مقالات

الأحزاب والأطر السياسية الكردية في سوريا الجديدة: إما أن تصنعوا رؤيتكم أو تُصنع لكم

شادي حاجي
يقف الشعب الكردي في سوريا أمام لحظة سياسية مفصلية لا تحتمل التأجيل. فسوريا التي عرفناها لم تعد هي سوريا اليوم، والسلطة الانتقالية في دمشق تعمل على إعادة بناء الدولة وترتيب موازين القوى، فيما يدخل الوضع الكردي، بعد سنوات من الحرب والتضحيات والعمل السياسي، مرحلة جديدة عنوانها الأساسي: كيف نضمن حقوق الشعب الكردي في سوريا الجديدة؟
قدّم الكرد تضحيات كبيرة، وحققوا بعض المكاسب، لكنهم دفعوا أيضاً أثمان الانقسام وتضارب الأولويات والحسابات الحزبية، فضلاً عن عدم تفعيل الرؤية السياسية الكردية المشتركة والوفد الكردي المشترك بالشكل الذي يمكّنهما من التأثير في مسار الأحداث والتفاوض على حقوق الكرد.
وليس من الحكمة أن ندخل المرحلة الجديدة بعقلية المرحلة السابقة، أو أن نستمر في سجالات تستنزف طاقتنا وقدرتنا على التأثير.
المطلوب اليوم ليس البحث عن رؤية جديدة، بل تفعيل الرؤية السياسية الكردية المشتركة القائمة، وتحويلها من توافق سياسي إلى قوة فعل وتأثير وتفاوض.
وهذا يتطلب مراجعة شجاعة للتجربة الكردية: ما الذي نجح؟ وما الذي أخفق؟ وأين أخطأنا في قراءة التحولات السورية والإقليمية والدولية؟ وكيف نحول ما تحقق من تضحيات ومكاسب، وما تم التوافق عليه من رؤية ومطالب، إلى حقوق سياسية ودستورية وقانونية راسخة؟
فالرؤية السياسية، مهما كانت واضحة، لا تحقق أهدافها ما لم تتحول إلى آليات عمل ومؤسسات فاعلة، ووفد تفاوضي موحد، وخطاب سياسي متماسك، وأدوات تأثير قادرة على التعامل مع دمشق والقوى الإقليمية والدولية.
إن أي ترتيبات جديدة تتعلق بالقوى العسكرية أو المؤسسات القائمة، بما فيها دمجها في مؤسسات الدولة السورية، لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها نهاية للقضية الكردية، كما لا يجوز أن تكون بديلاً عن حلها السياسي. فالسلاح قد يحمي واقعاً مؤقتاً، لكنه لا يصنع وحده حقوقاً دائمة؛ والحقوق التي لا تحميها النصوص الدستورية والقوانين والمؤسسات تبقى عرضة للتراجع.
لذلك، ينبغي أن ينتقل مركز الثقل الكردي من إدارة المناطق إلى إدارة القضية، ومن ردود الفعل إلى المبادرة، عبر تحويل الرؤية المشتركة إلى مشروع سياسي وقانوني واضح، يحدد موقع الكرد في الدولة السورية، ويضمن حقوقهم القومية والثقافية واللغوية، ومشاركتهم السياسية، وشكل اللامركزية، وآليات العدالة الانتقالية، وحقوق المهجرين، وحماية الملكية، وضمانات تنفيذ أي اتفاق سياسي.
أما تجاه السلطة الانتقالية في دمشق، فلا مكان للثقة العمياء ولا للعداء الدائم. المعيار هو الحقوق والمصالح والضمانات. نتحاور عندما يخدم الحوار قضيتنا، ونتفاوض عندما يكون التفاوض منتجاً، ونتمسك بالحقوق الجوهرية عندما تصبح التنازلات تهديداً للمستقبل.
والمطلوب ليس وعوداً سياسية، بل نصوصاً واضحة وضمانات دستورية وقانونية وآليات تنفيذ ومساءلة، بحيث لا تبقى حقوق الكرد رهينة التوازنات السياسية أو التفاهمات المؤقتة.
وفي الوقت نفسه، فإن المصلحة القومية الكردية لا تتناقض مع بناء سوريا ديمقراطية؛ بل إن أفضل ضمان للحقوق الكردية هو قيام دولة مواطنة وقانون، تعددية وديمقراطية، تعترف بتنوعها القومي والثقافي والديني وتحمي حقوق جميع مكوناتها.
وهذا يتطلب تفعيل إطار كردي واسع يضم الأحزاب والقوى السياسية، والمثقفين والأكاديميين والباحثين، والقانونيين والخبراء الدستوريين والدوليين، ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، والنساء والشباب، والإعلاميين والاقتصاديين، والشخصيات الاجتماعية والوطنية، والمستقلين، والكرد في الداخل والمهجر.
إن وحدة الموقف لا تعني إلغاء التعدد السياسي، كما أن تفعيل الرؤية المشتركة لا يعني ذوبان الأحزاب أو إلغاء اختلافاتها. المطلوب هو الاتفاق على القضايا القومية والاستراتيجية الأساسية، وإدارة الاختلافات ضمن إطار يحفظ المصلحة الكردية ويمنع تحول التعدد إلى انقسام يعطل القدرة على الفعل.
الوقت ليس وقت تصفية الحسابات، ولا وقت انتظار ما ستقرره دمشق أو القوى الخارجية نيابة عنا.
فالخطر الأكبر اليوم ليس فقط ما قد يأتي من خارج القضية الكردية، بل أن ندخل المرحلة الجديدة برؤية غير مفعلة، ومبادرات متفرقة، وخلافات داخلية تستنزف قدرتنا على التأثير، بينما تتشكل سوريا الجديدة من حولنا.
لقد تغيرت سوريا، ويجب أن تتغير معها طريقة تفكيرنا وأدوات عملنا.
من حق الكرد أن يطالبوا بحقوقهم كاملة، ومن مسؤوليتهم في الوقت نفسه أن يمتلكوا القدرة السياسية على تحويل هذه الحقوق إلى مشروع واقعي قابل للحياة، وأن يحسنوا إدارة التوازنات السورية والإقليمية والدولية بما يخدم قضيتهم.
الرؤية موجودة، والإرادة موجودة، والتضحيات والتجربة موجودتان. ما ينقصنا هو تفعيل ما تم التوافق عليه، وتحويله إلى فعل سياسي منظم، وموقف تفاوضي موحد، وحضور مؤثر في صياغة مستقبل سوريا.
فإما أن نصنع رؤيتنا لمستقبلنا ونمتلك أدوات تنفيذها، أو تُصنع لنا رؤية لا نملك التحكم في نتائجها.
هذه ليست لحظة انتظار؛ إنها لحظة مراجعة وقرار وتفعيل ومبادرة.
وإلى مستقبل أفضل.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب