الدَّوْلَةُ الْكَرْتُونِيَّةُ

عصمت شاهين الوسكي

 

« الدَّوْلَةُ الْقَوِيَّةُ تُبْنَى بِالْعَدْلِ وَالْإِنْسَانِ، لَا بِالْقُصُورِ وَالْجُدْرَانِ. »

«عِنْدَمَا يَفْقِدُ الْوَطَنُ السِّيَادَةَ ، يَبْقَى عَلَمُهُ مَرْفُوعًا وَتَبْقَى دَوْلَتُهُ كَرْتُونِيَّةً.»

 

فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ تَوَالَتِ الْحُرُوبُ وَالْخَرَابُ وَالدَّمَارُ فِي بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَالدُّوَلُ الْقَوِيَّةُ اسْتَغَلَّتِ الْوَضْعَ حَسَبَ مَصَالِحِهَا، فَاسْتَعْمَلَتِ الْمَقُولَةَ الْقَدِيمَةَ وَالْمُعَاصِرَةَ: «فَرِّقْ تَسُدْ»، فَتَعَدَّدَتْ دُوَلٌ كَثِيرَةٌ، وَأَصْبَحَ لَهَا عَلَمٌ وَنَشِيدٌ وَطَنِيٌّ. وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، لَوْ سَأَلْنَا: هَلْ هُنَاكَ دَوْلَةٌ كَرْتُونِيَّةٌ ؟

نَعَمْ، عَزِيزِي الْقَارِئُ، حَتَّى عِنْدَهُمْ اسْمٌ قَانُونِيٌّ وَرَسْمِيٌّ بِالْقَانُونِ الدُّوَلِيِّ: «الدُّوَلُ الْفَاشِلَةُ أَوِ الدُّوَلُ الْوَرَقِيَّةُ – Paper States/Failed States».

وَأَنَا سَمَّيْتُهَا «الدُّوَلَ الْكَرْتُونِيَّةَ»، رُبَّمَا لِأَنَّ الْكَرْتُونَ يُوضَعُ فِيهِ الْكَثِيرُ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَلَكِنْ فِي الظَّاهِرِ يَبْقَى كَرْتُونًا. هَذِهِ الدَّوْلَةُ لَهَا عَلَمٌ وَنَشِيدٌ وَطَنِيٌّ وَمَقْعَدٌ فِي الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ «ظَاهِرًا»، لَكِنْ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ بِلَا سَيْطَرَةٍ، وَلَا خَدَمَاتٍ، وَلَا اقْتِصَادٍ، وَلَا قَانُونٍ ثَابِتٍ.

