تفجير دمشق… هل بدأت معركة النفوذ على سوريا الجديدة؟

د. عدنان بوزان

لم يكن التفجير الذي شهدته العاصمة دمشق، بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مجرد حادث أمني يمكن إدراجه ضمن سلسلة الخروقات التي عرفتها سوريا خلال سنوات الحرب، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية، وفي لحظة سياسية تعد من أكثر اللحظات تعقيداً منذ اندلاع الأزمة السورية. فالبلاد تعيش اليوم مرحلة انتقالية تختلف جذرياً عن جميع المراحل السابقة، بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتشكيل حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع، وانطلاق مسار سياسي جديد يسعى إلى إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وفتح صفحة جديدة مع المحيطين الإقليمي والدولي.

وفي تقديري، فإن الأهمية السياسية لهذا الحدث لا تكمن في حجم التفجير أو في الخسائر التي خلفها، وإنما في الرسائل التي يحملها توقيته، وفي البيئة السياسية التي وقع فيها. فالتاريخ يعلمنا أن العمليات الأمنية الكبرى لا تقرأ من زاوية منفذيها فحسب، بل من خلال السياق السياسي الذي تندرج فيه، والأطراف التي قد تستفيد من نتائجها، وطبيعة الرسائل التي توجه إلى العواصم الإقليمية والدولية قبل أن توجه إلى الداخل السوري.

لقد انتهت، إلى حد بعيد، مرحلة الصراع التقليدي التي دارت حول إسقاط النظام أو الإبقاء عليه، وانتقلت سوريا إلى مرحلة جديدة عنوانها الصراع على الدولة التي ستولد بعد الحرب. فالمعركة اليوم لم تعد معركة السيطرة على مدينة أو محافظة، بل أصبحت معركة النفوذ على القرار السياسي، والاقتصاد، والمؤسسات الأمنية والعسكرية، وهوية النظام السياسي المقبل، وطبيعة علاقاته الإقليمية والدولية.

إن الدول الكبرى لا تخوض صراعاتها دائماً عبر الجيوش، بل كثيراً ما تديرها عبر أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني، ومن خلال رسم خرائط المصالح قبل رسم خرائط الحدود. ولذلك، فإن سوريا، بعد انحسار الحرب الواسعة، دخلت ما يمكن تسميته بمرحلة «حرب النفوذ»؛ وهي مرحلة قد تكون أكثر تعقيداً من الحرب العسكرية نفسها، لأنها تقوم على التحالفات، والاستثمارات، والاتفاقيات، وإعادة الإعمار، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى زيارة الرئيس الفرنسي باعتبارها زيارة بروتوكولية أو اقتصادية فحسب. ففرنسا، بوصفها إحدى القوى الأوروبية الفاعلة في الملف السوري، تدرك أن مرحلة ما بعد الحرب قد تكون أكثر أهمية من سنوات الحرب نفسها. فالدول التي ستشارك في إعادة الإعمار، وبناء المؤسسات، وتمويل الاقتصاد، لن تحصد عقوداً اقتصادية فحسب، بل ستكتسب أيضاً نفوذاً سياسياً واستراتيجياً طويل الأمد داخل الدولة السورية الجديدة.

ولذلك، فإن إعادة الإعمار ليست مجرد مشروع هندسي لإصلاح الأبنية والجسور والطرقات، بل هي مشروع لإعادة بناء الدولة نفسها. ومن يمتلك القدرة على تمويل الاقتصاد، وإعادة تشغيل البنية التحتية، ودعم المؤسسات، سيكون شريكاً في صياغة القرار السياسي لعقود مقبلة. ولهذا السبب، تتحول إعادة الإعمار إلى ساحة تنافس لا تقل أهمية عن ساحات القتال السابقة.

كما جاءت الزيارة الفرنسية بعد سلسلة من اللقاءات والاتصالات مع ممثلين عن الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وفي ظل استمرار النقاشات المتعلقة بمستقبل العلاقة بين الإدارة الذاتية والحكومة الانتقالية. ويعكس ذلك، في تقديري، رغبة فرنسية في الحفاظ على دور مؤثر في معادلة التسوية السورية، وعدم ترك ترتيبات المرحلة المقبلة حكراً على التفاهمات الإقليمية، بما يضمن حضوراً أوروبياً فاعلاً في مستقبل سوريا.

وتدرك باريس أن مستقبل سوريا لن يصاغ في دمشق وحدها، بل أيضاً في المناطق التي تمتلك ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً وأمنياً، ولا سيما شمال وشرق البلاد، حيث تتداخل ملفات النفط والغاز، وأمن الحدود، والعلاقات مع العراق وتركيا، فضلاً عن الوجود العسكري الدولي. ومن هنا، فإن أي حضور فرنسي في تلك المناطق يمنح باريس ورقة إضافية في المفاوضات المتعلقة بمستقبل سوريا.

