عدنان بدرالدين
اكتسبت زيارة نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، إلى دمشق في 3 آب 2026، أهمية سياسية خاصة بالنظر إلى توقيتها والظروف المحيطة بها. وعلى الرغم من اقتصار البيان الرسمي على العلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي ومستجدات المنطقة، فإن مكانة الزائر والتحولات المتسارعة في كردستان الغربية منحتا الزيارة أبعادًا تتجاوز العناوين المعلنة.
وصل بارزاني إلى دمشق بدعوة من الرئيس السوري أحمد الشرع، والتقاه في قصر الشعب بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني. وبعد الاجتماع، عبّر رئيس الإقليم عن سعادته برؤية الشرع، وعن اعتقاده بأن سوريا قادرة على التقدم نحو مزيد من الاستقرار والازدهار ومستقبل أكثر إشراقًا لجميع أبنائها. ويأتي هذا التصريح في إطار اللغة الدبلوماسية المتوقعة في الزيارات الرسمية، لكنه يكتسب دلالة إضافية لصدوره عن أبرز مسؤول كردي يزور دمشق في مرحلة يعاد فيها رسم العلاقة بين الدولة السورية والكرد، وتتغير خلالها ملامح الإدارة التي قامت في شمال شرقي البلاد خلال سنوات الحرب.
لم تكشف التصريحات الرسمية تفاصيل كافية عن الملفات التي نوقشت. غير أن مصادر إعلامية سورية ربطت الزيارة بتنفيذ الاتفاق الشامل المؤرخ في 29 كانون الثاني 2026، والمعلن عنه في اليوم التالي، بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، ولا سيما ما يتعلق بدمج القوات والمؤسسات المدنية والأمنية في بنية الدولة. كما أن التعاون الاقتصادي، وأمن الحدود، والمعابر والتجارة، والتطورات الإقليمية، تشكل بدورها ملفات طبيعية بين سوريا وإقليم كردستان.
ليس من الضروري الاختيار بين هذه التفسيرات. فالزيارة تستطيع أن تجمع الاقتصاد والأمن والسياسة في وقت واحد. لكن يصعب، في المقابل، فصلها عن التحول الجاري في مناطق الإدارة الذاتية، حيث تستعيد مؤسسات الدولة السورية حضورها تدريجيًا، بينما تفقد المؤسسات التي نشأت منذ عام 2012 جانبًا متزايدًا من استقلالها السابق.
بين الوساطة والتمثيل
يمتلك نيجيرفان بارزاني خبرة طويلة في إدارة العلاقات الإقليمية، ويتمتع بقبول لدى أطراف تتباعد مواقفها ويصعب جمعها حول وسيط واحد. فهو يحتفظ بعلاقات وثيقة مع تركيا والولايات المتحدة ودول أوروبية، ويتواصل مع بغداد ودمشق، كما يملك قنوات اتصال مع القوى الكردية في سوريا، بما فيها قيادة قوات سوريا الديمقراطية والمجلس الوطني الكردي.
وتتيح له هذه المكانة أداء دور مهم في تيسير الحوار والمساعدة على تجنب مواجهة جديدة قد تكون كلفتها باهظة على السكان. كما أن وجود طرف كردي إقليمي قادر على مخاطبة دمشق وأنقرة وواشنطن، وفهم هواجس القوى الكردية في الوقت نفسه، قد يشكل عنصرًا مساعدًا في مرحلة شديدة الحساسية.
وبحكم موقعه رئيسًا لإقليم كردستان، يظل دوره في هذا الملف أقرب إلى الوساطة وتقريب المواقف والمساعدة على توفير ضمانات للتفاهم. ويمكن لهذه المساهمة أن تدعم مسار التفاوض وتوسع فرص نجاحه، بالتنسيق مع القوى والمؤسسات السورية المعنية مباشرة بمستقبل العلاقة بين الكرد والدولة، ومع بقاء تحديد الخيارات النهائية مسؤولية الأطراف السورية والمجتمعات التي ستتأثر بها.
ويطرح ذلك، في المقابل، سؤالًا أوسع بشأن طبيعة التمثيل داخل مناطق الإدارة الذاتية نفسها. فقد استطاعت قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، في ظروف حرب معقدة، بناء أجهزة ومؤسسات وإدارة مساحات واسعة وتوفير قدر من الاستقرار. غير أن ظروف نشأة التجربة واستمرار غلبة مرجعية سياسية بعينها على مؤسساتها لم يسمحا بتطوير مشاركة متكافئة تشمل مختلف القوى السياسية والمجتمعية، أو بإنشاء آليات مستقرة تستطيع من خلالها قياس التفويض العام وتجديده.