رُبَّمَا يَسْأَلُ سَائِلٌ: مَا مَعْنَى الدَّوْلَةِ الْكَرْتُونِيَّةِ ؟

وَهُنَا نُقَارِنُهَا بِـ« الدَّوْلَةِ الْحَقِيقِيَّةِ » الَّتِي تَرْتَكِزُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ قَوِيَّةٍ: « أَرْضٌ، شَعْبٌ، سِيَادَةٌ، حُكُومَةٌ بِإِرَادَةٍ ثَابِتَةٍ قَوِيَّةٍ ». أَمَّا الدَّوْلَةُ الْكَرْتُونِيَّةُ، فَعَلَى الْأَغْلَبِ لَيْسَتْ فِيهَا « سِيَادَةٌ وَحُكُومَةٌ فِعْلِيَّةٌ »، وَهُنَاكَ أَمْثِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: «الصُّومَالُ 1991-2012م»، كَانَ فِيهَا رَئِيسُ وُزَرَاءَ وَعَلَمٌ، لَكِنَّ الْعَاصِمَةَ مُقَسَّمَةٌ عَلَى نَفْسِهَا بَيْنَ مِيلِيشِيَاتٍ وَعِصَابَاتٍ وَقَبَائِلَ، وَكَانَتِ الْحُكُومَةُ بَعِيدَةً عَنِ السَّيْطَرَةِ عَلَى جُزْءٍ يَسِيرٍ مِنْ «مَقْدِيشُو»، وَكَانَ جَوَازُ سَفَرِهَا مَوْجُودًا، لَكِنَّ الدَّوْلَةَ غَائِبَةٌ. أَيْضًا دَوْلَتَا الْيَمَنِ وَلِيبِيَا بَعْدَ 2014م، ثَلَاثَةُ بَرْلَمَانَاتٍ وَعَشَرَاتُ الْمِيلِيشِيَاتِ، كُلٌّ وَاحِدٍ يَقُولُ: «أَنَا الدَّوْلَةُ». كَذَلِكَ دَوْلَةُ «هَايْتِي»، عِنْدَهَا رَئِيسٌ، لَكِنَّ الْعِصَابَاتِ تَتَحَكَّمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى الشُّرْطَةُ حِينَمَا تَخْرُجُ، تَخْرُجُ بِسَيَّارَاتٍ مُصَفَّحَةٍ. الدَّوْلَةُ مَوْجُودَةٌ بِالِاسْمِ فَقَطْ.

نَسْأَلُ: مَا هِيَ أَسْبَابُ ظُهُورِ هَذِهِ الدُّوَلِ الْكَرْتُونِيَّةِ ؟

أَوَّلُ الْأَسْبَابِ الْخَطِرَةِ « الْفَسَادُ ». أَيُّ دَوْلَةٍ يَنْخُرُ فِيهَا الْفَسَادُ تُصْبِحُ دَوْلَةً كَرْتُونِيَّةً. وَثَانِي الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا تَقِلُّ خُطُورَةً عَنِ الْأُولَى « غِيَابُ الْعَدْلِ». الدَّوْلَةُ الَّتِي تَعِيشُ عَلَى الْمَحْسُوبِيَّةِ وَالْوَاسِطَةِ، وَتَضَعُ «الْجَاهِلَ» فِي مَنْصِبٍ عَالٍ وَمُهِمٍّ، وَتَبْتَعِدُ عَنِ « الْكَفَاءَةِ »، تَظْهَرُ ضَعِيفَةَ الْوُجُودِ. وَلَمَّا الْمَسْؤُولُ يَسْرِقُ وَيُفْسِدُ، لَا تَبْقَى هَيْبَةٌ لِلدَّوْلَةِ، حَتَّى الْأَشْخَاصُ يُصْبِحُونَ « دُوَيْلَاتٍ مُصَغَّرَةً ».وَثَالِثُ الْأَسْبَابِ الْمُهِمَّةِ « التَّدَخُّلَاتُ الْخَارِجِيَّةُ » الَّتِي تَدْعَمُ هَذَا ضِدَّ ذَاكَ: « فَرِّقْ تَسُدْ »، فَتَكُونُ الدَّوْلَةُ مَكَانًا نَاضِجًا لِلصِّرَاعِ الدَّاخِلِيِّ، مُشَتَّتًا بَدَلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوَحَّدًا.وَرَابِعُ الْأَسْبَابِ، وَهُوَ الرُّكْنُ الْمُعْتَمَدُ، « غِيَابُ الْمُؤَسَّسَاتِ ». فَالدَّوْلَةُ بِلَا مُؤَسَّسَاتٍ، وَلَا جَيْشٍ وَطَنِيٍّ، وَلَا قَضَاءٍ عَادِلٍ، وَلَا اقْتِصَادٍ مَتِينٍ، أَيَّ أَزْمَةٍ بَسِيطَةٍ تُسْقِطُ الدَّوْلَةَ الْكَرْتُونِيَّةَ.

