ماذا يجري في العراق؟

محمود أوسو
 بين ملف النزاهة وشبح الاستفراد بالسلطة
بغداد بعد أسابيع من تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة علي فالح الزيدي، تشهد العاصمة العراقية حملة اعتقالات وصفها مراقبون بأنها الأوسع منذ سنوات، 47 مسؤولاً بينهم 12 نائباً برلمانياً، ووزراء سابقون، ومسؤولون في وزارة النفط، جرى توقيفهم على ذمة قضايا فساد.
الوقائع: مجلس للنزاهة واعتقالات في المنطقة الخضراء
باشر الزيدي مهامه بتشكيل المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام برئاسته، بعضوية رئيس ديوان الرقابة المالية ورئيس هيئة النزاهة.
بالتزامن، نفذت القوات الأمنية مداهمات طالت المنطقة الخضراء، وأسفرت عن اعتقال شخصيات سياسية بارزة، بينهم مثنى السامرائي رئيس تحالف عزم ,وبهاء النوري المقرب من رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني.
الحكومة وصفت الخطوة بأنها محاربة للفساد المتجذر ,فيما أشار التقارير  إلى أن الفساد يمثل أحد أبرز التحديات أمام رئيس الوزراء الجديد.
القراءة السياسية: إصلاح أم تصفية حسابات؟
الزيدي، رجل الأعمال المصرفي الذي كلفه الإطار التنسيقي بتشكيل الحكومة في 27 نيسان 2026، يفتقر إلى خبرة سياسية واسعة. ومصرفه السابق مصرف الجنوب الإسلامي كان قد تعرض لعقوبات أمريكية في 2024 بتهم غسل أموال.
هنا يبرز سؤالان:
الأول: هل الحملة استهداف للفساد أم إزاحة لخصوم سياسيين؟ محللون يرون أن ما يجري ليس سوى عملية تدوير للسلطة السياسية، بإزاحة جيل من السياسيين التقليديين.
الثاني: هل يتحول ملف النزاهة إلى أداة استفراد؟ سيطرة رئيس الوزراء على مجلس النزاهة، مع تحركات أمنية واسعة، تثير مخاوف من تركيز السلطات بيد شخص واحد.
السياق العراقي: من السيء إلى الأسوء؟*
العراق يحتل المرتبة 136 من أصل 182 في مؤشر مدركات الفساد. وتجارب المنطقة تطرح سؤالاً أعمق: في سوريا وليبيا، أدت الثورات إلى فراغ أمني وحروب أهلية، فيما بقيت نماذج التغيير من الأعلى محصورة بشخص الحاكم.
وهذا يضع العراق أمام معادلة صعبة: بين سكوت يغذي الاستبداد وانفجار يغذي الخراب.
المعيار الحقي لنجاح الحملة ليس عدد المعتقلين، بل مصيرهم أمام القضاء. إذا انتهت الملفات بأحكام عادلة وشملت الجميع دون استثناء، تكون خطوة إصلاح. أما إذا اقتصرت على خصوم سياسيين وانتهت بإطلاق سراح، فستكون مجرد فصل جديد من كتاب تداول الأقوياء.
ما يجري في العراق اليوم هو اختبار: هل نحن أمام بداية دولة مؤسسات، أم أمام دكتاتورية جديدة تلبس عباءة النزاهة؟ الجواب ستكشفه الأشهر القادمة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

مهند محمود شوقي   ليست كل الأوطان وُلدت على طاولة المفاوضات، ولا كل الحدود رُسمت بالحبر. هناك أوطان كُتبت بالدم، وحُفرت في ذاكرة شعوبها بالتضحيات، وكوردستان واحدة منها. فما يراه العالم اليوم من مدن نابضة بالحياة، وطرق حديثة، وجامعات، ومستشفيات، ومؤسسات، لم يكن يومًا هدية من التاريخ، بل ثمرة قرن من النضال. فمن ثورة الشيخ محمود الحفيد، إلى ثورات بارزان،…

دلدار بدرخان لطالما كان PYD يتهم المعارضة و فصائل الجيش الوطني وقياداتها ، أمثال أبو عمشة ، وسيف أبو بكر ، وفهيم عيسى وغيرهم من القيادات ، بالخيانة والعمالة والإجرام ، وكان يصفهم بأنهم بيادق وأدوات تعمل تحت إمرة تركيا . وكذلك كان يتهم قيادات المجلس الوطني الكوردي ظلماً وعدواناً بأنهم قالوا بالفم الملآن إن لديهم ست كتائب مشاركة في…

كفاح محمود ليست أخطر أزمات السياسة تلك التي تنشأ من الصراع بين السلطة والمعارضة، فذلك أمر طبيعي في كل نظام ديمقراطي، إنما تبدأ الأزمة الحقيقية عندما تختلط الحدود بينهما، فيولد ما يمكن تسميته بـ “التهجين السياسي”؛ حالة يصبح فيها السياسي شريكًا في الحكم، ومعارضًا له في الوقت نفسه، يتمتع بامتيازات السلطة، لكنه يرفض تحمل مسؤولياتها. التهجين السياسي ليس مرونة، ولا…

صلاح بدرالدين لو توفرت شروط انعقاد المؤتمر الكردي السوري الجامع الذي ننادي به ، ونعمل من أجله منذ تسعة أعوام في العاصمة الوطنية دمشق ، وهي كماأرى شرطان : الأول – التوافق الكردي على تشكيل لجنة تحضيرية ، الثاني : موافقة الحكومة الانتقالية مع تسهيلات لوجستية ، كنت ساقدم المقترحات التالية : أولا – الاتفاق على تكليف لجنة تحضيرية للاعداد…