لا تُختزل القضية في تنظيمٍ ومريديه

ماجد ع  محمد

 

“لا يمكنك أن تكره الآخرين دون أن تكره نفسك”

أوبرا وينفري

 

فور تتويج الملاكم عكيد كابايل بطلًا للعالم في الوزن الثقيل، بدلًا من أن أنطرب بالخبر وأتفاعل مع نبأ فوز كابايل باللقب، رحت أمرِّر من أمام نواظري ملامح الذين يغمهم هكذا خبر، ليس لأن البطل فاز على بطل من أبطالهم، ولا لأن الغالِب انتزع اللقب من أحد أشبالهم، إنما لأن هُوية البطل هي التي تقض مضاجعهم، خصوصًا وأن اللاعب المتوَّج بطلًا عالميًا يعتز بهويته ويفتخر بها؛ ولكن قبل إتمام الحديث عن كابايل وأقرانه سنعرج إلى ديار المصابين بأسقام الشوفينية.

حيث ظل كل من رئيس حزب الحركة القومية التركي، دولت بهجلي، ومن يشاطرونه الرأي والتوجهات في السلطة بتركيا، يسعون جاهدين لإنهاء الوجود الفعلي لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في سوريا، كقوات شبه مستقلة، لها هيكلية متفردة، ولون مغاير وخصوصية، إلى أن تحقق لهم ما أرادوه من خلال التهديد بالانغماسيين ومفخخات أتباع الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع من جهة، وعبر إملاءات الرهينة عبدالله أوجلان من جهة أخرى، وطلب الرهينة من أنصاره هناك بأن يُحققوا آمال بهجلي وعترته، ولو كان ذلك على حساب دماء آلاف الشهداء والجرحى والأسرى والمخطوفين.

كما سعوا طويلًا من قبل لطمس ملامح الهوية الكردية في تركيا بشتى السبل السياسية والعسكرية، إلى أن أقنعوا زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان بالتخلي عن السلاح مقابل وعود خلبية شفاهية، حيث قام بهجلي وأقرانه باستخدام الرهينة عبدالله أوجلان لتنفيذ جل مآربهم، بل ولم يكتفوا بإنهاء فعالية حزب العمال الكردستاني في تركيا فحسب، إنما وبالتعامل مع أوجلان قاموا كذلك الأمر بقصم ظهر الروافد الأوجلانية العسكرية في سوريا أيضًا، بما أن الأخير ما يزال بمثابة المعتقل والرهينة والأسير لديهم، ولا حول له ولا قوة، هذا ناهيك عن أن أوجلان نفسه ليس بتلك البسالة التي تحثه على الوقوف بالضد من رغبات المتحكمين به، لأنه لو كان يمتلكها بالأساس لما فر بالطائرة عام 1998 بحثًا عن خلاصه الشخصي، إنما لتوجه وقتها إلى مواقع أنصاره ومقاتليه في الجبهات، وذلك عندما طالبه حافظ الأسد بالخروج من سوريا إرضاءً للدولة التركية وخوفًا من تهديداتها.

على كل حال لسنا الآن بوارد الحديث عن تفضيلات أوجلان، ونرجسيته، وقدرته على التخلي عن كل شيءٍ غالٍ ونفيس يخص حزبه وملته، لقاء أتفه الأشياء المتعلقة به كفرد، بما أن بهجلي وعترته استطاعوا القيام بشل كل من حزب العمال الكردستاني في تركيا ومجمل روافده في سوريا، سواء من خلال الاتفاق مع أوجلان أو عبر إملاءاتهم عليه، هذا لو فرضنا جدلًا أن أوجلان مُجبر وليس له القدرة على رفض شروطهم، إنما محور حديثنا هو عن القلق الذي ينتاب بهجلي ورهطه تجاه كل ما هو كردي في هذا العالم.

إذ كل ظن مرضى العنصرية في هذا البلد أن الحس القومي والقضية الكردية تُختزل في شخص عبدالله أوجلان وتنظيمه السياسي وأتباعه ومريديه، ولا شك في أن الذي عزَّز تصورهم ذاك هو نجاحهم في نزع السلاح من حزب العمال الكردستاني، وفلاحهم في سحب البساط من تحت أقدام قوات قسد، فبناءً عليه باتوا قيد الاعتقاد بأنهم بذلك قد قضوا على الحس القومي لدى عموم الكرد، إلا أن الوقائع تشير إلى أنهم لن يحصدوا إلا الخيبة بالرغم من كل مخططاتهم، لأن قضية شعب تعداده بالملايين لا تُختزل في زعيم مكبَّل أو حزب مساق، وإشارات فشل تصوراتهم ترسلها قبل كل شيء قرون الاستشعار في أجسادهم، وذلك عقب لمعان أي نجم كردي في سماء المعمورة، وعلامات ذلك أن نجاح أي نفر كردي، في أي مجال كان، ووصوله إلى العالمية سرعان ما يورثهم الذعر ويُصيبهم في النخاع، وعلى إثرها تظهر الاضطرابات النفسية على محيا العنصريين.

