محاولة في فهم أسباب  انهيار الحزب الكردي السوري ( ١ – ٢ )

صلاح بدرالدين

    تتوالى الانسحابات من مستويات مختلفة من معظم الأحزاب الكردية ، ولم تهدأ موجة الانقسامات التي تحصل بين الحين والآخر في هياكلها التنظيمية ، والاسباب الحقيقية عديدة ولكن يتم التركيز غالبا على الافراد مع غياب القضايا الفكرية ، وحتى المواقف السياسية ، وفي جميع الأحوال فانها تدور حول العامل الذاتي بشكل عام ، وكما أرى ومهما تعددت الأسباب المعلنة فان هذه الأزمة أعمق بكثير وتعود الى فشل العمل الحزبي الكردي السوري بتركيبتها الراهنة المعمول به منذ اكثر من سبعة عقود ، وانتهاء دورها ، وضرورة الانتقال الى مرحلة جديدة من النضال القومي – الوطني في حركة واسعة ، ديموقراطية ، شرعية ، منتخبة تضم سائر التيارات الفكرية ، والثقافية ، والمواقف السياسية ، تتماشى مع مستوى الوعي السائد ، وترتقي الى مصاف الحركات السياسية الديموقراطية المدنية بمواصفات المتطلبات الراهنة في سوريا العهد الجديد .

في العقود الثلاثة الأخيرة وبنهايتها على وجه الخصوص ، ظهرت في الساحة الكردية السورية وفرة في أحزاب  مع قلة في قيادات الصف الأول المقرر تتوفر فيها الحد الأدنى من شروط النضال ، والمعرفة ، والتضحية ، والابداع الفكري والثقافي ، ووضع مصالح الشعب والوطن فوق اية اعتبارات أخرى ، وأثبتت التجربة انه كلما ازدادت اعداد – التنظيمات الحزبوية – دب الانقسام والتفكك في الحركة الوطنية الكردية ، وتحل الولاءات الحزبية الفئوية محل الولاء للشعب والوطن ، ويعمق الاستقطاب المحاوري الخارجي ، وتراجع مبدأ استقلالية القرار ،  صحيح ان هذه السيولة الحزبوية ظهرت في الساحة ولكنها لم تكن نتاج عملية ديموقراطية سليمة في وضع طبيعي ، بل لعبت العوامل الخارجية الدور الأكبر والتي كما نعلم ليست أصيلة ، ووقتية وغير مستقرة ، وليست دائمة .

معظم الأحزاب اما هروب نحو الامام، او تراجع  نحوالخلف

حزب – ب ي د – الذي ( قاد )  سلطة الامر الواقع، وجميع المسميات الاخرى المرتبطة بنهج الحزب الام – ب ك ك – وامام ازمتهم المتفاقمة، وعجزهم عن إيجاد الحلول لها ، ولان دورهم بالأساس وظيفي – تنفيذي، منوط بهم إيجاد (قنديل رقم ٢) في المناطق الكردية السورية بقوة السلاح وباي ثمن، خطوا خطوات في الهروب الى الامام حيث تخلوا عن النهج القومي، ومبدا حق تقرير المصير، والعمل القومي والوطني المشترك، بل شاركوا النظام في محاربة ثورة الشعب السوري، وذهبوا بعيدا بالتورط في الالاعيب الإقليمية وبينها المذهبية، وخدمة اجندات الأنظمة الغاصبة ،وانتقلوا الى رفع شعار لا لون ولاطعم ولا معنى له وهو (الامة الديموقراطية)، هذا الشعار نفسه ابتدعه زعيمهم – اوجلان – خلال مرحلة التراجع الاستراتيجي في ساحة كردستان تركيا.

 اما (الحزب الديموقراطي الكردستاني – سوريا) فهرب في مؤتمره الأخير نحو الخلف بعد تفاقم ازمته البنيوية، فبدلا من معالجتها واجراء المراجعة النقدية، والعمل على توسيع دائرة التحالفات، واستيعاب المزيد من التيارات، بما فيها الكتلة التاريخية الوطنية المستقلة، بدلا من كل ذلك فك تحالفه الذي بني عليه أصلا، بطرق ملتوية غير شرعية، وبتدخل خارجي، خاصة وانه بني أساسا كاتحاد سياسي على قاعدة تعاقد طوعي بين بقايا امتدادات (مؤتمر الدواودية) ومجموعات (الاتحاد الشعبي السابق او آزادي) ومجموعة أخرى،  رجوع هذا الحزب نحو الخلف تجلى في مؤتمره الأخير بالعودة الى العصبوية الحزبية النفعية الضيقة، وهو مسار بعكس منطق التطور، ومتطلبات النضال الكردي السوري.

 الذين يعبئون نفوس ومشاعر أصحاب النزعة الحزبوية الضيقة اللاتاريخية، او الذين يدعون الى الانتقام الشخصي باحياء أحزاب جديدة، هم جميعا يسيرون في نهج تدميري واحد، ووجهان لعملة واحدة، ولا ينطلقون من مفهوم معرفي سليم حول الظروف الراهنة المحيطة بالحركة الكردية السورية المفككة بالأساس، انه استمرار في الدوامة، وعدم معرفة بالمهام التي يجب إنجازها بمثل هذه الحالات، في سبيل اعادة بناء الحركة على أسس سليمة، وتجاهل لاهم درس استقيناه في تجربتنا وهو عدم جدوى العمل الحزبي بشكله الراهن هنا او هناك، وضرورة اللجوء الىى بناء حركة كردية واسعة شرعية منتخبة بالمؤتمر الجامع، تضم كل التيارات الفكرية، والثقافية، والتعبيرات التنظيمية المدنية، عمادها الوطنييون المستقلون.