في المقابل، تواجه الحكومة الانتقالية تحديات غير مسبوقة. فهي مطالبة، في آنٍ واحد، بإعادة بناء مؤسسات الدولة التي أنهكتها سنوات الحرب، وتحقيق الأمن والاستقرار، وإطلاق عجلة الاقتصاد، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات، وإدارة السلطة حسب رؤية مرسومة لهم، والتعامل مع ملفات المرحلة الانتقالية، وعودة النازحين واللاجئين، وإصلاح الأجهزة الأمنية، وإعادة صياغة العقد الاجتماعي حسب ما يناسب الأجندة الخارجية.

ويجري كل ذلك في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها المصالح التركية والإيرانية والعربية والأوروبية والأمريكية والإسرائيلية داخل الجغرافيا السورية، ولكل طرف أولوياته الأمنية والسياسية والاقتصادية، التي قد تتوافق أحياناً وتتعارض في كثير من الأحيان. وهذا يعني أن الحكومة الانتقالية لن تتحرك في فضاء سياسي مفتوح، بل ضمن شبكة دقيقة من التوازنات التي تفرض عليها حسابات معقدة في كل قرار داخلي أو خارجي.

لقد تجاوز المشهد السوري منذ سنوات كونه ملفاً محلياً، ليصبح جزءاً من عملية إعادة تشكيل الشرق الأوسط بأكمله. فالتنافس في شرق البحر المتوسط على مصادر الطاقة وخطوط نقل الغاز، والتحولات في العلاقات العربية، والتنافس التركي ـ الإيراني، والدور الإسرائيلي، والحضور الأمريكي والروسي، كلها عوامل تجعل من سوريا إحدى أهم ساحات إعادة رسم موازين القوى في المنطقة.

ومن ثم، فإن أي حدث أمني يقع في دمشق لا يمكن فصله عن هذه البيئة الاستراتيجية الأوسع. فالتفجير لا يقتصر تأثيره على الجانب الأمني، بل ينعكس أيضاً على المناخ السياسي، وثقة المستثمرين، وحسابات الشركات الدولية، وتقييم الدول لمدى قدرة السلطة الجديدة على فرض الاستقرار. فالأمن لم يعد مجرد مسألة داخلية، بل أصبح أحد أهم عناصر التنافس السياسي والاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب.

وفي هذا السياق، يمكن فهم التفجير بوصفه رسالة متعددة المستويات. فهو، أولاً، يذكر بأن الاستقرار السوري لا يزال هشاً، وأن المرحلة الانتقالية لم تبلغ بعد مستوى الحصانة الأمنية الكاملة. وهو، ثانياً، يبعث برسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن طريق إعادة الإعمار لن يكون خالياً من التحديات. وهو، ثالثاً، يضع الحكومة الانتقالية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على حماية العاصمة، وتأمين مؤسسات الدولة، وإقناع الداخل والخارج بأنها قادرة على احتكار استخدام القوة في إطار القانون وترسيخ سلطة الدولة.

ولا يمكن إغفال أن مثل هذه الأحداث تؤثر مباشرة في القرارات الاقتصادية. فالمستثمرون لا ينظرون إلى حجم الفرص وحده، بل ينظرون أيضاً إلى مستوى المخاطر. وكلما ارتفعت المخاطر الأمنية، ارتفعت كلفة الاستثمار، وتأخرت مشاريع إعادة الإعمار، وتباطأت حركة رؤوس الأموال، بما يتيح للقوى المتنافسة إعادة ترتيب أوراقها السياسية والاقتصادية.

أما الملف الكوردي، فإنه يظل أحد أكثر ملفات المرحلة الانتقالية حساسية، نظراً إلى تشابك أبعاده الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية. وسيكون لمسار العلاقة بين الحكومة الانتقالية والإدارة الذاتية أثر مباشر في تحديد شكل الدولة السورية المقبلة، سواء من حيث توزيع السلطات، أو طبيعة الإدارة المحلية، أو شكل النظام السياسي، أو العلاقة بين المركز والأطراف.

وفي تقديري، فإن نجاح أي مشروع لبناء سوريا جديدة لن يكون ممكناً من دون معالجة هذا الملف ضمن رؤية وطنية شاملة، تقوم على الشراكة السياسية، والاعتراف بالتعددية القومية والثقافية، وإعادة بناء الثقة بين مختلف المكونات السورية، بعيداً عن سياسات الإقصاء التي أسهمت في إنتاج الأزمة طوال العقود الماضية.

ومن زاوية أوسع، تبدو سوريا اليوم وكأنها انتقلت من مرحلة «الصراع على السلطة» إلى مرحلة «الصراع على شكل الدولة». فالدستور المقبل، وطبيعة النظام السياسي، والعلاقة بين المركز والأطراف، وإصلاح المؤسسة العسكرية، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وتوزيع الثروة، وإدارة الموارد الطبيعية، كلها ملفات أصبحت جزءاً من معركة النفوذ الجديدة، وربما ستكون أكثر حساسية من المعارك العسكرية التي عرفتها البلاد خلال السنوات الماضية.

كما أن إعادة الإعمار نفسها لن تكون عملية محايدة. فكل مشروع اقتصادي كبير، وكل ميناء، وكل طريق دولي، وكل عقد استثماري، وكل خط لنقل الطاقة، سيحمل في داخله بعداً جيوسياسياً يتجاوز قيمته الاقتصادية. ولذلك، أصبح الاقتصاد أحد أهم أدوات النفوذ في سوريا الجديدة، وربما يفوق تأثيره السلاح في رسم موازين القوى خلال العقد المقبل.

