المجلس الوطني الكوردي انتهت المفاعيل القديمة

شفان إبراهيم

أصدر المجلس الوطني الكوردي بياناً سياسياً في 29-6-2026، رداً على ما ورد في اجتماع بعض الأحزاب السياسية الكوردية، المُنعقد في قامشلو قبل أيام، حيث حُمل المجلس مسؤولية فشل الوفد، وتوصيفه بالوقوف في غير الصف الكوردي. البيان حمل طابع تصعيد سياسي سلمي واضح، واضعاً كُل حمولة الفشل وغياب حركة الوفد الكوردي المنبثق عن كونفرانس 26نيسان 2025، في ملعب قوات سوريا الديمقراطية والاتحاد الديمقراطي…

وكي لا يبقى البيان أثراً بعد عين، وأن لا تعود حالة الخمول والهشاشة التنظيمية والفاعلية الغائبة، لتستمر من جديد. فإنه من الضرورة بمكان القول: لم تعد مفاعيل وآليات عمل المجلس الوطني الكوردي، تأتي بمفعولها ضمن سياق العمل السياسي والشأن العام بتفرعاته ضمن سورية الجديدة.

 فالواقع والمعطيات تغيرت، والنظام السياسي الجديد، ليس هو نفسه بآلياته وأدواته التي كانت موجودة، خلال فترة الإعلان عن المجلس الوطني الكوردي. ولا الثورة التي انخرط بها المجلس، لا تزال مستمرة، وبل حتى حلفاء المجلس ضمن الائتلاف المعارض، توزعوا مابين الانضمام للسلطة، أو الاكتفاء بموقف المتفرج حالياً.

ومُنافسه السياسي، او من كانوا على خصومة سياسية، حزب الاتحاد الديمقراطي، يبحث في كل الاتجاهات، للسيطرة على كامل التمثيل الكوردي، سواء عبر الاستثمار في اتفاقية 29كانون الثاني 2026، أو عبر “تمريق” ما يُمكنه من فعله، ضمن مسارات ذلك الاتفاق، وأخرها قضية التعليم والاعتراف السوري الرسمي بالشهادات الصادرة عن المرحلة الثانوية والإعدادية، وهو ما سيُلزم عنه الاعتراف بالتعليم العالي التابع للإدارة الذاتية، حُكماً.

إضافة إلى أن القواعد الاجتماعية التي كان المجلس الكوردي يُعول عليها، هي الأخرى ستبحث عن مسارات عيشها ومصالحها، في حال بقي المجلس بهذه العقلية.  

المجلس تأسس ضمن حالة ثورية ومرحلية، وهو ائتلاف يضم حالياً 16 حزباً، وتنظيمات شبابية ونسائية، ووجهاء من المجتمع الكوردي، أنضم للائتلاف المعارض، ورفض الحوار مع النظام السوري السابق، مراراً، كُرمة للسوريين ودمائهم، وكموقف مبدأي من الانخراط ضمن صفوف الثورة السورية. شكلت بعض أحزابه نسق تأريخي وسياسي للقضية الكوردية منذ بدايات تشكيل أول حزب كوردي في سوريا عام1957.

شهد المجلس مدً وجذبً خلال سنوات الثورة، عبر انسحاب بعض أحزابه وانضمامه إلى صفوف الإدارة الذاتية، أو فصل بعضهم الأخر، وضم أحزاب أخرى. لكن رغم كل ذلك، فإن الواقع اليوم تغير، والسلطة الموجودة في دمشق، تُبدي انفتاحاً على القضية الكوردية، وماعاد من الممكن التعامل وفق اليات ما قبل سقوط النظام البائد.

