محمد سليم برهك
من أوهام الأيديولوجيا إلى خيبة التخلي والشرخ المجتمعي
تظل تجربة كوردستان سوريا (روج آفا) بعد عام 2011 واحدة من أكثر الفصول إيلامًا، وأكثرها حاجة إلى المراجعة في التاريخ الكوردي الحديث.
فبينما كانت الظروف مهيأة لبناء نموذج سياسي وإداري عادل ومستقر، تحولت المنطقة، بفعل السياسات الأمنية والعسكرية لحزب العمال الكوردستاني (PKK)، عبر امتداده المحلي المتمثل في حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) والقوى العسكرية المرتبطة به، إلى ساحة للمقايضات الإقليمية والدولية، انتهت – من وجهة نظر الكاتب – إلى تراجع الدعم الدولي، وهجرة واسعة للسكان، فضلًا عن تعميق التوتر القومي والاجتماعي بين الكورد والعرب، بما هدد السلم الأهلي التاريخي في المنطقة.
التأسيس والارتهان لنظام البعث: توظيف كورقة ضغط
لم يكن ارتباط حزب العمال الكوردستاني بالجغرافيا السورية وليد الأحداث الأخيرة، بل يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين احتضن نظام البعث بقيادة حافظ الأسد زعيم الحزب عبد الله أوجلان لسنوات طويلة في سوريا، وسمح للحزب باستخدام معسكرات في لبنان، من أبرزها معسكر «معصوم قورقماز» في سهل البقاع.
لم يكن هذا الاحتضان، في جوهره، دعمًا للحقوق القومية للكورد، بقدر ما كان استخدامًا للحزب كورقة ضغط سياسية وأمنية في مواجهة تركيا، ولا سيما في ملفات المياه والحدود.
وفي المقابل، ظل كورد سوريا أنفسهم يعانون سياسات التهميش والقمع وحرمان شرائح واسعة منهم من الحقوق القومية والمدنية.
ويرى الكاتب أن هذا النمط من العلاقة عاد للظهور بعد عام 2011، عندما انسحب النظام السوري من عدد من المناطق ذات الغالبية الكوردية، وبرز حزب الاتحاد الديمقراطي بوصفه القوة العسكرية والسياسية الأكثر سيطرة فيها، الأمر الذي أسهم في تحييد أجزاء من الحراك الكوردي عن مسار الثورة السورية.
القمع الداخلي وإقصاء الخصوم السياسيين
في سبيل احتكار التمثيل السياسي والعسكري الكوردي في روج آفا، انتهج حزب الاتحاد الديمقراطي سياسة إقصائية تجاه القوى السياسية المنافسة، ولا سيما الأحزاب المنضوية تحت مظلة المجلس الوطني الكوردي في سوريا (ENKS).
وترافقت هذه المرحلة مع عمليات اعتقال واختطاف وملاحقات سياسية طالت شخصيات وناشطين، إضافة إلى حوادث اغتيال واختفاء بقي بعضها موضع جدل واتهامات متبادلة.
ومن أبرز الأسماء التي أثارت قضيتها جدلًا واسعًا نصر الدين برهك، عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا، الذي اغتيل عام 2012، وكذلك القيادي مشعل تمو، فضلًا عن قضية اختفاء القيادي بهزاد دورسن.
كما لا يمكن تجاهل أحداث عامودا وما خلّفته من جرح عميق في الذاكرة السياسية والاجتماعية الكوردية.
وترافق ذلك مع إغلاق مكاتب حزبية، واعتقال ناشطين، والاعتداء على ممتلكات ومقرات سياسية، إلى جانب اتهامات متكررة لما يُعرف بـ«الشبيبة الثورية» أو «جوانين شورشكر» بممارسة الترهيب والاعتداء على الخصوم السياسيين.
الدم الكوردي والعربي في خندق واحد ضد داعش
رغم الانقسامات السياسية، شهدت مرحلة الحرب ضد تنظيم «داعش» تلاحمًا وتضحيات مشتركة كبيرة بين المكونين الكوردي والعربي في شمال وشرق سوريا.
ففي معارك الدفاع عن كوباني والجزيرة، ثم خلال انتقال المعارك إلى الرقة والطبقة ودير الزور، قاتل آلاف الشبان العرب من أبناء المنطقة والعشائر إلى جانب المقاتلين الكورد ضمن التشكيلات العسكرية المنضوية تحت مظلة قوات سوريا الديمقراطية «قسد».
وقد دفعت هذه القوات ثمنًا بشريًا هائلًا خلال الحرب على التنظيم، وسقط آلاف القتلى وعشرات الآلاف من الجرحى من مختلف مكونات المنطقة.