ولا ينبغي أيضاً إغفال أن القوى الدولية والإقليمية، رغم اختلاف مصالحها، تدرك حقيقة أساسية، وهي أن الطرف الذي ينجح في ترسيخ حضوره داخل مؤسسات الدولة السورية الجديدة سيحصل على نفوذ يمتد لعقود، سواء عبر الاقتصاد، أو الأمن، أو السياسة، أو الثقافة، أو العلاقات الدبلوماسية. ولهذا السبب، فإن التنافس الحقيقي قد بدأ بالفعل، بعد أن هدأت، نسبياً، أصوات المدافع.

إن سوريا تقف اليوم أمام مفترق تاريخي لا يتعلق بإعادة بناء ما دمرته الحرب فحسب، بل بإعادة تعريف الدولة نفسها. فالسؤال المطروح لم يعد: من يحكم دمشق؟ بل أصبح: أي دولة ستولد من تحت أنقاض الحرب؟ وهل ستكون دولة مركزية تعيد إنتاج الماضي، أم دولة حديثة تقوم على المشاركة، والتعددية، واللامركزية، وسيادة القانون؟

ويبقى أن تفجير دمشق، في هذا السياق، لا يمكن عزله عن هذه التحولات الكبرى. فهو ليس مجرد حادث أمني، بل مؤشر على أن الصراع دخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة توزيع النفوذ، وإعادة رسم الخرائط السياسية والاقتصادية والأمنية في سوريا.

وربما تكون أخطر حقيقة تفرض نفسها اليوم أن الحرب العسكرية، على قسوتها، كانت أقل تعقيداً من المرحلة الراهنة. فالمعارك العسكرية كانت تحدد من يسيطر على الأرض، أما معارك اليوم فهي التي ستحدد من يسيطر على المستقبل، ومن يكتب الدستور، ومن يبني الاقتصاد، ومن يرسم هوية الدولة، ومن يمتلك القرار السياسي لعقود قادمة.

ومن هنا، فإن زيارة الرئيس الفرنسي، والتفجير الذي تزامن معها، والتحركات الدبلوماسية، والنقاشات المتعلقة بإعادة الإعمار، والحوار حول مستقبل الإدارة الذاتية، ليست أحداثاً منفصلة، بل حلقات في مشهد استراتيجي واحد، عنوانه: من سيرث سوريا الجديدة؟ ومن ستكون له الكلمة الفصل في رسم ملامحها السياسية والأمنية والاقتصادية، في شرق أوسطٍ لا تزال خرائطه الجيوسياسية قيد إعادة التشكل.

 

شارك المقال :

5 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جوان عصمت سيدا بحكم عملي السابق في شعبة آثار القامشلي وترأسي للشعبة بين سنوات 2006 – 2010 أود توضيح بعض الحقائق من منظور أثري وقانوني. ينص قانون الآثار السوري رقم ( 222) لعام 1963 وتعديلاته لعام 1999، المستند إلى المبادئ والتشريعات الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي ( ان كل مخلف مادي ثابت أو منقول يتجاوز عمره 200 سنة ميلادية أو…

حسن قاسم إن إعلان جماعة متطرفة (العصائب الحمراء) مسؤوليتها عن التفجيرات الأخيرة في دمشق، مع تهديدها بتنفيذ المزيد من العمليات، يجب أن يدق ناقوس الخطر ليس للسوريين وحدهم، بل للمجتمعين الإقليمي والدولي أيضاً. فالإرهاب الذي اعتقد كثيرون أنه هُزم عسكرياً لم يختفِ، بل بقيت خلاياه وأفكاره قادرة على استغلال أي فراغ سياسي أو أمني. لقد أثبتت السنوات الماضية أن القضاء…

مهند محمود شوقي لم تعد المدن الحديثة تُبنى بالخرسانة وحدها، فنجاح المدينة في القرن الحادي والعشرين لا يُقاس فقط بعدد الطرق والجسور والمباني التي تنشئها، بل بقدرتها على توفير بيئة تجعل حياة الإنسان أكثر جودة واستقراراً. فالمساحات العامة، والطاقة المستدامة، والأمن المائي، والهوية الحضرية، أصبحت اليوم جزءاً من تعريف التنمية بقدر أهمية البنية التحتية التقليدية. ومن هذا المنطلق،…

د. محمود عباس تركيا في الناتو: السلاح، سوريا، إيران، والكورد تتحرك تركيا في قمة الناتو من موقع “الدولة المضيفة”، لا من موقع العضو العادي. فهي تريد أن تعرض نفسها بوصفها عقدة جغرافية وعسكرية وسياسية لا يستطيع الحلف تجاوزها: البحر الأسود، سوريا، القوقاز، الشرق الأوسط، أوكرانيا، ملف الطاقة، وخطوط التماس مع روسيا وإيران. لذلك لن تكون مطالب أنقرة محصورة في بند…