فالبطء في اتخاذ القرار، وكثافة الاجتماعات، وفقدان ابسط (ألف باء) العمل الحوكمي، من دادا بيانات، الى تجميع النُخب، والفواعل المجتمعيين وذوي المصلحة، وشبكات التضامن الاجتماعي، مروراً بالمشروع الواضح، ووصولاً إلى استغلال اللحظة وما أفسح من مجال، خاصة بعد اللقاء مع الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية السيد اسعد الشيباني، ماعاد مقبولاً العودة دوماً للمربع الأول، أو البحث عن لقاءات ما دون مستوى السياسي للقاء مع رأس الهرم في سورية، كل ذلك تُشكل عوائق مكثفة أمامه.

التعامل مع سلطة وحكومة قائمة، تحظى بدعم دولي واقليمي، غيرها أيام العمل السياسي سواء السري قبل 2011، أو التعامل مع نظام مجرم رعديد خلال الثورة. اليوم توجد حكومة، يُقال عنها مؤقتة، أو انتقالية، أو جولانية، ناجحة أو فاشلة، كُل ذلك لا يُغير من حقيقة وطبيعة أن السلطة الحالية، أول سلطة في تاريخ سورية تُقدم خطوات ملموسة باتجاه الحلول، وأن كانت لا تزال تحتاج للكثير من التطوير والتغيير. واصبح للمجلس أعضاء وقيادات ضمن البرلمان السوري، وهي فرصة مهمة للانخراط أكثر في مفاصل الدولة.

بالمقابل فإنها -السلطة- تتجه للتعامل مع قسد أكثر من التعامل مع المجلس الكوردي، رغم أن السلطة تعي جيداً، إن النفس والمزاج السياسي، والتوجه والموقف من مجمل القضايا هو اقرب للتقاطع بين دمشق والمجلس الكوردي، أكثر من قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، لكن الحكومة أيضاً تنطلق من مُحددين، أن تلك الجهات لها وجود فعلي وواقعي على الأرض وهم داخلون في اتفاقية موقعة بينهم، إضافة للعامل الحركي الفاعل لدى الإتحاد الديمقراطي المتحكم بالإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطية (مسد) وقوات سوريا الديمقراطية(قسد).

مقابل بطء وتلكأ وغياب المُحرك الفاعل ضمن المجلس الكوردي، وبطء في إصدار الموقف. غياب رسم السياسات، وآليات عمل المجلس وتأخره في إصدار أي بيان أو موقف، وغياب أوراق القوى لديه، ضعف أداء المكتب الإعلامي، غياب أيَّ أذرع مدنية للعمل والتشبيك، تجميد العلاقات والتواصل الفاعل مع مراكز القوى وصنع القرار ضمن السطلة، كُلها مُثبطات العمل السياسي ضمن المجلس. ولعل أخطر تلك المُثبطات هو غياب خطة العمل أو سؤال ما العمل.

عموماً: ورغم أن المجلس الكوردي، لم يتسبب بالمشاكل مع دول الجوار، أو تهجير الشباب، أو التلاعب بمستقبل الطلاب وغيرها من الإشكاليات التي عصفت بالمجتمع الكوردي، لكن الاكتفاء بهذه السردية ماعاد يُجدي نفعاً. خاصة وأن المجلس وضع ثقل كبير ضمن الوفد المشترك المنبثق عن كونفرانس 26نيسان لعام2025، على أمل تحقيق وحدة الموقف السياسي الكوردي، لكن دون أن يتطور أو يتقدم خطوة واحدة، وبل دون أن تُبادر -كما قال البيان- قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لتوليفة تمثل المؤتمر خلال مختلف لقاءاته مع السلطة، خلال الفترة الماضية.

قصارى القول: المنطقة مقبلة على انتخابات مجلس البلديات والمحافظة، بعد انتخابات مجلس الشعب. ورغم إنها لن تكون انتخابات بالمفهوم المتعارف عليه، أو مُباشرة. لكن غياب المكتب الانتخابي، وآليات الترشيح والاعتماد، إضافة لوجود عشرات الملفات المهمة التي يُمكن للمجلس الكوردي الاشتغال عليه، وستجعل منه يتقدم خطوات في معادلة التمثيل الكوردي. لا يزال كل ذلك مُعلقاً، وغالباً إنه سيبقى مُعلقاً.

