جوان عصمت سيدا
بحكم عملي السابق في شعبة آثار القامشلي وترأسي للشعبة بين سنوات 2006 – 2010 أود توضيح بعض الحقائق من منظور أثري وقانوني.
ينص قانون الآثار السوري رقم ( 222) لعام 1963 وتعديلاته لعام 1999، المستند إلى المبادئ والتشريعات الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي
( ان كل مخلف مادي ثابت أو منقول يتجاوز عمره 200 سنة ميلادية أو 206 سنوات هجرية يعد أثريا )
كما إنه يجوز للسلطة الأثرية في حالات استثنائية منح صفة “أثري ” لمخلف مادي لم يبلغ هذا العمر إذا توافرت فيه قيمة تاريخية أو معمارية أو علمية أو رمزية استثنائية، وذلك انسجاما مع المعايير الدولية وتوصيات اليونسكو.
وفي هذا الإطار ، اعددنا في حينه خطة لإجراء دراسات تاريخية وهندسية لعدد من المباني والمعالم التي تعود إلى البدايات الأولى لمدينة القامشلي ، من أبرزها جرسية كنيسة مار يعقوب ، و مئذنة الجامع الكبير، و مبنى بلدية القامشلي ، ومبنى شعبة المدينة لحزب البعث ، وعراصة الزيتون، وعراصة اللحوم. وقد بدأ العمل بمئذنة الجامع الكبير .
وبعد الدراسة لم يمنح أي من هذه المخلفات صفة ” أثري ” لأنها لم تستوف الشروط والمعايير اللازمة.
أما فيما يتعلق بمبنى بلدية القامشلي، فرغم ارتباطه بتاريخ نشأة المدينة ، فإنه لم يمنح صفة أثرية للأسباب الآتية:
1- لم يتجاوز العمر المحدد قانونا ، وهو 200 سنة ميلادية و206 سنوات هجرية.
2- لا يمثل نموذجا معماريا استثنائيا لمدرسة معمارية تاريخية تعود إلى العصور الإسلامية أو العثمانية أو البيزنطية أو غيرها .
3- لا يرتبط بحدث تاريخي مفصلي ذي أثر سياسي أو رمز مقاومة أو ثقافي كبير، كما لا يحمل بصمة معمارية لمهندس ذي شهرة استثنائية .
4- وهو السبب الأهم ، ان المبنى تعرض على مدى العقود الماضية لإضافات وترميمات وتعديلات أفقدته جانبا مهما من أصالته وسلامته التاريخية، وهي من أهم المعايير المعتمدة في تقييم القيمة الأثرية للمباني.
ومن وجهة نظري ، فأن قامشلي ( قامشلو – قامشلية- زالين ) مدينة حديثة النشأة ويعود أقدم مخلف لها لعام 1926ولذلك فأن معظم مبانيها لا تزال بعيدة عن استيفاء شروط التسجيل الأثري وفق القانون السوري.
أما من الناحية الهندسية والعمرانية ، فقد شهدت القامشلي خلال السنوات الأخيرة توسعا شاقوليا كبيرا، في حين بقي مخططها الأساسي وشوارعها على حالتها تقريبا، الأمر الذي أدى إلى اختناقات مرورية متزايدة ، وضغط كبير على شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، إضافة إلى تراجع جودة البيئة و نقص المساحات الخضراء ومواقف السيارات والخدمات العامة.
لذلك أرى أن الحل الإستراتيجي لا يكمن في زيادة الكثافة العمرانية داخل المدينة الحالية، بل في التخطيط لإنشاء امتداد عمراني حديث يحمل اسم (قامشلي الجديدة ) على غرار تجربة ماردين الجديدة (Yenişehir) بحيث يقام وفق التخطيط الحضري الحديث ، مع شوارع واسعة ، ومحاور مرورية منظمة، وشبكات بنية تحتية تستوعب النمو السكاني لعقود قادمة ، ومناطق سكنية وتجارية وصناعية وخدمية متوازنة ومساحات خضراء ومرافق عامة كافية ، بما يحقق تنمية عمرانية مستدامة.