التاريخ الذي سرقوه من الكورد ونردده نحن

د. محمود عباس

ماذا قال السيد بافل طالباني، وماذا كشف حديثه عن وعينا بتاريخنا؟

من أخطر ما يواجه الوعي الكوردي اليوم أن تشويه التاريخ لم يعد يأتي فقط من خصوم الكورد والأنظمة التي احتلت كوردستان، بل يتسرّب أحيانًا إلى خطاب بعض النخب والقيادات الكوردية نفسها؛ إما بفعل تاريخٍ ملفّق جرى تلقينه عبر المناهج الرسمية، أو بسبب ضعف المراجعة والتدقيق، أو لأن مصطلحات صنعتها سرديات قومية لاحقة تُكرَّر وكأنها حقائق تاريخية ثابتة.

والمشكلة لا تقف عند خطأ في التسمية. فعندما تُختزل إمبراطوريات متعددة الشعوب والثقافات في هوية قومية واحدة، فارسية كانت أو عربية، نكون أمام إعادة إنتاج للرواية التي همّشت تاريخ شعوب المنطقة ووسّعت تاريخ مكوّن واحد على حساب الآخرين. فتسمية التاريخ ليست مسألة بريئة دائمًا؛ من يحتكر اسم الحضارة، يحتكر تدريجيًا ذاكرة الشعوب التي شاركت في صنعها.

وخير مثال ما لفت انتباهي في حوار مفتوح مع السيد بافل طالباني حول الدبلوماسية الإيرانية. فقد عرض، بأسلوب لافت ولغة إنكليزية سليمة وحجة تاريخية منطقية واضحة، قرابة ستة قرون من الصراع بين روما ثم بيزنطة من جهة، والبارثيين ثم الساسانيين من جهة أخرى، لكنه قدّمه في أكثر من موضع بوصفه صراعًا بين «الفرس والرومان»، ليستدل به على قدرة الدبلوماسية على تحويل نتائج الصراع العسكري إلى مكاسب سياسية.

لكن ما استوقفني لم يكن المثال، بل طريقة تسمية التاريخ نفسه. فقد تكرر الحديث عن «الإمبراطورية الفارسية»، وكأن البارثيين والساسانيين دولتان فارسيتان بالمعنى القومي الحديث، من دون تسمية الإمبراطوريتين بأسمائهما التاريخية، أو التوقف عند تركيبتهما البشرية والثقافية المتعددة.

البارثيون لم يكونوا دولة قومية فارسية، والساسانيون كذلك لا يمكن اختزالهم في «إمبراطورية فارسية» بالمعنى الذي كرّسته السرديات القومية المتأخرة. كانتا إمبراطوريتين واسعتين شاركت في تكوينهما شعوب ومناطق وثقافات متعددة، وكان لزاغروس وشعوبه حضور أساسي في بنيتهما السياسية والعسكرية والثقافية. أما تحويل تاريخ المجال الإيراني كله إلى «تاريخ فارسي»، فهو نتاج قراءات متأخرة أُسقطت بأثر رجعي على عصور أقدم، حتى بدا وكأن كل ما نشأ في ذلك المجال كان فارسيًا بالضرورة.

وهنا يتحول الخطأ التاريخي إلى مشكلة سياسية. فحين يكرر مسؤول كوردي هذه الرواية من دون تدقيق، فإنه، من حيث لا يقصد، يعيد إنتاج السردية التي أخرجت الكورد من تاريخ جغرافيتهم، وقلّصت نصيبهم من الحضارات التي شارك أسلافهم في صنعها.

والمفارقة أنني كنت، بالمصادفة، أشاهد الفيلم الأمريكي «محاربو الصحراء» عن معركة ذي قار، التي جرت وقائعها ما بين 609-611 م، أي قبل الإسلام بعقود. وطوال الفيلم استُخدمت التسميات التاريخية: الساسانيون، إمبراطور ساسان، قادة الجيش الساساني وجنرالاته، من دون أن يتم ذكر «الفرس» كليا طوال الفيلم. مخرج سينمائي التزم اسم الدولة التاريخي، بينما قد يقع بعض السياسيين الكورد في تكرار رواية قومية متأخرة وكأنها حقيقة أزلية.

وهنا جوهر المسألة، خصوم الكورد أعادوا تشكيل تاريخهم عن وعي، وبعض الكورد يعيدون ترديد تلك الرواية عن نقص في المعرفة أو الوعي التاريخي، من دون أن يعني ذلك نقصًا في وطنيتهم أو طعنًا فيها.

فالأمم لا تخسر الأرض وحدها؛ قد تخسر أسماءها وذاكرتها ونصيبها من الحضارات أيضًا. ولذلك فإن معرفة التاريخ بالنسبة إلى السياسي الكوردي ليست ترفًا ثقافيًا، بل جزء من أدواته السياسية والدبلوماسية؛ فمن يقرأ تاريخ شعبه بلغة خصومه قد يجد نفسه يدافع عن حقوقه اليوم بالرواية التي صيغت أصلًا لتهميشه.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

2/8/2026 م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…