حسن قاسم
إن إعلان جماعة متطرفة (العصائب الحمراء) مسؤوليتها عن التفجيرات الأخيرة في دمشق، مع تهديدها بتنفيذ المزيد من العمليات، يجب أن يدق ناقوس الخطر ليس للسوريين وحدهم، بل للمجتمعين الإقليمي والدولي أيضاً. فالإرهاب الذي اعتقد كثيرون أنه هُزم عسكرياً لم يختفِ، بل بقيت خلاياه وأفكاره قادرة على استغلال أي فراغ سياسي أو أمني.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن القضاء على ما سمي بـ”دولة الخلافة” لم يكن ليتحقق لولا التضحيات الكبيرة التي قدمتها القوات التي قاتلت تنظيم داعش على الأرض، وفي مقدمتها القوات الكردية ضمن التحالف الذي واجه التنظيم، وبإسناد من التحالف الدولي. وقد دفعت تلك القوات ثمناً باهظاً من دماء آلاف المقاتلين والمقاتلات في معارك لم تكن دفاعاً عن مناطقهم فحسب، بل عن الأمن الإقليمي والدولي أيضاً.
واليوم، ومع عودة الحديث عن نشاط الجماعات المتشددة، يصبح من الضروري النظر إلى القضية الكردية في سوريا باعتبارها جزءاً من معادلة الاستقرار، لا قضية هامشية يمكن تأجيلها أو تجاهلها. فبناء دولة سورية مستقرة يتطلب معالجة جذور الأزمات السياسية، وإقرار نظام ديمقراطي تعددي يقوم على اللامركزية، ويكفل الحقوق المتساوية لجميع مكونات الشعب السوري، وفي مقدمتها الشعب الكردي.
كما أن تحقيق العدالة الانتقالية يشكل ركناً أساسياً لمنع عودة التطرف، من خلال محاسبة مرتكبي الانتهاكات، وإنصاف الضحايا، وبناء مؤسسات دولة تحترم القانون وحقوق الإنسان. فالشعور بالعدالة والانتماء إلى دولة عادلة يقلل من فرص استغلال الجماعات المتشددة لحالة الإحباط والتهميش.
لقد أثبت الكرد، عبر سنوات الحرب ضد تنظيم داعش، أنهم كانوا في طليعة القوى التي واجهت الإرهاب، وأسهموا بصورة كبيرة في الحد من تهديده. ومن هذا المنطلق، فإن إشراكهم بصورة عادلة في صياغة مستقبل سوريا، وضمان حقوقهم الدستورية والسياسية، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مكسباً لفئة بعينها، بل كجزء من بناء دولة أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة عودة التنظيمات المتطرفة.
إن مكافحة الإرهاب لا تقتصر على العمليات العسكرية، بل تحتاج أيضاً إلى تسوية سياسية عادلة تعالج أسباب الصراع، وتعزز الشراكة الوطنية، وتمنع إنتاج بيئات جديدة للتطرف. فاستقرار سوريا وأمن المنطقة يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بقيام دولة ديمقراطية لا مركزية، تحترم التعددية، وتضمن حقوق جميع مواطنيها، بما يسهم في إغلاق الطريق أمام عودة الإرهاب بأشكاله المختلفة.