والدليل أن بهجلي ومن في حكمه سبق لهم أن أطلقوا سلسلة من التصريحات الاستفزازية عقب زيارة الرئيس مسعود بارزاني العام الفائت إلى جزيرة بوطان إبان مشاركته في منتدى الشاعر الكلاسيكي ملايي جزيري، فمن ناحية بلغ بهجلي وزُمرته مرحلة الهيستريا لمجرد تفاعل الشارع الكردي في تركيا مع بارزاني، ومن ناحية أخرى أبدوا انزعاجهم الجم فور رؤيتهم البيشمركة المرافقة للضيف الزائر وعلى أكتافهم وصدورهم العلم الكردي الذي يخلخل أركان العنصريين، لذا نقول إذا كان مرأى عدد ضئيل من المقاتلين الكرد ممن يحملون شارات كردية صغيرة على أكتافهم يزلزل بنيان الشوفينيين، فما الذي سيصنعه بهجلي وأعوانه مع الآلاف من الكرد حول العالم، ممن يفتخرون بانتمائهم القومي، ويرفعون العَلم الذي يجمعهم، ويذكرون اسم كردستان في المحافل الدولية؟

ومنهم على سبيل الذكر وليس الحصر عكيد كابايل الذي توّج منذ يومين بطلًا للعالم في الوزن الثقيل، وفق ما أعلنه مجلس الملاكمة العالمي WBC عبر صفحته الرسمية على منصة إكس؛ وقبله تمكن الرياضي الكردي فرشاد گيردكانە، من تحقيق إنجاز تاريخي بفوزه بالمركز الأول والميدالية الذهبية في بطولة أوروبا للجوجيتسو التي أُقيمت في العاصمة الإيطالية روما، حيث رفع علم كردستان عاليًا في واحدة من أبرز البطولات القارية لهذه الرياضة، بينما فاز اللاعب الكردي آزاد حمزة بلقب بطل أبطال العالم في بطولة جمال الأجسام العالمية التي أقيمت في السويد، وتمكن من الفوز بالميدالية الذهبية في وزن 100 كغم فما فوق، ثم نافس جميع اللاعبين الأوائل ليفوز بلقب بطل الأبطال، في حين يواصل الملاكم الكردي الإيزدي بادين حسو “31 عامًا” تألقه في ساحات الملاكمة العالمية، حيث حقق سلسلة من الانتصارات المتتالية جعلته يتصدر قائمة الملاكمين على المستوى الأوروبي، هذا على المستوى الرياضي وفي الجانب الفردي.

أما على المستوى الجماعي فقد اختُتمت قبل أيام معدودة فعاليات مهرجان الزي الكردي التراثي في مدينة أربيل، بعدما نجحت مؤسسة “كردستان فاونديشن” في جمع أكثر من ألف مشارك يرتدون الزي الكردي التقليدي، ما منح إقليم كردستان رقمًا قياسيًا جديدًا في موسوعة غينيس كأكبر تجمع بشري يرتدي الزي الوطني؛ وقبلها بعام واحد كان الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” قد أعلن في تاريخ يوم الثلاثاء 16 كانون الأول (ديسمبر) 2025، أن نادي زاخو الكردستاني قد حصل على جائزة أفضل جمهور على مستوى العالم.

وفي سياق آخر، سبق أن اختيرت المصممة العالمية الكردية، لارا دزەیی، من قبل مجلة غلاديس الأميركية كواحدة من بين 25 شخصية في العالم الأكثر إلهامًا لهذا العام؛ بينما فاز الباحث الكردي آلان سمراند بالميدالية الذهبية في مسابقة IGEM الدولية للهندسة الوراثية في باريس، وتلك المسابقة تعد من أكبر الفعاليات على مستوى العالم في هذا المجال، كما حصد الطبيب الكردي المختص بجراحة الأطفال، الدكتور روني بهاء مايي، أرفع جائزة طبية في روسيا لعام 2026 “جائزة Prizvaniye” تقديرًا لابتكاره وفريقه في مجال العلاج الجيني، كما كشف الطبيب الكردي المغترب آزاد نجار، عن إنجاز علمي يتمثل في تطوير قلب اصطناعي بنموذج جديد، مؤكدًا حصوله على التراخيص اللازمة لزراعته في أجساد المرضى مطلع العام المقبل.