الدَّوْلَةُ لَيْسَتْ عَلَمًا وَنَشِيدًا فَقَطْ، الدَّوْلَةُ حِمَايَةٌ، وَأَمَانٌ، وَكَرَامَةٌ لِلشَّعْبِ. عِنْدَمَا يَحِسُّ الْمُوَاطِنُ بِالْأَمَانِ، وَيَنَامُ وَهُوَ مُطْمَئِنٌّ مِنْ تَوْفِيرِ الْكَهْرَبَاءِ وَالْمَاءِ وَالْغَازِ وَالنِّفْطِ وَالْبَنْزِينِ وَالْعَيْشِ الْكَرِيمِ الْبَعِيدِ مِنَ الذُّلِّ وَالْإِهَانَةِ، وَيَطْمَئِنُّ أَنَّ الشُّرْطَةَ تَحْمِيهِ، وَالْقَاضِيَ يُنْصِفُهُ، وَالْحُدُودَ مَحْمِيَّةٌ، تُعْتَبَرُ دَوْلَةً حَقِيقِيَّةً، حَتَّى لَوْ كَانَتْ تُعَانِي مِنَ الْفَقْرِ قَلِيلًا.

لَكِنْ حِينَمَا يَخَافُ الْمُوَاطِنُ مِنَ الشُّرْطَةِ وَمِنَ الْقَضَاءِ وَالْمِيلِيشِيَاتِ وَالْعِصَابَاتِ وَالْفَاسِدِينَ، تُعْتَبَرُ « دَوْلَةً كَرْتُونِيَّةً »، عَدُوَّةَ نَفْسِهَا، هَالِكَةَ أَرْكَانِهَا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ تَمْلِكُ قُصُورًا وَأَبْرَاجًا وَجُزُرًا وَجَنَائِنَ.

الدَّوْلَةُ الْقَوِيَّةُ اقْتِصَادٌ وَجَيْشٌ وَعَدَالَةٌ وَإِنْصَافٌ لِلشَّعْبِ وَعَيْشٌ كَرِيمٌ وَأَمْنٌ وَحُدُودٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَلَيْسَتْ لِكُلِّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ. فَإِذَا كَانَتِ الدَّوْلَةُ تَحْمِي الْمُوَاطِنَ، تَضْمَنُ « الِاقْتِصَادَ الْقَوِيَّ »، يَعْنِي عِنْدَكَ مَصْدَرُ رِزْقٍ يَكْفِيكَ، وَتَوْفِيرُ الْعَمَلِ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَالسُّوقُ مُسْتَقِرَّةٌ، لَا تَرْتَفِعُ بَارْتِفَاعِ الْأَزَمَاتِ وَلَا بِظُهُورِهَا، وَلَا وُجُودَ لِلْـ « حَرَامِي » الْفَاسِدِ لِيَسْرِقَ تَعَبَكَ.

