سرقة التاريخ الكردي

صبحي دقوري

في عصرنا الراهن لم تعد سرقة التاريخ فعلًا صامتًا يجري في الهوامش، بل غدت صناعة منظّمة، لها مؤسساتها ومنابرها وجوائزها وشهاداتها ومراكز أبحاثها. وما يتعرض له التاريخ الكردي ليس مجرد خطأ عابر في التدوين، ولا سوء فهم بريء في قراءة الماضي، بل هو عملية طويلة من المصادرة والطمس والتحويل؛ عملية يُنتزع فيها الإبداع من أصحابه، ثم يُعاد تقديمه إلى العالم بأسماء أخرى، ولغات أخرى، وهويات أخرى.

لقد صنع الكرد، عبر قرون طويلة، تاريخًا واسعًا في الجغرافيا والثقافة والسياسة والفنون واللغة والبطولة والذاكرة الشعبية. غير أن مأساة هذا التاريخ أنه كثيرًا ما كُتب بأقلام الآخرين، وتُرجم بعيون الآخرين، ووُضع داخل أرشيف الآخرين. وحين يكتب الآخر تاريخك من موقع القوة، فإنه لا يكتفي بسرد ما جرى، بل يملك القدرة على حذفك من المشهد، أو تحويلك إلى تابع، أو نفيك من ذاتك.

هكذا وجد الكرد أنفسهم أمام واحدة من أعنف عمليات السطو الرمزي في التاريخ الحديث: لغتهم تُنسب إلى غيرهم، أزياؤهم تُقتطع من سياقها، رقصاتهم تُصادر، ألحانهم تُترجم وتُغنّى بأسماء أخرى، أساطيرهم تُعاد صياغتها ثم تُنسب إلى تراث مجاور، وشخصياتهم الكبرى تُنتزع من أصولها لتدخل في قوائم قومية لا علاقة لها بجذورها الحقيقية.

والأخطر من السرقة ذاتها أن اللصوص لا يكتفون بالغنيمة، بل يمنحون أنفسهم شرعية أخلاقية عليها. يقيمون الندوات، يصدرون الكتب، ينتجون الأفلام، يمنحون الجوائز، ويحوّلون التزوير إلى معرفة أكاديمية. عندها لا يعود السارق لصًا في نظر العالم، بل يصبح باحثًا ومؤرخًا وصاحب أطروحة. أما صاحب التاريخ الحقيقي فيُطلب منه أن يثبت وجوده، وأن يبرهن على أنه لم يكن ظلًّا عابرًا في تاريخ الآخرين.

من هنا تبدأ المأساة الكردية الكبرى: ليس في أن تاريخها سُرق فقط، بل في أن العالم اعتاد قراءة هذا التاريخ من خلال سجلات خصومه وجيرانه. فالكتابة التركية، والفارسية، والعربية، والأرمنية، كلٌّ بحسب موقعه ومصلحته، تعاملت في أحيان كثيرة مع الكرد بوصفهم مادة قابلة للاستيعاب أو الإلحاق أو الإنكار. مرة يُقال إن لغتهم ليست سوى فرع تابع، ومرة إن لباسهم مستعار، ومرة إن رقصاتهم ليست لهم، ومرة إنهم ليسوا أمة ولا شعبًا، بل جماعات متفرقة بلا ذاكرة جامعة.

إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يسرق تفصيلًا من الماضي، بل يسرق حقّ الشعب في تعريف نفسه. فحين يُقال لشعب ما إن لغته ليست لغته، وإن أغانيه ليست أغانيه، وإن أبطاله ليسوا أبناءه، وإن أساطيره ليست من ذاكرته، فإن المقصود ليس البحث العلمي، بل كسر المرآة التي يرى فيها ذاته.

وقد بلغ الأمر حدًّا غريبًا حين صار القادة والعلماء والمؤرخون والجغرافيون والشعراء والفنانون الكرد يُقدَّمون في كتب الآخرين بوصفهم عربًا أو فرسًا أو تركًا أو أرمنًا. بل إن شخصيات كبرى، مثل صلاح الدين الأيوبي، تحوّلت إلى ساحة نزاع بين هويات متعددة، كلٌّ يحاول أن يجرّه إلى سرديته القومية. فالأتراك يريدونه تركيًا، والعرب يريدونه عربيًا، وبعض الكتابات الأخرى تحاول إلحاقه بها، بينما تكاد هويته الكردية، الثابتة في مصادر كثيرة، تُدفع إلى الهامش عمدًا.