ولا تشكل الخصومة الخطر الأكبر أمام أيّ مشروع سياسي، بل عجزه عن تجديد نفسه. ففي كل مرة تتسع فيه المسافة بين المؤسسة والقاعدة، تتحول المراجعة والتصويب إلى ضرورة وليس خيّاراً تنظيمياً. لذا يقف المجلس الكوردي أمام اختبار تاريخي حقيقي: التحول إلى إطار سياسي قادر على إنتاج المبادرة وصناعة الأمل، أو البقاء اسير حسابات الماضي.

لذا فإن جوهر أزمة المجلس الوطني الكوردي، ليست بالدرجة الأولى، أزمة أشخاص فقط، بقدر ما يتعلق برؤية وأدوات وآليات عمل. ففي السياسية لا تُقاس قيمة المؤسسات بما تمتلكه من شعارات، بل في قدرة تحويل إرادة ورغبة المجتمع المحلي إلى فعلٍ سياسي واضح.

حالياً يقف المجلس الكوردي بين الجمود والتجديد، تقف لحظة الحقيقة الواضحة، مُراجعة نقدية شجاعة، تُعيد بناء الثقة وتؤسس لثقافة سياسية ومؤسساتية، وهذه الأخيرة غير موجودة ابداً، أو الاستمرار في دائرة التراجع وفقدان التأثير.

فالأمم تتقدم بالأفكار المتجددة. والحركات السياسية تبقى حية، بقدر ما تمتلك من شجاعة النقد وإرادة الإصلاح. والتاريخ لا يرحم القوى التي تتأخر عن استحقاق التغيير، والشعوب أيضاً لا تنتظر طويلاً من يعجز عن مواكبة تطلعاتها.

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

تتابع المنظمة الآثورية الديمقراطية بقلق بالغ قرار هدم مبنى بلدية القامشلي التاريخي، لما يمثله هذا المبنى من قيمة تاريخية وثقافية وعمرانية تتجاوز كونه منشأة خدمية، إذ يُعد أحد أبرز الشواهد على تاريخ المدينة، ويشكل جزءًا من ذاكرتها الجماعية وإرثها الحضاري الذي يخص جميع أبنائها بمختلف مكوناتهم من عرب وكورد وسريان آشوريين وأرمن. ويكتسب هذا الحدث أهمية مضاعفة لوقوعه بالتزامن مع…

روني علي هم أنفسهم .. حين تستمر في عملك الحزبي يقولون عنك تابع وخانع ووو.. حين تستقيل يقولون كان القرار تحت ضغط أو تأثير أو او او .. حين تنسحب يقولون عنك القرار جزء من مؤامرة على حزبه حين تنشق وتشكل مشيختك يقولون ما يقولون .. اما أنا فأقول .. مارس قناعاتك سواء داخل حزبك أو خارجه وحاول أن تجسد…

صلاح بدرالدين تتوالى الانسحابات من مستويات مختلفة من معظم الأحزاب الكردية ، ولم تهدأ موجة الانقسامات التي تحصل بين الحين والآخر في هياكلها التنظيمية ، والاسباب الحقيقية عديدة ولكن يتم التركيز غالبا على الافراد مع غياب القضايا الفكرية ، وحتى المواقف السياسية ، وفي جميع الأحوال فانها تدور حول العامل الذاتي بشكل عام ، وكما أرى ومهما تعددت الأسباب المعلنة…

فيصل اسماعيل   لا تُقاس مكانة الدول العظمى بعدد المعارك التي تربحها، بل بقدرتها على تحويل تلك الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية دائمة. والتاريخ مليء بأمثلة لدول خرجت متفوقة عسكريًا، لكنها فقدت مكانتها الدولية بسبب إخفاقها في تحقيق أهدافها السياسية. لقد دخل الاتحاد السوفيتي أفغانستان وهو إحدى أعظم القوى العسكرية في العالم، وحقق تفوقًا عسكريًا في معظم مراحل الحرب، لكنه…