكل سياسي كمرجعية سياسية كبرى تدافع عن حقوق الشعب الكوردي في المحافل الدولية.

أعود للقسم الأول يقول د. محمود : “خسارة المكتسبات التي حققها الشعب الكوردي في غربي كوردستان مؤلمة”

هي فعلاً مؤلمة وأكثر من مؤلمة، لا بل كانت خسارة كارثية وتحتاج إلى دراسات ومراجعات عميقة كي نقف على أسباب الخسارة الكبرى والهزيمة النكراء التي ما بعدها هزيمة، جيش قوامه مائة ألف مقاتل وإدارة/ تملك مؤسسات دولة لم تصمد أربع وعشرين ساعة، وإذا بنا جميعاً أمام إعلان النفير العام!! يا للهول.

أعادتني تلك الخسارة الكارثية والمخزية إلى ذكرى ذلك اليوم 19/1/2026 وقبله وبعده؛ حيث البرد القارس، والثلوج تغطي سهول الجزيرة بحلة بيضاء؛ هجر فيه السكان بيوتهم متوجهين نحو الشمال، فيما توجهنا نحن إلى مدينة الدرباسية هرباً من تهديد على مشارف مدينة الحسكة إلى المكان الذي افترضنا أن التهديد فيه مؤجل قليلاً فيما تحديد المصير كان مجهولاً، كان الجميع في حالة نفسية مشتتة يائسة، وشعور بالإحباط والإنكسار والقلق. نتابع الأخبار ونضع احتمالات متعددة للمصير الذي ينتظرنا.

أعود إلى خسارة المكتسبات، لأقول: ليس الشعب الكوردي هو الذي حقق المكتسبات، حتى يخسرها، ولو قيّمناها علمياً ومنطقياً لبدت المكتسبات هزيلة تكاد لا تستحق الذكر، أمام الأمكانيات المادية والمعنوية الكبيرة المتاحة، إنما كانت المكتسبات تخص جهة سياسية بعينها ولا يد للشعب في تحقيقها، لقد كانت بحق ّ مكتسبات أيديولوجية سياسية فقط، وكانت كل المؤسسات والهيئات والدوائر السياسية والعسكرية تعمل تحت مظلة تلك الأيديولوجيا، حتى الجامعة التي يفترض أنها منبر ثقافي حر، كانت هي الأخرى جزءا من أيديولوجيا الأمة الديمقراطية، التي تقدّم هوية بديلة عن الهويات القومية، ولذلك أكرّر أن الأيديولوجيا هي التي خسرت الرهان وليس الشعب.

لم يكن مصطلح حقوق الشعب الكوردي حاضرا في الخطاب السياسي لمشروع الأمة الديمقراطية، لأنّ استخدام هذا المصطلح هو خروج عن النسق المفاهيمي السياسي والاجتماعي لفلسفة أخوة الشعوب، ويمثل انزلاقاً سياسيا للدخول في فكر قومي تناهضه أيديولوجيا أخوة الشعوب، ويتناقض مع مشروع هوية الأمة الديمقراطية التي تسعى إليها السلطة الحاكمة.

المكسب الكبير لفئات عريضة من الشعب هو التوظيف الذي وفّر دخلاً لإعانة الأسر رغم قلته، ولكنه كان مشروطا أيضاً بالتصفيق والمهرجانات والمسيرات، كنموذج دولة البعث البائدة.

مكسب آخر مهم جدّاً وأراه استحق ويستحق التقدير ألا وهو انتشار تعليم اللغة الكوردية بين فئات واسعة من شرائح المجتمع طلاباً وغير طلاب، وما عدا ذلك كانت الإجراءات تفرضها طبيعة الحياة الاجتماعية، من أمن وحلّ مشاكل المجتمع كالخصومات بين المواطنين وأمور الصحة وغيرها والتي كانت ضمن الحدود الدنيا، وتخضع لأمزجة وأوامر شخصيات خفية، تعمل من وراء الكواليس تحرك الموظفين دون وجود قواعد وقوانين ناظمة للعمل، ولهذه الأسباب وأسباب أخرى كثيرة قلت أن المكاسب كانت سياسية حزبية أيديولوجية ضيقة، ولم تكن مكاسب من إنجازات المواطنين، ولهذا السبب وأسباب أخرى أيضاً انهارت  سريعا رغم قلتها، وانهارت معها الحوكمة الذاتية الهشّة بالأساس كونها لم تكسب ثقة المجتمع لأنها لم تقدم شيئا ملموسا يفرض حضوره. لأذكر مثالاً حال الطرقات بين المدن الكبرى

الملاحظة الثانية والمهمة أيضاً أن الدكتور محمود استعمل إلى حدّ ما قاعدة المتوسط الحسابي بشأن توزيع مسؤولية الفشل والانهيار، بحيث أنه حمّل جميع الأطراف الداخلية منها والخارجية قَدًراً شبه متساوٍ من مسؤولية الفشل.