ليست المسألة هنا مسألة تعصّب قومي مضاد، ولا رغبة في اختراع تاريخ كردي مغلق على ذاته. الكرد لا يحتاجون إلى سرقة تاريخ أحد كي يثبتوا تاريخهم. ولا يحتاجون إلى إنكار إسهامات الآخرين كي يعلنوا حضورهم. المشكلة أن الآخرين، في حالات كثيرة، فعلوا العكس تمامًا: أخذوا من الكرد ما استطاعوا، ثم طالبوهم بالصمت.

ومن وجوه هذه السرقة أيضًا ما يحدث في الترجمة الحديثة للمخطوطات والنصوص القديمة. فبعض الفصول التي تتناول الكرد تُختصر، أو تُشوَّه، أو تُحذف، أو تُعاد صياغتها بطريقة تُضعف حضورهم. وهنا تصبح الترجمة نفسها أداة سياسية، لا جسرًا للمعرفة. فالمترجم حين يخون النص لا يزوّر عبارة فقط، بل يزوّر ذاكرة أمة.

إن سرقة التاريخ لا تعني فقط أن يُنسب أثر معماري أو لحن أو لباس إلى غير أصحابه؛ إنها تعني أن يُحرم شعب كامل من تراكمه الرمزي. فالأمم لا تعيش بالخبز وحده، بل تعيش أيضًا بما تقوله عن نفسها، وبما يحفظه أبناؤها من صور الأجداد، وبما تورثه للأجيال من حكايات وأسماء وأغانٍ وملاحم وأمكنة. وحين يُسلب شعب ما ذاكرته، يصبح وجوده نفسه محلّ مساءلة.

لكن السؤال الأهم هو: ماذا بوسع الكرد أن يفعلوا؟

الجواب لا يكون بالبكاء على الأطلال، ولا بالاكتفاء بالغضب، ولا بردّ التزوير بتزوير مضاد. إنما يكون ببناء مشروع معرفي كردي كبير، منظم، مؤسسي، صارم، عابر للانفعال. على الكرد أن ينتقلوا من موقع الشكوى إلى موقع إنتاج المعرفة؛ من انتظار إنصاف الآخرين إلى صناعة أرشيفهم بأنفسهم؛ من الذاكرة الشفوية المهددة بالضياع إلى الوثيقة المحققة، والموسوعة، والمعجم، والجامعة، ومركز الأبحاث، والفيلم الوثائقي، والمتحف، والمنصة الرقمية.

نحتاج إلى جمع المخطوطات، تحقيق النصوص، مقارنة الروايات، دراسة الأزياء والألحان والرقصات والأساطير، توثيق اللهجات، تسجيل شهادات كبار السن، ترجمة المصادر العالمية ترجمة أمينة، والرد على كل تزوير ببحث هادئ لا بصراخ عابر. فالتاريخ لا يُستعاد بالحنين وحده، بل بالعمل، والمثابرة، والمنهج، واللغة العلمية.

إن اللص يخاف من الوثيقة، ويخاف من الأرشيف، ويخاف من الباحث النزيه أكثر مما يخاف من الخطابة. لذلك فإن الدفاع الحقيقي عن التاريخ الكردي يبدأ من تأسيس معرفة كردية حديثة، قادرة على مخاطبة العالم بلغته الأكاديمية والقانونية والثقافية. لا يكفي أن نقول: هذا لنا. يجب أن نثبت كيف، ومتى، وأين، وبأي مصدر، وبأي سند، وبأي مقارنة تاريخية.

لقد آن للكرد أن يكتبوا تاريخهم لا بوصفه ردّ فعل على إنكار الآخرين، بل بوصفه حقًّا أصيلًا في الوجود. آن لهم أن يحوّلوا الذاكرة إلى مؤسسة، والألم إلى مشروع، والجرح إلى معرفة، والغضب إلى كتاب، والكتاب إلى أرشيف، والأرشيف إلى قوة رمزية لا يمكن محوها.