كان المقاتلون الكورد والعرب القوة البرية التي واجهت تنظيم داعش بصورة مباشرة، بينما قدمت الولايات المتحدة والتحالف الدولي الدعم الجوي واللوجستي والتسليحي.
لكن الإشكالية، بحسب رؤية الكاتب، ظهرت بعد انتهاء المعارك الكبرى، عندما لم تنعكس الموارد المتوافرة في المنطقة، ولا سيما عائدات النفط، بصورة كافية على إعادة إعمار البلدات والقرى التي دمرتها الحرب وتحسين الظروف المعيشية لأبنائها.
من التحالف ضد داعش إلى الشرخ الكوردي–العربي
على الرغم من التضحيات المشتركة التي جمعت الكورد والعرب في مواجهة تنظيم داعش، ساهمت السياسات الأمنية والأيديولوجية المتبعة لاحقًا في خلق حالة متزايدة من عدم الثقة بين مكونات شمال وشرق سوريا.
الهيمنة السياسية والأدلجة
في مناطق مثل الرقة ودير الزور ومنبج، ذات الغالبية العربية، برزت شكاوى من سيطرة كوادر حزبية وأمنية غير محلية على مفاصل القرار السياسي والعسكري والاقتصادي.
كما وُجهت انتقادات إلى طبيعة مشاركة بعض الشخصيات والهيئات العربية في مؤسسات الإدارة، واعتبر منتقدون أن جزءًا من هذه المشاركة لم يكن كافيًا لضمان شراكة حقيقية في اتخاذ القرار وإدارة الموارد.
وقد أدى ذلك إلى شعور قطاعات من السكان العرب بالتهميش والإقصاء، في الوقت الذي حمل فيه الكثير من الكورد مخاوفهم الخاصة من المستقبل ومن ضياع حقوقهم القومية.
التجنيد الإجباري والانتهاكات الأمنية
ساهمت سياسات التجنيد الإجباري في زيادة الاحتقان لدى شرائح من السكان، سواء من الكورد أو العرب، ولا سيما مع إرسال الشباب إلى جبهات بعيدة عن مناطقهم.
كما تعرضت الأجهزة الأمنية التابعة للإدارة وقسد لاتهامات بمداهمات واعتقالات تعسفية وانتهاكات مختلفة خلال العمليات الأمنية ضد خلايا تنظيم داعش.
وأدى تعميم الاتهامات في بعض الحالات على قرى أو عشائر بأكملها إلى تعميق حالة الاحتقان، كما استغلت قوى متطرفة هذه التجاوزات لتأجيج خطاب الكراهية وتصوير الصراع على أنه صراع قومي بين العرب والكورد، بدلًا من كونه صراعًا سياسيًا وأمنيًا مع سلطة مسيطرة.
وبذلك وجد المجتمع الكوردي نفسه، في كثير من الأحيان، يتحمل تبعات ممارسات أجهزة وسلطات لا تمثله بالضرورة بكل تياراته واتجاهاته.
دير الزور وانفجار أزمة الثقة
ظهرت خطورة هذه التراكمات بوضوح في دير الزور، عندما اندلعت مواجهات مسلحة بين قوات سوريا الديمقراطية ومجموعات من مقاتلي العشائر العربية.
كشفت تلك المواجهات هشاشة العلاقة بين السلطة العسكرية والمجتمعات المحلية، وأظهرت أن شعارات مثل «أخوة الشعوب» و«الأمة الديمقراطية» تحتاج إلى ترجمة حقيقية في مؤسسات الحكم وآليات المشاركة وتقاسم القرار والثروة.
كما أثبتت أحداث دير الزور أن استمرار المشكلات الأمنية والاجتماعية من دون حلول سياسية يمكن أن يدفع المنطقة نحو صدامات أكثر خطورة تهدد مستقبل جميع مكوناتها.
الحوار الكوردي–الكوردي وفرصة الحكم الذاتي الضائعة
تمثلت إحدى أبرز الإشكاليات السياسية في فشل محاولات توحيد الصف الكوردي والوصول إلى صيغة مشتركة لإدارة المنطقة.
فقد جرت، برعاية أمريكية ودولية، جولات عديدة من الحوار بين أحزاب الوحدة الوطنية الكوردية من جهة، والمجلس الوطني الكوردي من جهة أخرى، وبلغت تلك المحاولات ذروتها خلال عام 2020.
وكان الهدف الوصول إلى مرجعية سياسية كوردية مشتركة وتقاسم السلطة وفتح المجال أمام مختلف القوى السياسية، إضافة إلى معالجة القضايا المتعلقة بالمعتقلين والمكاتب الحزبية والقوات العسكرية.
