إذا لم تدعم أمريكا قيام دولة كوردستان… فهل تخسر هيبتها كما خسرها من سبقها؟

فيصل اسماعيل

 

لا تُقاس مكانة الدول العظمى بعدد المعارك التي تربحها، بل بقدرتها على تحويل تلك الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية دائمة. والتاريخ مليء بأمثلة لدول خرجت متفوقة عسكريًا، لكنها فقدت مكانتها الدولية بسبب إخفاقها في تحقيق أهدافها السياسية.

لقد دخل الاتحاد السوفيتي أفغانستان وهو إحدى أعظم القوى العسكرية في العالم، وحقق تفوقًا عسكريًا في معظم مراحل الحرب، لكنه عجز عن تحقيق أهدافه السياسية، فتحولت الحرب إلى استنزاف ساهم في تراجع هيبته الدولية لموسكو . كما حققت بريطانيا وفرنسا تفوقًا عسكريًا في أزمة قناة السويس عام 1956، لكنهما خرجتا مهزومتين سياسيًا، لتبدأ نهاية نفوذهما العالمي. كما تركت حرب فيتنام، ثم الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، أثرًا كبيرًا في صورة القوة الأمريكية وقدرتها على تحقيق أهدافها السياسية.

واليوم تواجه الولايات المتحدة اختبارًا مشابهًا. فبعد سنوات من الصراع في الشرق الأوسط، لا يكفي إضعاف الخصوم عسكريًا إذا لم يُترجم ذلك إلى واقع سياسي واستراتيجي دائم.(قيام دولة كوردستان )

ومن هذا المنطلق، يرى بعض المحللين أن دعم قيام دولة كوردستان – إذا جاء ضمن توافقات إقليمية ودولية – قد يمثل مكسبًا سياسيًا واستراتيجيًا طويل الأمد،لامريكا وحلفاءها، عبر قيام شريك مستقر في منطقة شديدة الحساسية، بما يسهم في إعادة رسم توازنات القوى والحد من تمدد النفوذ الإقليمي والدولي  للدول المنافسة.

ولا يعني ذلك أن هذا هو الخيار الوحيد أمام واشنطن، لكنه قد يكون، وفق هذا الطرح، من أكثر الخيارات قدرة على تحويل الإنجازات العسكرية إلى نتائج سياسية مستدامة، بعد أن أثبتت أدوات أخرى، كالعقوبات والردع وحدهما، محدودية قدرتها على إحداث تغيير دائم في موازين القوى.

ويبقى السؤال: هل تستفيد الولايات المتحدة من دروس التاريخ، أم تكرر أخطاء القوى الكبرى التي ربحت المعارك وخسرت السياسة؟ فالتاريخ يبين أن مكانة الدول العظمى لا يحسمها التفوق العسكري وحده، بل قدرتها على صناعة نظام سياسي مستقر يحافظ على نفوذها ومصالحهافي المنطقة والاستمرار في قيادة النظام العالمي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…