فَالِاقْتِصَادُ يُقَوِّي الْكَرَامَةَ وَيُثَبِّتُ الْوُجُودَ، وَبَعْدَ الِاقْتِصَادِ يَأْتِي دَوْرُ « الْعَدَالَةِ وَالْإِنْصَافِ» حَسَبَ الْقَانُونِ. اِبْنُ تالعالْوَزِيرِ وَابْنُ الْحَارِسِ وَابْنُ الْعَامِلِ سَوَاسِيَةٌ أَمَامَ الْقَاضِي، أَمَامَ الْقَانُونِ، حَتَّى لَوْ كَانَ ضِدَّ مَسْؤُولٍ. هَكَذَا تَخْتَفِي « الْوَاسِطَةُ » فِي الْمَحْكَمَةِ. وَبَعْدَ الِاقْتِصَادِ وَالْعَدْلِ يَأْتِي دَوْرُ « الْعَيْشِ الْكَرِيمِ ». عِنْدَكَ طَعَامٌ صِحِّيٌّ، وَتَتَعَالَجُ فِي مُسْتَشْفًى حُكُومِيٍّ بِصُورَةٍ تَحْفَظُكَ كَمُوَاطِنٍ، وَأَطْفَالُكَ فِي مَدْرَسَةٍ حُكُومِيَّةٍ تَفْرِضُ نَفْسَهَا بِصُورَةٍ تَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ وَمَكَانَةِ الدَّوْلَةِ. الْعَيْشُ الْكَرِيمُ لَيْسَ رَفَاهِيَةً كَامِلَةً، بَلْ هُوَ أَقَلُّ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ. فَعِنْدَمَا تُخَصِّصُ الدَّوْلَةُ رَاتِبًا لِمَنْ عُمُرُهُ «60» سَنَةً، فَهَذَا يُقَوِّي الثِّقَةَ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَالْمُوَاطِنِ. فَبِنَاءُ الدَّوْلَةِ يَأْتِي مِنَ الْحِفَاظِ عَلَى حُقُوقِ الْمُوَاطِنِ، فَبِنَاءُ الْإِنْسَانِ أَوَّلًا، ثُمَّ بِنَاءُ الْبُنْيَانِ. وَيَأْتِي بَعْدَ هَؤُلَاءِ: «الِاقْتِصَادُ – الْعَدْلُ – الْعَيْشُ الْكَرِيمُ» جِدَارٌ أَسَاسِيٌّ، وَهُوَ « جِدَارُ الْأَمْنِ وَالْحُدُودِ مِنْ حَدِيدٍ ».

الْأَمْنُ الدَّاخِلِيُّ وَالْخَارِجِيُّ مُسْتَتِبٌّ، عِنْدَكَ جَوَازٌ مُحْتَرَمٌ مُعْتَرَفٌ بِهِ دُوَلِيًّا، وَأَنْتَ مُطْمَئِنٌّ بِالدَّاخِلِ، وَأَرْضُ الدَّوْلَةِ لَا يَدْخُلُهَا كُلُّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ، لِتَشْعُرَ بِالْخَوْفِ وَعَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ. فَقَرَارُ الدَّوْلَةِ الْقَوِيَّةِ بِيَدِهَا، وَلَيْسَ بِيَدِ السَّفِيرِ الْفُلَانِيِّ.

مِثْلَمَا ذَكَرْتُ سَابِقًا، الدَّوْلَةُ الْكَرْتُونِيَّةُ تَفْقِدُ هَذِهِ الْأُسُسَ الْأَرْبَعَةَ، فَقَطْ عِنْدَهَا جِدَارُ الْقَصْرِ الَّذِي يَحْمِيهِ حُرَّاسٌ، وَمِنْ أَوَّلِ رَمْيَةِ نَارٍ يَهْرُبُونَ بِلَا سِلَاحٍ.

وَلِهَذَا الدَّوْلَةُ الْقَوِيَّةُ تَحْمِي شَعْبَهَا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ تَحْمِي الْقَائِدَ، أَيْ لَا تَحْمِي شَخْصًا وَاحِدًا. إِنْ تَمَسَّكَتِ الدَّوْلَةُ بِهَذِهِ الْأُسُسِ الْأَرْبَعَةِ لَا تَنْهَارُ أَبَدًا فِي الْحُرُوبِ وَالْأَزَمَاتِ، وَلَكِنْ حِينَمَا تَتَآكَلُ هَذِهِ الْأُسُسُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ دَاخِلِ الدَّوْلَةِ، فَتَرَى « الْفَسَادَ » يُدَمِّرُ الِاقْتِصَادَ، وَ« الظُّلْمَ » يُشَرِّخُ الْعَدَالَةَ، وَاللَّامُبَالَاةَ وَالْإِهْمَالَ يُهَدِّدَانِ « الْعَيْشَ الْكَرِيمَ »، وَالطَّمَعَ وَالْجَشَعَ وَالْأَنَانِيَّةَ وَالْخِيَانَةَ تَفْتَحُ الْحُدُودَ لِمَنْ يُرِيدُ الْخَرَابَ وَالدّمَارَ. لَا شَكَّ أَنَّ تَأْثِيرَ الطَّوَائِفِ وَالْفِئَاتِ وَالْأَحْزَابِ، لِكُلٍّ مِنْهَا مِيزَانِيَّةٌ خَاصَّةٌ، يَخْلُقُ دَوْلَةً فِي دَاخِلِهَا دُوَيْلَاتٌ، وَهَذَا يُضْعِفُ الدَّوْلَةَ الرَّئِيسِيَّةَ الرَّسْمِيَّةَ. وَهَذَا قَدْ يَكُونُ تَعْرِيفَ « الدَّوْلَةِ الْفَاشِلَةِ »: طَرِيقَةُ دَوْلَةٍ دَاخِلَ دَوْلَةٍ، أَوْ دُوَيْلَاتٍ دَاخِلَ دَوْلَةٍ. مَجْمُوعَةُ دُوَيْلَاتٍ مُتَخَاصِمَةٍ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ.