فصراع التاريخ ليس صراعًا على الماضي وحده، بل هو صراع على المستقبل. ومن لا يملك رواية ماضيه، سيأتي من يكتب له مستقبله كما يشاء.

إن التاريخ الكردي لا يحتاج إلى تزويق ولا إلى مبالغة كي يكون عظيمًا. يكفي أن يُقرأ بعدالة، وأن يُنقذ من أيدي الذين سرقوه، ثم عادوا ليحاضروا في النزاهة العلمية. وما دام في الكرد من يكتب، ويوثق، ويترجم، ويبحث، ويقاوم النسيان، فإن هذا التاريخ لن يموت. قد يُسرق فصل منه، وقد تُشوَّه صفحة، وقد يُزوَّر اسم، لكن الذاكرة التي تجد من يحرسها لا تُهزم.

المعركة إذن ليست بين الكرد وجيرانهم بوصفهم شعوبًا، بل بين الحقيقة والتزوير، بين الذاكرة والطمس، بين الأرشيف والسرقة، بين شعب يريد أن يقول: «أنا موجود»، وبين قوى كثيرة تريد أن تجيب عنه: «بل أنت لم تكن».

وهنا تبدأ مسؤولية المثقف الكردي: أن لا يترك تاريخ شعبه يتيمًا في محاكم الآخرين.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن صالح بصراحة تامة منذ تأسيس حزب الإتحاد الديمقراطي، في سوريا عام ٢٠٠٣، وهو يتبرأ من القضية القومية للشعب الكردي في غربي كردستان ، وأعلن عن موقفه جهارا نهارا، سابقا ولاحقا، وقام بخطف وتعذيب وتغييب الكرد الملتزمين بحق شعبنا الكردي في الحرية وتقرير المصير. وإذا قام هذا الحزب أحيانا، بعقد تفاهمات أو إتفاقات مع الحركة السياسية الكردية، فهي كانت تكتيكات…

محمود أوسو بين ملف النزاهة وشبح الاستفراد بالسلطة بغداد بعد أسابيع من تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة علي فالح الزيدي، تشهد العاصمة العراقية حملة اعتقالات وصفها مراقبون بأنها الأوسع منذ سنوات، 47 مسؤولاً بينهم 12 نائباً برلمانياً، ووزراء سابقون، ومسؤولون في وزارة النفط، جرى توقيفهم على ذمة قضايا فساد. الوقائع: مجلس للنزاهة واعتقالات في المنطقة الخضراء باشر الزيدي مهامه بتشكيل المجلس…

حسن قاسم ما يجري اليوم في المناطق الكوردية في سوريا ليس مجرد حراك احتجاجي عابر فرضته ظروف اقتصادية خانقة، بل هو تعبير حي عن تراكم طويل من المعاناة والإحباط الشعبي الناتج عن سوء الإدارة، وتراجع الخدمات، وغياب الرؤية السياسية القادرة على حماية مصالح الناس وصون كرامتهم. هذا الحراك، بما يحمله من مطالب معيشية وسياسية، يعكس وعياً متنامياً لدى الشارع بأن…

عصمت شاهين الوسكي   « الدَّوْلَةُ الْقَوِيَّةُ تُبْنَى بِالْعَدْلِ وَالْإِنْسَانِ، لَا بِالْقُصُورِ وَالْجُدْرَانِ. » «عِنْدَمَا يَفْقِدُ الْوَطَنُ السِّيَادَةَ ، يَبْقَى عَلَمُهُ مَرْفُوعًا وَتَبْقَى دَوْلَتُهُ كَرْتُونِيَّةً.»   فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ تَوَالَتِ الْحُرُوبُ وَالْخَرَابُ وَالدَّمَارُ فِي بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَالدُّوَلُ الْقَوِيَّةُ اسْتَغَلَّتِ الْوَضْعَ حَسَبَ مَصَالِحِهَا، فَاسْتَعْمَلَتِ الْمَقُولَةَ الْقَدِيمَةَ وَالْمُعَاصِرَةَ: «فَرِّقْ تَسُدْ»، فَتَعَدَّدَتْ دُوَلٌ كَثِيرَةٌ، وَأَصْبَحَ لَهَا عَلَمٌ وَنَشِيدٌ وَطَنِيٌّ. وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، لَوْ…