  ان الهروب المزدوج للامام والخلف من جانب أحزاب طرفي الاستقطاب، ومواصلة تكرار التجارب الفاشلة، يلحقان الضرر الفادح بالكرد، وقضيتهم، ويعرقلان المساعي الجادة في إعادة بناء الحركة، وصياغة المشروع القومي والوطني للكرد السوريين.

سقوط الحزب الكردي السوري التقليدي 

– منذ عام ٢٠٠٤ تحديدا اميط اللثام نهائيا عن حقيقة انتهاء دور الأحزاب الكردية السورية بعد ان تخلفت عن الاشتراك بل قيادة  الهبة الدفاعية الشعبية المجيدة التي لم تتوفر شروط تحولها الى انتفاضة قومية – وطنية، وباتت هزالتها  مكشوفة امام الملأ، وبدا يظهر عمق ازمتها علىى مختلف الأصعدة: الفكرية، والسياسية، والتنظيمية، وانحسار النفوذ بالوسط الشعبي، وتاليا فقدان الاستقلالية في القرار، والتبعية المطلقة اما للنظام او للخارج، وانتشار الفساد المالي، والأخلاقي بين أوساط المسؤولين المتنفذين، وظهور فئات مستفيدة وامراء حرب بين طرفي الاستقطاب.

  فقد  شكلت الانتفاضة الثورية السورية كاحدى تجليات ربيع الثورات نهاية حقبة النموذج الحزبي الكردي القديم المناقض أساسا لفكرة التغيير الديموقراطي واسقاط نظام الاستبداد والسائر أصلا في فلك مشروع النظام تجاه مصير السوريين والقضية الكردية  بكل تجلياتها السياسية. .

في السنوات الأولى من انبثاق التنظيم الحزبي الاول  غلب فيها الطابع القومي العفوي، وحلت العواطف، والمشاعر الجياشة – وهي متوقعة لدى أي شعب يعاني الحرمان لقرون  – حيث تضمن منهاج الحزب بندا ينص على (تحرير وتوحيد كردستان الكبرى)، وبعد حملة الاعتقالات بموجتيها، ووقوف أعضاء القيادة امام المحاكم، ومواجهة التبعات القانونية في دولة نظامها دكتاتوري امني شوفيني، حصلت نقاشات ، واختلافات بالرأي بين النخب المسؤولة وهم ضمن جدران السجن، ولم يمضي بضع سنوات حتى انتقلت السجالات الى التنظيمات الحزبية، وخيم الذهول، والعجز في تشخيص الازمة، مما سادت – الشخصنة – وازدهرت عملية اصطفاف التكتلات – المتمردة – على الحزب عموما، والولاءات لهذا القيادي اوذاك، ولم يبق أي اثر لموقف قومي جامع واحد، وكان ذلك كفيلا بتوجيه الأنظار الى العمق الكردستاني  كمخرج او مهرب، وكتعبير عن العجز في معالجة الازمة.

   للبحث صلة ……

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم ليست المشكلة في كثرة الأحزاب بحد ذاتها، فالتعددية السياسية قد تكون علامة صحة في المجتمعات الديمقراطية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأحزاب إلى مجرد دكاكين سياسية، لا همّ لها سوى اقتناص حصتها من المال السياسي، والاتجار بمعاناة الناس، واستثمار القضية الكوردية لتحقيق مكاسب ضيقة لا تمت إلى المصلحة العامة بصلة. في روجافاي كوردستان، تجاوز عدد الأحزاب المئة، لكن…

شادي حاجي تُطرح فكرة المواطنة المتساوية في سوريا بوصفها أحد المفاتيح الأساسية لبناء دولة حديثة قادرة على استيعاب تعددها القومي والديني والطائفي. لكن هذا المفهوم يبقى عرضة للتأويل وسوء الفهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقضية الكردية. فماذا تعني المواطنة المتساوية للكُرد؟ وهل تقتصر على منحهم الوثائق الرسمية والاعتراف بهم كمواطنين أمام القانون، أم أنها تتجاوز ذلك إلى الاعتراف بهم…

عبداللطيف محمد أمين موسى إن الظروف والتحديات والمتغيرات والتحولات السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية والأخلاقية التي رافقت قيام الدولة سوريا الحديثة منذ عشرينات القرن المنصرم خلال الاستعمار الفرنسي، لا يمكن من خلالها القفز فوق الحقائق المثبتة بوقائع الأحداث؛ الا وهي مشاركة الشعب الكُردي جميع المكونات السورية فكرة بناء وتأسيس الدولة السورية الحديثة، ولطالما حاول نظام البعث المنطلق من مبادئه…

تتابع الأمانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا بقلق بالغ وإدانة شديدة استمرار الاعتداءات والقصف الذي يتعرض له إقليم كوردستان العراق، ولا سيما المناطق الحدودية ومخيمات اللاجئين الكرد من شرق كردستان، على يد الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له، في انتهاك صارخ لسيادة جمهورية العراق والقانون الدولي، واستهدافٍ مباشر للمدنيين واللاجئين. إن هذه الهجمات، التي تطال إقليماً شكّل ملاذاً آمناً…