ولا يلغي ذلك ما راكمته التجربة من خبرات ومؤسسات، كما لا يجعل العودة إلى القرارات المركزية بديلًا كافيًا عنها. فمعالجة أوجه النقص في تمثيل الإدارة الذاتية تحتاج إلى توسيع المشاركة وإشراك القوى والمجتمعات المختلفة في تحديد مستقبل المنطقة، لا الاكتفاء بنقل القرار إلى المركز. ويظل التحدي الحقيقي هو الانتقال من ترتيبات فرضتها الحرب وموازين القوة إلى مؤسسات سورية أكثر شمولًا، تستطيع الجمع بين وحدة الدولة وحقوق مكوناتها، وتخضع قراراتها للمساءلة العامة.
دمج المؤسسات أم استيعاب الأفراد؟
منذ الاتفاق الشامل المعلن في 30 كانون الثاني، بدأت مؤسسات الدولة السورية تعود إلى مناطق كانت خاضعة للإدارة الذاتية. ويتضمن النص التفصيلي المتداول للاتفاق تشكيل فرقة عسكرية في محافظة الحسكة تضم ثلاثة ألوية من قوات سوريا الديمقراطية، ودمج قوة كوباني في لواء يتبع لفرقة عسكرية في محافظة حلب، وبدء إدماج قوات الأمن في وزارة الداخلية.
كما ينص على تسلم الحكومة المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة، ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية في أجهزة الدولة مع تثبيت موظفيها، وتسلم المنشآت الحيوية والمعابر، وتسوية الشهادات الصادرة عن مؤسسات الإدارة السابقة، ومناقشة المسار التعليمي للكرد ومراعاة خصوصيته.
وتضمنت العملية تعيين شخصيات قريبة من الإدارة السابقة في بعض المواقع، في مقدمتها منصب محافظ الحسكة وإدارة عدد من المناطق والنواحي، ومن بينها منطقة القامشلي.
قد تُقرأ هذه التعيينات بوصفها محاولة لتجنب الإقصاء الكامل والاستفادة من الكوادر المحلية وتيسير عملية الانتقال. لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود شراكة سياسية أو تمثيل كردي مؤسسي. فقيمة المنصب لا تتحدد بالهوية القومية لشاغله، بل بصلاحياته، ومصدر تعيينه، ومدى قدرته على التأثير في القرار، وعلاقته بالسكان الذين يتولى إدارة شؤونهم.
وجود مسؤولين كرد داخل مؤسسات الدولة يحمل أهمية لا ينبغي تجاهلها، لكنه يختلف عن وجود إدارة محلية منتخبة ذات صلاحيات يحميها القانون. كما أن تعيين امرأة كردية مديرة لمنطقة القامشلي يحمل دلالة اجتماعية إيجابية، من دون أن يحسم طبيعة المشاركة المحلية أو مقدار استقلال القرار الإداري.
لهذا ينبغي التريث قبل وصف هذه المناصب بأنها شكلية، مثلما ينبغي عدم تقديمها دليلًا كافيًا على تحقق المشاركة. وسيكون الاختبار في الممارسة: هل يستطيع المسؤول المحلي تمثيل مصالح السكان والتأثير في القرارات المتعلقة بمنطقته، أم يظل دوره محصورًا في تنفيذ قرارات تصدر عن المركز؟
اللغة والتعليم: أين تقف حدود الاعتراف؟
يشكل التعليم الاختبار الأكثر وضوحًا لطبيعة التحول الجاري. فقد أقر المرسوم رقم 13 لعام 2026 بأن المواطنين الكرد السوريين جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، ووصف هويتهم الثقافية واللغوية بأنها جزء من الهوية الوطنية السورية، واعتبر الكردية «لغة وطنية». كما سمح بتدريسها في المناطق التي يشكل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان.
لكن التعليمات التنفيذية جعلت الكردية مادة اختيارية بمعدل حصتين أسبوعيًا، تُسجل درجتها في المجموع العام من دون أن تؤثر في نجاح التلميذ أو رسوبه. وعلى الرغم من استمرار الخطط التعليمية القائمة مؤقتًا إلى حين اعتماد المناهج الجديدة، فإن هذه الصيغة ترسم اتجاهًا واضحًا نحو حصر الكردية في مادة دراسية، بدل بقائها لغةً للتعليم ضمن نظام تعليمي مستقل.