إلا أن هذه الجهود لم تصل إلى اتفاق نهائي، واستمرت الخلافات حول شكل الإدارة وتقاسم النفوذ والقرار العسكري والعلاقة مع حزب العمال الكوردستاني، إضافة إلى ملف «بيشمركة روج».
ويرى الكاتب أن ضياع فرصة التوافق الكوردي الداخلي مثّل واحدة من أكبر الخسائر السياسية لكورد سوريا، إذ حرمهم من تشكيل موقف موحد كان من الممكن أن يمنحهم قوة أكبر في أي تسوية سورية مستقبلية.
عفرين ورأس العين: الجغرافيا التي دفعت ثمن الصراعات
شكلت خسارة عفرين عام 2018 واحدة من أقسى الضربات التي تعرض لها كورد سوريا خلال سنوات الحرب.
فقد أدت العملية العسكرية التركية والفصائل السورية المسلحة المتحالفة معها إلى نزوح أعداد كبيرة من سكان عفرين الكورد، وتغيرات ديموغرافية واجتماعية واسعة، إضافة إلى انتهاكات متكررة بحق المدنيين والممتلكات.
وتكرر المشهد، بدرجات مختلفة، خلال العملية العسكرية التركية عام 2019 التي أدت إلى خروج قوات سوريا الديمقراطية من رأس العين/سري كانيه وتل أبيض/كري سبي ونزوح أعداد كبيرة من السكان.
ويرى الكاتب أن القيادة العسكرية والسياسية المسيطرة على المنطقة أخفقت في قراءة التوازنات الإقليمية والدولية، وراهنت بصورة مفرطة على حماية خارجية أثبتت الأحداث أنها مرتبطة بالمصالح الدولية أكثر من ارتباطها بالتزامات طويلة الأمد تجاه سكان المنطقة.
من وهم الحماية الدولية إلى خيبة التخلي
أظهرت التجربة أن الدعم الدولي لقوات سوريا الديمقراطية كان مرتبطًا بصورة رئيسية بالحرب على تنظيم داعش والمصالح الاستراتيجية للدول المشاركة في التحالف.
فعندما تعارضت بعض مصالح الولايات المتحدة مع تركيا، لم يتحول التحالف العسكري مع قسد إلى ضمان سياسي أو عسكري دائم يمنع الهجمات التركية أو يضمن الاعتراف الدستوري بالإدارة القائمة.
وبقي الوجود الأمريكي مرتبطًا بمحاربة تنظيم داعش ومنع عودته والحفاظ على نفوذ استراتيجي في شرق سوريا، في وقت بقيت فيه المنطقة معرضة لهجمات جوية وضربات بالطائرات المسيّرة استهدفت منشآت عسكرية ومدنية وبنى تحتية.
الخاتمة: المواطن هو من دفع الثمن
إن الحصيلة الأكثر إيلامًا لهذه التجربة هي أن المواطن العادي كان الطرف الذي دفع أكبر الأثمان.
فبدل أن تتحول المناطق الكوردية إلى مساحة للاستقرار السياسي والاقتصادي وحماية الهوية القومية، دخلت في دوامة من العسكرة والاستقطاب السياسي والصراع الإقليمي.
وتعمقت الخلافات بين القوى الكوردية نفسها، وازدادت الفجوة بين قطاعات من المجتمعين الكوردي والعربي، في وقت دفعت فيه الأزمات الاقتصادية والحروب وانعدام الاستقرار أعدادًا كبيرة من الشباب والأطباء وأصحاب الكفاءات والعائلات إلى الهجرة نحو إقليم كوردستان العراق وأوروبا ودول أخرى.
واليوم، تحتاج تجربة روج آفا إلى مراجعة سياسية شجاعة تتجاوز الشعارات والأيديولوجيات والمصالح الحزبية.
فالقضية الكوردية في سوريا لا يمكن حمايتها من خلال حزب واحد أو قوة عسكرية واحدة، كما لا يمكن تحقيق حقوق الكورد على حساب شركائهم العرب أو السريان أو الآشوريين وبقية مكونات المنطقة.
المستقبل يحتاج إلى عقد سياسي جديد يقوم على التعددية، والشراكة، واحترام إرادة السكان، وفصل القرار الكوردي السوري عن صراعات القوى الإقليمية العابرة للحدود، والعمل من أجل ضمان دستوري واضح لحقوق الكورد ضمن سوريا ديمقراطية تعددية.
فبعد كل هذه السنوات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا:
هل كانت التضحيات الهائلة التي قدمها أبناء روج آفا طريقًا لبناء مستقبل سياسي آمن، أم أنها تحولت إلى وقود لمشاريع أيديولوجية وصراعات إقليمية لم يكن المواطن الكوردي والعربي فيها سوى الخاسر الأكبر؟