وفي إطار آخر، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قلَّد يوم الثلاثاء 4 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الفائت البروفيسور الكردي رشاد ميران ميدالية بوشكين ليكون أول شخصية كردية يحصل على هذه الجائزة الروسية المرموقة؛ أما على المستوى السياسي فقد عُيّن في نهاية العام الماضي الشخصية السياسية برهم صالح مفوضًا ساميًا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بالتزكية من الجمعية العامة التي تتألف من 193 دولة عضوًا، بعد أن رشحه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلفًا للإيطالي فيليبو غراندي الذي يقود المفوضية منذ 2016.

وبعد إيراد مختصرات عن بعض وليس كل الشخصيات الكردية التي حقَّقت وما تزال تحقِّق الإنجازات الفردية على المستوى الدولي، والتي تفتخر بهويتها وتتمسك بجذورها، ولا تلتفت بتاتًا إلى المصطلحات الرخوة التي يطلقها من حينٍ لآخر عبدالله أوجلان والمستنسخون عنه سواء عن قناعة أم بالإكراه، فهل يا ترى سيبقى بهجلي وأقرانه قيد التمسك بتصوراتهم المتعلقة في اختزال الكرد والهوية الكردية في شخص الرهينة أوجلان وتنظيمه السياسي؟ أم سيعيدون حساباتهم ويعملون على معالجة ذواتهم للتخلص من داء التعصب الأعمى، والانتقال إلى ضفة الرزانة وقبول الآخر كما هو لا كما هم يريدونه أن يكون؟ وذلك حتى ينعموا بالأمان فيما تبقى لهم من العمر مع جيرانهم على ذات البسيطة، بما أن الشخص العنصري وفق ستيفن هوكينج يفتقد الأمان وراحة البال؛ طالما كان هناك على الدوام في عالمه وعلى مقربة منه آخرون لا يشبهون بنيته الفكرية والنفسية بشيء، ومختلفون عنه ثقافيًا وسلوكيًا في معظم الأشياء.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محمود أوسو بين ملف النزاهة وشبح الاستفراد بالسلطة بغداد بعد أسابيع من تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة علي فالح الزيدي، تشهد العاصمة العراقية حملة اعتقالات وصفها مراقبون بأنها الأوسع منذ سنوات، 47 مسؤولاً بينهم 12 نائباً برلمانياً، ووزراء سابقون، ومسؤولون في وزارة النفط، جرى توقيفهم على ذمة قضايا فساد. الوقائع: مجلس للنزاهة واعتقالات في المنطقة الخضراء باشر الزيدي مهامه بتشكيل المجلس…

حسن قاسم ما يجري اليوم في المناطق الكوردية في سوريا ليس مجرد حراك احتجاجي عابر فرضته ظروف اقتصادية خانقة، بل هو تعبير حي عن تراكم طويل من المعاناة والإحباط الشعبي الناتج عن سوء الإدارة، وتراجع الخدمات، وغياب الرؤية السياسية القادرة على حماية مصالح الناس وصون كرامتهم. هذا الحراك، بما يحمله من مطالب معيشية وسياسية، يعكس وعياً متنامياً لدى الشارع بأن…

صبحي دقوري في عصرنا الراهن لم تعد سرقة التاريخ فعلًا صامتًا يجري في الهوامش، بل غدت صناعة منظّمة، لها مؤسساتها ومنابرها وجوائزها وشهاداتها ومراكز أبحاثها. وما يتعرض له التاريخ الكردي ليس مجرد خطأ عابر في التدوين، ولا سوء فهم بريء في قراءة الماضي، بل هو عملية طويلة من المصادرة والطمس والتحويل؛ عملية يُنتزع فيها الإبداع من أصحابه، ثم يُعاد…

عصمت شاهين الوسكي   « الدَّوْلَةُ الْقَوِيَّةُ تُبْنَى بِالْعَدْلِ وَالْإِنْسَانِ، لَا بِالْقُصُورِ وَالْجُدْرَانِ. » «عِنْدَمَا يَفْقِدُ الْوَطَنُ السِّيَادَةَ ، يَبْقَى عَلَمُهُ مَرْفُوعًا وَتَبْقَى دَوْلَتُهُ كَرْتُونِيَّةً.»   فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ تَوَالَتِ الْحُرُوبُ وَالْخَرَابُ وَالدَّمَارُ فِي بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَالدُّوَلُ الْقَوِيَّةُ اسْتَغَلَّتِ الْوَضْعَ حَسَبَ مَصَالِحِهَا، فَاسْتَعْمَلَتِ الْمَقُولَةَ الْقَدِيمَةَ وَالْمُعَاصِرَةَ: «فَرِّقْ تَسُدْ»، فَتَعَدَّدَتْ دُوَلٌ كَثِيرَةٌ، وَأَصْبَحَ لَهَا عَلَمٌ وَنَشِيدٌ وَطَنِيٌّ. وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، لَوْ…