إِنَّهَا طَعَنَاتٌ دَاخِلِيَّةٌ، فَالْخَزِينَةُ مَثْقُوبَةٌ، فَأَمْوَالُ الضَّرَائِبِ وَالنِّفْطِ وَالسِّيَاحَةِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ تُسْتَثْمَرَ لِمَشْرُوعِ كَهْرَبَاءٍ وَطَنِيٍّ يُفِيدُ الْجَمِيعَ، تَذْهَبُ هَبَاءً مَنْثُورًا، وَتُقَسَّمُ لِلْحِصَصِ. فَلَا وُجُودَ لِمُسْتَشْفًى مَرْكَزِيٍّ فِيهِ ثِقَةٌ لِمُعَالَجَةِ الْمُوَاطِنِ، وَلَكِنْ تُوجَدُ مُسْتَشْفَيَاتٌ عَدِيدَةٌ لِمَصِّ دَمِ الْمُوَاطِنِ مَادِّيًّا وَجَسَدِيًّا، وَالْمُوَاطِنُ هُوَ الْخَاسِرُ

أَمَّا طَعْنَةُ السِّيَادَةِ بِجَيْشٍ ضَعِيفٍ، فَلِكُلِّ فِئَةٍ جَيْشٌ وَسِلَاحٌ وَمِيزَانِيَّةٌ، وَلَا يَدْرِي الْجُنْدِيُّ أَيُنَفِّذُ أَمْرَ الْقَائِدِ الْعَامِّ أَمْ أَمْرَ زَعِيمِ الْفِئَةِ. وَهَكَذَا طَعْنَةُ الْحُدُودِ، فَتَصِيرُ الْحُدُودُ مِنْ وَرَقٍ، فَاقِدَةً الْيَدَ الَّتِي تَحْمِيهَا.

يَحْتَارُ الْمُوَاطِنُ فِي هَذِهِ الْفَوْضَى: هَلْ يَكُونُ وَلَاؤُهُ لِلْوَطَنِ أَمْ لِلْفِئَةِ أَمْ لِلْمِنْطَقَةِ الَّتِي يَنْتَمِي إِلَيْهَا ؟

هَكَذَا، حِينَمَا تُخْلَقُ الْأَزَمَاتُ، آخِرُ شَيْءٍ يُفَكِّرُ بِهِ هُوَ « الدَّوْلَةُ ». رُبَّمَا هَذِهِ سِيَاسَةُ « الْمُحَاصَصَةِ »، شَكْلُهَا الْخَارِجِيُّ دِيمُقْرَاطِيٌّ، لَكِنْ فِي الدَّاخِلِ كُلُّ وَاحِدٍ يَأْخُذُ حِصَّتَهُ، مِثْلَ تَقْسِيمِ « الْكَعْكَةِ »، وَبِالْآخِرِ نَفْسُهَا الْكَعْكَةُ تَصْغُرُ وَتَتَعَفَّنُ.