الفارق هنا ليس لغويًا فقط. فالسماح بتعلم الكردية بوصفها مادة يختلف جوهريًا عن حق الطفل في تلقي التعليم بلغته الأم. الأول يعترف باللغة عنصرًا ثقافيًا، أما الثاني فيمنحها مكانة مؤسسية بوصفها أداة للتعليم وإنتاج المعرفة والإدارة والحياة العامة.
ويظهر الاتجاه نفسه في ملف جامعة روجآفا، إذ أعلنت وزارة التعليم العالي وضع خارطة طريق لدمجها تدريجيًا ضمن جامعة الفرات الحكومية – فرع الحسكة، في إطار توحيد المرجعية الجامعية في المحافظة. وتشمل الخطة تقييم البرامج والكوادر وأوضاع الطلبة قبل استكمال الدمج، مع توجه إلى تغيير اسم الجامعة واعتماد العربية والإنكليزية لغتي تدريس.
يمكن لهذا الدمج أن يعالج مشكلات الاعتراف بالشهادات والتمويل والمعايير الأكاديمية التي عانى منها الطلبة سابقًا. وهذه منفعة حقيقية لا ينبغي تجاهلها. لكنه قد يؤدي، في الوقت نفسه، إلى إنهاء واحدة من أبرز المؤسسات التي حملت هوية المرحلة السابقة، من دون إيجاد مكان واضح للغة الكردية داخل التعليم الجامعي الجديد.
السؤال، إذن، ليس ما إذا كان من حق الدولة توحيد نظامها التعليمي، بل كيف يجري هذا التوحيد، وما إذا كان سيتيح حماية الخصوصية اللغوية والثقافية للمناطق الكردية أو سيحصرها في نشاط اختياري محدود.
المرسوم رقم 13 والنموذج التركي
تظهر في معالجة السلطة السورية الجديدة للقضية الكردية ملامح صيغة تقترب من النموذج التركي، من دون أن يعني ذلك وجود نسخة منقولة حرفيًا أو خطة موحدة بكل تفاصيلها.
يقوم هذا النموذج على الاعتراف بالكرد مواطنين متساوين، والسماح باستخدام لغتهم وثقافتهم في المجال العام، مع عدم الانتقال إلى الاعتراف بهم جماعة قومية تتمتع بحقوق سياسية أو إدارية خاصة. وتبقى لغة الدولة اللغة الأساسية للتعليم والإدارة، بينما تُدرّس الكردية مادة اختيارية محدودة الساعات، وتظهر في الإعلام وبعض الأقسام الجامعية والنشاطات الثقافية.
في تركيا، يستطيع الكرد استخدام لغتهم في الحياة العامة والإعلام والفن، وتدير الدولة قناة TRT Kurdî ، وتوجد أقسام وبرامج أكاديمية مرتبطة باللغة والأدب الكرديين في بعض الجامعات. كما أعيدت الأسماء الكردية إلى عدد من القرى والبلدات. ومع ذلك، لا يعترف الدستور بحقوق قومية جماعية للكرد، ويعرف المواطنين ضمن الهوية التركية، ويجعل التركية لغة الدولة والتعليم.
تبدو الصيغة السورية أكثر تقدمًا من الناحية النصية في بعض النقاط. فالمرسوم رقم 13 اعترف صراحة بالهوية الكردية، ووصف اللغة الكردية بأنها لغة وطنية، وألغى القوانين والتدابير الاستثنائية المترتبة على إحصاء عام 1962، ومنح الجنسية لمكتومي القيد، وحظر التمييز القومي واللغوي. وهي خطوات لا يجوز إنكار أهميتها.
لكن هذه الأهمية تبقى محدودة إذا لم تنتقل من الاعتراف الثقافي إلى ضمانات مؤسسية. فالاعتراف بالكرد جزءًا أصيلًا من الشعب لا يحدد كيفية مشاركتهم في السلطة، ولا يضمن إدارة محلية منتخبة، ولا يمنح اللغة الكردية مكانة لغة تعليم وإدارة، ولا يوضح كيف سيمثل المجتمع الكردي في عملية بناء النظام الدستوري المقبل.
وهنا يظهر التشابه الأساسي مع التجربة التركية: اعتراف متفاوت الدرجة بالوجود والثقافة واللغة، مع إبقاء الحقوق داخل الإطار الفردي للمواطنة، من دون تحويل الوجود القومي الكردي إلى حقوق جماعية أو شراكة سياسية مضمونة.
وبهذا المعنى، قد يكون المرسوم السوري أكثر تقدمًا في بلاغة الاعتراف ونصوصه، بينما تقترب تعليماته التنفيذية من الطريقة التركية في تنظيم ذلك الاعتراف وضبط حدوده.
