بين نبض الشارع وإفلاس الأحزاب

حسن قاسم
ما يجري اليوم في المناطق الكوردية في سوريا ليس مجرد حراك احتجاجي عابر فرضته ظروف اقتصادية خانقة، بل هو تعبير حي عن تراكم طويل من المعاناة والإحباط الشعبي الناتج عن سوء الإدارة، وتراجع الخدمات، وغياب الرؤية السياسية القادرة على حماية مصالح الناس وصون كرامتهم. هذا الحراك، بما يحمله من مطالب معيشية وسياسية، يعكس وعياً متنامياً لدى الشارع بأن الصمت لم يعد خياراً، وأن الحقوق لا تُستعاد إلا بالمطالبة المنظمة والمستمرة.
في هذا السياق، برزت الكلمة التي ألقاها الناشط المهندس خورشيد أحمد أمام تجمع المحتجين، بوصفها نموذجاً للكلمة المسؤولة التي لامست هموم الناس الحقيقية. فقد جاءت جامعة وشاملة، عكست بوضوح أسباب التدهور المعيشي، من سوء الإدارة، إلى تبني سياسات اقتصادية ليبرالية عمّقت الفجوة الاجتماعية، وصولاً إلى تأثيرات النفوذ الخارجي على القرار السوري. لم تكن الكلمة خطاباً شعبوياً أو مزايدة سياسية، بل قراءة واقعية لواقع مأزوم، وهو ما يفسر الارتياح الواسع الذي لاقته بين المحتجين، إلى حد أن البعض رأى فيها أساساً يمكن البناء عليه كبرنامج عمل للحراك.
غير أن ما أثار الاستغراب، وربما الأسى، لم يكن مضمون الكلمة ولا تفاعل الناس معها، بل رد الفعل الصادر عن منظمة الجزيرة التابعة لـ الحزب الشيوعي السوري، حين سارعت عبر جريدتها المركزية نضال الشعب إلى إصدار تنويه تؤكد فيه أن لا علاقة للحزب بالمهندس خورشيد أحمد. هذا الموقف بدا لكثيرين أقرب إلى محاولة تنصل غير مبررة، خصوصاً أن الرجل لم يقدم نفسه ممثلاً للحزب، ولم يتحدث باسمه، بل خاطب الناس بصفته الوطنية والمدنية.
إن مثل هذا السلوك يكشف أزمة أعمق من مجرد خلاف تنظيمي؛ إنه يعكس حالة من الإفلاس السياسي التي وصلت إليها بعض القوى التقليدية، والتي ما تزال عاجزة عن قراءة المتغيرات الكبرى التي فرضتها الثورة السورية وما بعدها. فبدلاً من مراجعة مواقفها السابقة والاعتراف بالأخطاء التي أسهمت في فقدان ثقة الشارع، نجدها منشغلة بتصفية حسابات رمزية أو الدفاع عن شرعية متآكلة.
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الشارع اليوم يسبق الأحزاب بخطوات. الناس لم تعد تبحث عن شعارات أيديولوجية جامدة، بل عن حلول ملموسة ومواقف شجاعة تنحاز إلى معاناتهم. ومن هنا، فإن أي خطاب صادق يعبّر عن هذه المعاناة سيجد مكانه الطبيعي في وجدان الناس، بصرف النظر عن انتماء صاحبه.

من موقع الحرص على المصلحة العامة، ومن منطلق المسؤولية الوطنية، فإن ما صدر بحق المهندس خورشيد أحمد يستوجب مراجعة جادة واعتذاراً صريحاً من قيادة منظمة الجزيرة، ليس فقط إنصافاً لرجل عبّر بصدق عن هموم شعبه، بل احتراماً للحراك الشعبي ذاته الذي يحتاج اليوم إلى كل صوت وطني حر، لا إلى مزيد من الحسابات الضيقة. ففي زمن الأزمات الكبرى، لا مكان إلا لمن يقف مع الناس، لا فوقهم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن صالح بصراحة تامة منذ تأسيس حزب الإتحاد الديمقراطي، في سوريا عام ٢٠٠٣، وهو يتبرأ من القضية القومية للشعب الكردي في غربي كردستان ، وأعلن عن موقفه جهارا نهارا، سابقا ولاحقا، وقام بخطف وتعذيب وتغييب الكرد الملتزمين بحق شعبنا الكردي في الحرية وتقرير المصير. وإذا قام هذا الحزب أحيانا، بعقد تفاهمات أو إتفاقات مع الحركة السياسية الكردية، فهي كانت تكتيكات…

محمود أوسو بين ملف النزاهة وشبح الاستفراد بالسلطة بغداد بعد أسابيع من تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة علي فالح الزيدي، تشهد العاصمة العراقية حملة اعتقالات وصفها مراقبون بأنها الأوسع منذ سنوات، 47 مسؤولاً بينهم 12 نائباً برلمانياً، ووزراء سابقون، ومسؤولون في وزارة النفط، جرى توقيفهم على ذمة قضايا فساد. الوقائع: مجلس للنزاهة واعتقالات في المنطقة الخضراء باشر الزيدي مهامه بتشكيل المجلس…

صبحي دقوري في عصرنا الراهن لم تعد سرقة التاريخ فعلًا صامتًا يجري في الهوامش، بل غدت صناعة منظّمة، لها مؤسساتها ومنابرها وجوائزها وشهاداتها ومراكز أبحاثها. وما يتعرض له التاريخ الكردي ليس مجرد خطأ عابر في التدوين، ولا سوء فهم بريء في قراءة الماضي، بل هو عملية طويلة من المصادرة والطمس والتحويل؛ عملية يُنتزع فيها الإبداع من أصحابه، ثم يُعاد…

عصمت شاهين الوسكي   « الدَّوْلَةُ الْقَوِيَّةُ تُبْنَى بِالْعَدْلِ وَالْإِنْسَانِ، لَا بِالْقُصُورِ وَالْجُدْرَانِ. » «عِنْدَمَا يَفْقِدُ الْوَطَنُ السِّيَادَةَ ، يَبْقَى عَلَمُهُ مَرْفُوعًا وَتَبْقَى دَوْلَتُهُ كَرْتُونِيَّةً.»   فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ تَوَالَتِ الْحُرُوبُ وَالْخَرَابُ وَالدَّمَارُ فِي بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَالدُّوَلُ الْقَوِيَّةُ اسْتَغَلَّتِ الْوَضْعَ حَسَبَ مَصَالِحِهَا، فَاسْتَعْمَلَتِ الْمَقُولَةَ الْقَدِيمَةَ وَالْمُعَاصِرَةَ: «فَرِّقْ تَسُدْ»، فَتَعَدَّدَتْ دُوَلٌ كَثِيرَةٌ، وَأَصْبَحَ لَهَا عَلَمٌ وَنَشِيدٌ وَطَنِيٌّ. وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، لَوْ…