لَكِنَّ الدُّوَلَ الْقَوِيَّةَ أَظْهَرَتِ الْعَكْسَ، مِثْلَ: « فَرَنْسَا، وَالْيَابَانِ، وَأَمْرِيكَا ». « مَمْنُوعٌ » أَنْ يَكُونَ لِأَيِّ حِزْبٍ جَيْشٌ، وَ« مَمْنُوعٌ » أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ أَيُّ مِيزَانِيَّةٍ خَارِجَ مِيزَانِيَّةِ الدَّوْلَةِ. الْجَمِيعُ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ، وَقَانُونٍ وَاحِدٍ.

مَا الْحَلُّ لِلدُّوَلِ الْكَرْتُونِيَّةِ؟

الْحَلُّ صَعْبٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مُسْتَحِيلًا. مِنِ اسْتِهْلَالِ الْمَوْضُوعِ نَجِدُ أَنَّ: «مِيزَانِيَّةً وَاحِدَةً مَعَ رِقَابَةٍ وَاحِدَةٍ، وَتَتَوَزَّعُ مِنْ دِيوَانٍ مُخْتَصٍّ مُسْتَقِلٍّ، مَعَ سِلَاحٍ وَاحِدٍ وَقَانُونٍ وَاحِدٍ، وَهُوِيَّةٍ وَطَنِيَّةٍ فَوْقَ الْجَمِيعِ، وَالِانْتِمَاءِ لِلْوَطَنِ بَعِيدًا عَنِ الْفِئَوِيَّةِ وَالطَّائِفِيَّةِ ». بِنَاءُ الْوَعْيِ الْوَطَنِيِّ؛ لِأَنَّ الدَّوْلَةَ الْقَوِيَّةَ تَحْتَاجُ إِلَى شَعْبٍ وَاعٍ، وَهَذَا هُوَ الْأَسَاسُ فِي الْمَدْرَسَةِ وَالْإِعْلَامِ وَالْبَيْتِ. نُعَلِّمُ الطِّفْلَ أَنَّنَا إِخْوَةٌ مَهْمَا اخْتَلَفَتِ الطَّوَائِفُ وَالْمَذَاهِبُ وَالْقَوْمِيَّاتُ. نَفْضَحُ لَعْنَةَ وَطَرِيقَةَ « فَرِّقْ تَسُدْ »، وَنُكَرِّمُ قُدْوَتَنَا الْوَطَنِيَّةَ.

اسْتِعَادَةُ أُسُسِ الدَّوْلَةِ الْوَاحِدَةِ بَعِيدًا عَنِ الدُّوَيْلَاتِ، وَأَنْ يَكُونَ دِيوَانُ الرِّقَابَةِ الْمَالِيَّةِ مُسْتَقِلًّا، يُحَاسِبُ الْكَبِيرَ قَبْلَ الصَّغِيرِ، وَثِقَةُ الْمُوَاطِنِ بِالْقَضَاءِ وَالْعَدْلِ فِي الْمَحْكَمَةِ.

الدَّوْلَةُ الْكَرْتُونِيَّةُ تَعِيشُ عَلَى النِّفْطِ، فَإِذَا إنْتَهَى النِّفْطُ مَاتَتْ، أَمَّا الدَّوْلَةُ الْقَوِيَّةُ فَتَبْنِي وَتُحَرِّكُ وَتُنَشِّطُ الصِّنَاعَةَ وَالزِّرَاعَةَ، حَتَّى إِنَّ الشَّابَّ يَعْمَلُ فِي مَعْمَلٍ أَوْ شَرِكَةٍ، وَلَا يَنْتَظِرُ تَعْيِينَ الْحُكُومَةِ.

كَذَلِكَ تَبْنِي وَتُنَمِّي مَشْرُوعَ الْكَهْرَبَاءِ وَالْمَاءِ وَالطُّرُقِ الَّتِي تُعْتَبَرُ الْبِنْيَةَ التَّحْتِيَّةَ، بَلْ عَصَبَ الدَّوْلَةِ، فَبِدُونِهَا لَا يُوجَدُ اسْتِثْمَارٌ وَلَا حَيَاةٌ كَرِيمَةٌ.