نوروز: الاعتراف بالاسم لا استحداث العطلة
منح المرسوم رقم 13 عيد نوروز مكانة عطلة رسمية مدفوعة الأجر في جميع أنحاء سوريا، وقدمه بوصفه عيدًا وطنيًا يعبر عن الربيع والتآخي. وهذه خطوة رمزية مهمة، لكنها لا تعني أن يوم 21 آذار أصبح عطلة للمرة الأولى.
فقد كان يوم 21 آذار عطلة رسمية في سوريا أصلًا بمناسبة «عيد الأم». ومن ثم لا تتمثل جدة المرسوم في استحداث العطلة، بل في اعتماد اسم نوروز وإدراجه صراحة في التقويم الرسمي.
وتحمل المسألة ذاكرة مؤلمة لدى الكرد في سوريا. ففي 21 آذار 1986، تحولت محاولة للاحتفال بنوروز في دمشق، بعد منع السلطات للمناسبة، إلى مواجهة مع قوات الحرس الجمهوري قرب القصر الرئاسي، قُتل خلالها الشاب الكردي سليمان محمد أمين آدي. ومنذ ذلك الوقت، بقي الاحتفال بالعيد تعبيرًا عن الهوية والاحتجاج بقدر ما كان مناسبة اجتماعية.
لذلك لا يمكن فصل الاعتراف الحالي بنوروز عن عقود من تمسك الكرد به رغم المنع والقمع. ومع ذلك، أعاد المرسوم تقديمه بوصفه عيدًا وطنيًا عامًا، لا عيدًا قوميًّا كرديًّا على وجه التحديد. وهذه صيغة تشبه ما تفعله تركيا حين تحتفل الدولة بنوروز ويشارك رئيس الجمهورية أحيانًا في احتفالاته، مع التشديد على أنه عيد مشترك للأمة كلها، من دون أن يصبح حتى الآن عطلة عامة مدفوعة الأجر.
تعترف الدولتان، بدرجات مختلفة، بالرمز، لكنهما تعيدان إدراجه في رواية وطنية أوسع تحد من دلالته القومية الخاصة. ويبقى الفارق أن سوريا اعتمدت اسم نوروز رسميًا وجعلته عطلة مدفوعة الأجر، بينما ظل الاعتراف التركي في إطار الاحتفال والخطاب العام.
الحضور التركي وحدود الاستنتاج
جرت الزيارة في بيئة إقليمية تتقاطع فيها مصالح إقليم كردستان وتركيا والولايات المتحدة مع مسار إعادة ترتيب العلاقة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية. ومن المرجح أنها حظيت بقبول هذه الأطراف، وإن احتفظ إقليم كردستان بدوره وحساباته الخاصة في إدارة علاقاته مع سوريا والقوى الكردية فيها.
ويصعب تصور أن زيارة بهذا المستوى، وفي موضوع بهذه الحساسية، جرت في تعارض مع الموقف التركي. فأنقرة ترتبط بعلاقة قوية مع إقليم كردستان، وأصبحت من أبرز الداعمين الإقليميين للسلطة السورية الجديدة، كما تضع مستقبل قوات سوريا الديمقراطية في صلب حساباتها الأمنية.
وفي ضوء العلاقات الوثيقة التي تربط إقليم كردستان بتركيا، وعلاقة أنقرة القوية بالسلطة السورية الجديدة، لا تبدو الزيارة متعارضة مع التوجه التركي العام حيال كردستان الغربية. فتركيا تؤيد دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة، وقد تنظر بإيجابية إلى أي وساطة تساعد على إنجاز ذلك عبر الحوار وتجنب مواجهة جديدة. ومع ذلك، يتحرك إقليم كردستان انطلاقًا من موقعه ومصالحه وعلاقاته الخاصة مع سوريا والقوى الكردية فيها، وهي اعتبارات قد تلتقي مع حسابات أطراف أخرى من دون أن تتطابق معها في جميع التفاصيل.
وينطبق الأمر بدرجة ما على الولايات المتحدة، التي دعمت مسار التفاوض وشاركت في منع توسع المواجهة العسكرية. لكن تقاطع الزيارة مع التوجه الأميركي نحو توحيد مؤسسات الدولة السورية لا يلغي استقلال حسابات إقليم كردستان أو تعدد الدوافع التي تحكم تحركه.