إنّ توزيع عبء الأخطاء والفشل الذريع على جهات متعددة، وبشكل متساوٍ هو ليس إلا منح صك براءة للمخطىء والمذنب الأكبر، ومساواة بين الضحية والجزار وبهذا الشكل يتم تمويه الحقيقة، وتقديم صورة تاريخية باهتة للأجيال القادمة عن تاريخ مرحلة استثنائية قد لا تتكرر للكورد في روژ آڤا أو كما سُميت بشمال شرق سوريا في الخطاب السياسي للإدارة الذاتية.

إنّ التاريخ العاصف المذكور، ينبغي الحفر فيه بدقة وحذر وتقديم صورة دقيقة حول ما جرى منذ التأسيس للإدارة الذاتية وحتى المرحلة الأخيرة منها المتمثلة بمرحلة الاندماج الديمقراطي بصورة شفافة لا ضبابية ولا تعتيم فيها، وبشكل موضوعي وعلمي بمنأى عن كيل الاتهامات وقذف عبارات الشتم والتخوين.

أسهب د. محمود في عرض جملة من العوامل الداخلية التي أدت لسقوط الإدارة منها وربما أبرزها هو الاستفراد في اتخاذ القرارات والاستبداد في تنفيذها واحيانا كثيرة بسلطة مباشرة من أشخاص غير متخصصين في مسائل وشؤون علمية أو هندسية وتقنية. أما بالنسبة للعوامل الخارجية فهي كما أوضح متعلقة بمصالح دول الجوار الإقليمية والمصالح الدولية.

بالنسبة للمرجعية التي ذكرها الدكتور محمود، هو مقترح جيد، إذا تمّ التوافق عليه وفق نظام داخلي ينظم العلاقات بين جميع أعضائه، إلى جانب توزيع المهام والمسؤوليات بينهم؛ في هيكلية هيئة أو مجلس استراتيجي كوردستاني مستقل. يبقى الأهم هو أداء المرجعية الوطنية أو المجلس والتوافق بين أعضائه

المقال ثري وغني بالأفكار والمعلومات يستحق القراءة والاطلاع.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عمر كوجري ساعة و 13 دقيقة حاولت متابعة حوار السيد سيبان حمو كاملاً دون اجتزاء.. وقرأت الكثير من متابعات وكتابات الصديقات والأصدقاء عن الحوار الذي أجري معه من قبل الإعلامية ديمة ونوس لصالح منصات ( الشرق بودكاست) مثل العديد من الأصدقاء لم أتفاجأ بالمستوى الضعيف للرجل في التحليل، مع انه كما قال خريج (تاريخ الاديان) حينما كان مسجوناً في تركيا..لغة…

شريف علي   زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق بدعوة رسمية من رئيس السلطة الانتقالية في دمشق، شكلت صفعة سياسية موجّهة إلى كل من اعتاد النظر إلى إقليم كوردستان كفاعل هامشي في الملف السوري. الإقليم يعلن — بلا مواربة — أنه يدخل إلى قلب اللعبة، وأنه لم يعد يقبل أن تصاغ ترتيبات المناطق الكوؤدستانية من دون حضوره، أو أن تُدار القضية…

صلاح بدرالدين المسؤولون برئاسة الإقليم ، والحكومة ، والمؤسسات الأخرى المدنية ، والعسكرية ، والأمنية ، والحزبية ، ومنذ اعلان الفيدرالية ، بعد انتخابات المجلس الوطني – البرلمان – عام ١٩٩٢ ، وحتى الان لم يتوقفوا عن الانفتاح على العالم الخارجي ، وبناء العلاقات الدبلوماسية ، والاقتصادية ليس انطلاقا من بنود الدستور العراقي فحسب بل من خصوصية فيدراليتهم الشبيهة بالكونفدرالية…

محي الدين حاجي في عتمة الغرف الطينية السرية وبعيداً عن عيون الأجهزة الأمنية، كان صوت دوران الالة الكاتبة أشبه بدمدمة ثورية خافتة. لم تكن تلك الآلات البدائية تطبع منشورات عادية، بل كانت تصوغ باللغتين الكردية والعربية ملامح الوعي السياسي لحركة ولدت في السر، وعاشت على وقع الأزمات.منذ التأسيس الأول للحركة الكردية عام 1957 وحتى مطلع الثمانينيات، لم تكن الصحافة الحزبية…