وَالْفَسَادُ وَمُحَارَبَتُهُ، فَهُوَ أَشَدُّ مِنَ الْمُحْتَلِّ؛ فَالْمُحْتَلُّ يَسْلُبُ أَرْضَكَ، لَكِنَّ الْفَاسِدَ ” يَبِيعُهَا ” . عِنْدَمَا تَجْتَمِعُ قُوَّةُ اقْتِصَادِكَ وَسِيَادَتِكَ وَجَيْشِكَ وَشَعْبِكَ، فَالْجَمِيعُ سَيَحْتَرِمُكَ.

وَهُنَاكَ دُوَلٌ كَرْتُونِيَّةٌ أَصْبَحَتْ مِنْ أَقْوَى الدُّوَلِ الْعَالَمِيَّةِ، مِثْلَ « أَلْمَانِيَا بَعْدَ الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ، وَالْيَابَانِ بَعْدَ الْقُنْبُلَةِ النَّوَوِيَّةِ، وَسِنْغَافُورَا». كَانَتْ قَرْيَةَ صَيْدٍ، لَكِنَّ حُكُومَةً قَوِيَّةً وَشَعْبًا مُخْلِصًا قَالُوا: « كَفَى ضَعْفًا، أَخْرِجُونَا مِنَ الْكَرْتُونَةِ ».

فَالدَّوْلَةُ أَنَا وَأَنْتَ وَضَمَائِرُنَا، وَلَيْسَتْ جُدْرَانًا وَقُصُورًا وَبَسَاتِينَ مُسَيَّجَةً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح عمر مصيبتنا الكردية، في كثير من مراحل تاريخنا الحديث، لم تكن في غياب التضحيات، ولا في ندرة الرجال، ولا حتى في نقص الشعور القومي؛ كانت في العجز عن تحويل هذا الشعور إلى عقل سياسي قادر على قراءة العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. لقد عرف الكرد كيف يقاومون، وكيف يموتون من أجل قضيتهم، وكيف يحافظون على هويتهم…

رامان يوسف Raman Yousef تفاجأ سكان الحسكة اليوم بدخول عشرات الآليات المحمّلة بعناصر من الأمن العام. الأرتال تتمركزت في معسكر الطلائع شرق المدينة ، بعد أن أخلته «قسد» قبل أسبوع، هو جزء من اتفاقية 29 كانون الثاني، التي تفاجئنكم تفاصيلها في كل مرة. ويبررها مراهقو الإدارة و اعلامييها . القوات الخاصة التي دخلت ، لا يكفي و هناك المزيد، ستُوكل…

محمد صالح شلال شهد الشرق الأوسط منذ هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من تشرين الأول ٢٠٢٥ تحولات عميقة تجاوزت في نتائجها حدود الحرب في غزة، وأعادت ترتيب موازين القوى الإقليمية والدولية، ووضعت العديد من المشاريع السياسية والعسكرية التي كانت تبدو حتى وقت قريب ثابتة ومستقرة أمام اختبار وجودي. فالحرب التي اندلعت بين إسرائيل وحماس لم تبقَ محصورة في…

محمد سعيد آلوجي إن كانت تنظيمات حزب العمال الكوردستاني في غرب كوردستان قد سلّمت أمرها للحكومة المركزية المؤقتة في دمشق، وعلى رأسها قسد. بموجب اتفاقات الدمج الموقعة بين السيد مظلوم عبدي والحكومة السورية المؤقتة. بعد أن كانت قد بسطت سيطرتها على ما يقارب ثلث الأراضي السورية. لينحسر وجودها فيما بعد في أقل من نصف محافظة الحسكة، وذلك بعد فشلها في…