ما الذي بقي من تجربة روجآفا؟
تشير الوقائع إلى أن البنية التي أقامتها الإدارة الذاتية منذ عام 2012 تفقد جانبًا متزايدًا من استقلالها. فالقوات تتجه إلى الاندماج، والمؤسسات المدنية تعود إلى سلطة الوزارات، والتعليم يخضع للمناهج المركزية، بينما تتجه جامعة روجآفا إلى الاندماج في جامعة الفرات مع تغيير اسمها ومرجعيتها، ويجري استيعاب بعض كوادر الإدارة السابقة داخل أجهزة الدولة.
قد يعني ذلك نهاية الإدارة الذاتية بصيغتها المعروفة، من دون أن يمحو آثار تجربتها بالكامل. فقد أنشأت مؤسسات، ووسعت حضور اللغة الكردية والنساء في المجال العام، وأتاحت لبعض كوادرها خبرة إدارية جديدة. إلا أنها بقيت تجربة حزبية شديدة المركزية، محدودة التعددية والإنجازات، ولم تتحول إلى نموذج مستقر لإدارة عامة تمثل مختلف سكان المنطقة. ومن ثم ينبغي قراءة إرثها بقدر من التوازن، من دون إنكار ما أحدثته أو منحها حجمًا يتجاوز حصيلتها الفعلية.
كما لم تستطع الإدارة، خلال السنوات التي امتلكت فيها قدرًا واسعًا من السيطرة، بناء عقد سياسي يضم مختلف القوى الكردية وبقية مكونات المنطقة على أساس مشاركة متكافئة. وبقيت مؤسساتها مرتبطة بميزان القوة الذي نشأت في ظله، من دون أن تحصل على ضمانات دستورية أو اعتراف سياسي يحمي ما يمكن الاحتفاظ به منها عند تغير ذلك الميزان.
واليوم يتحرك المسار في اتجاه مختلف: تتراجع مؤسسات أمر واقع محدودة التمثيل والاعتراف، في مقابل اعتراف ثقافي تمنحه دولة تستعيد سلطتها المركزية، من دون أن تتضح بعد المؤسسات أو الضمانات التي ستتيح للكرد المشاركة في تقرير شؤون مناطقهم ومساءلة من يتولى إدارتها.
الاختبار الحقيقي للزيارة
لا يمكن تقييم نتائج زيارة نيجيرفان بارزاني من خلال البيانات المقتضبة والصور الرسمية وحدها. وقد تكتسب أهميتها الفعلية إذا أسهمت في تجنب مواجهة جديدة، وحماية السكان، وتيسير انتقال منظم، والحفاظ داخل الدولة السورية على ما يمكن تثبيته من الحقوق والمكتسبات اللغوية والإدارية.
ولا يقاس نجاح الوساطة بمجرد إنجاز عملية الدمج، بل بطبيعة الترتيبات التي ستنتج عنها. فإذا انتهى المسار إلى مواطنة فردية متساوية واعتراف ثقافي محدود، من دون ضمانات واضحة للمشاركة المحلية والحقوق اللغوية والتمثيل السياسي، فسنكون أمام انتقال من إدارة أمر واقع حزبية ومركزية إلى سلطة دولة أكثر مركزية، لا أمام معالجة مكتملة للقضية الكردية.
أما إذا ساعدت الوساطة على تثبيت مكانة اللغة الكردية في التعليم، وتوفير صلاحيات إدارية فعلية، وتوسيع المشاركة لتشمل قوى واتجاهات كردية ومجتمعية متعددة، فقد تفتح الزيارة طريقًا أكثر توازنًا بين وحدة الدولة وحقوق مكوناتها.
وتنبع قيمة الدور الذي يستطيع نيجيرفان بارزاني أداءه من قدرته على التواصل مع مختلف الأطراف وتقريب مواقفها وتشجيعها على بناء تفاهمات قابلة للاستمرار. ويمكن لمكانته وعلاقاته أن تساعدا على جعل التفاوض أكثر وضوحًا وشمولًا، مع بقاء صياغة الخيارات النهائية مسؤولية السوريين والقوى والمجتمعات التي ستعيش نتائجها مباشرة.
وفي النهاية، لا تتحدد المشاركة بعدد الكرد الذين يشغلون مواقع داخل مؤسسات الدولة فقط، بل بمدى قدرتهم على التأثير في القرارات المتعلقة بمجتمعاتهم، وبوجود مؤسسات معلومة الصلاحيات يستطيع السكان اختيار القائمين عليها ومساءلتهم. وعلى هذا الأساس، سيكون الحكم على الزيارة مرتبطًا بما تفتحه من أبواب أمام مشاركة مؤسسية قابلة للبقاء، لا بما أحاط بها من توقعات أو بما حملته من دلالات رمزية.
5 آب 2026