السجون لا تتكلم بلسان الأحرار

خوشناف سليمان

كثيراً ما تُعقد مقارنة بين نيلسون مانديلا وعبد الله أوجلان، انطلاقاً من أن كليهما تحوّل إلى رمز سياسي خلال سنوات سجنه. غير أن التدقيق في طبيعة العلاقة التي نسجها كلٌّ منهما مع السلطة يكشف فروقاً جوهرية بين الحالتين، ولا سيما عند النظر إلى رسائل وتصريحات أوجلان خلال السنوات الأخيرة.

في حالة مانديلا، أدركت السلطات في جنوب أفريقيا أنه لم يعد مجرد سجين سياسي، بل أصبح يجسّد تطلعات الأغلبية السوداء إلى إنهاء نظام الفصل العنصري؛ إذ إن السجن، الذي أُريد له أن يعزله ويحدّ من تأثيره السياسي، أسهم في ترسيخ مكانته بوصفه رمزاً وطنياً للنضال المناهض للفصل العنصري. لذلك سعت السلطة إلى تطويقه سياسياً وإعلامياً، ففرضت رقابة مشددة على مراسلاته واتصالاته بهدف الحد من تأثير حضوره في الرأي العام.

أما في حالة أوجلان، فتبدو الصورة أكثر تعقيداً؛ إذ لا يزال محتجزاً في سجن يقع على جزيرة شديدة التحصين، ويخضع لقيود صارمة على التواصل. غير أن السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ عام 2025، شهدت تداول رسائل ونداءات منسوبة إليه بوضوح أكبر مقارنة بما كان عليه الأمر في السابق. وتثير هذه الحالة تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين السجين والسلطة، وحدود استقلالية تلك الرسائل، وإتاحة فرص انتشارها وتأثيرها.

ذلك أن ظهور رسائل أو تصريحات منسوبة إلى سجين سياسي لا يدل بالضرورة على تمتعه بحرية كاملة في التعبير؛ فالسجين الذي لا يملك وصولاً مباشراً إلى وسائل الإعلام، ولا يتحكم في آليات نشر رسائله أو توقيت إصدارها، لا يمكن افتراض أنه يعبّر عن مواقفه باستقلالية تامة. ومن ثم، لا يقتصر التساؤل على مضمون هذه الرسائل، بل يمتد إلى شروط إنتاجها وتداولها: هل تعكس هامشاً فعلياً من حرية التعبير والاستقلالية السياسية داخل السجن؟ أم أن ما يصل إلى الرأي العام يمر عبر قنوات سياسية وأمنية تتحكم في ما يُنشر، وكيف يُصاغ، ومتى يُعلن؟

من هذه الزاوية، لا تبدو المسألة مرتبطة بحرية أوجلان الشخصية بقدر ما ترتبط بكيفية إدارة تأثيره وحضوره السياسي. فالسماح بخروج بعض الرسائل لا يعني بالضرورة غياب الرقابة، بل قد يعكس شكلاً من أشكال إدارة الخطاب السياسي وتوجيهه بما يتناسب مع حسابات السلطة والظروف القائمة.

إن الثقة الحقيقية بأي سياسي لا تُبنى على الأقوال وحدها، بل على الوقائع والضمانات والتغيرات الملموسة على الأرض. كما أن مصير شعب كامل وقضاياه الكبرى لا ينبغي أن يُربط بمصير شخص واحد، مهما بلغت مكانته الرمزية أو التاريخية. ولهذا، فإن الرسائل السياسية الخارجة من السجون ينبغي أن تُقرأ بعين نقدية مفتوحة، لا بوصفها حقيقة مطلقة، بل باعتبارها جزءاً من مشهد سياسي معقد تتداخل فيه موازين القوة والحسابات الاستراتيجية. وفي مثل هذه القضايا، لا يكون السؤال عمّا يُقال فحسب، بل أيضاً عن الظروف التي تجعل قوله ممكناً، والجهات التي تتيح له أن يصل، والغايات التي قد يسهم في خدمتها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمعة عكاش Jomaa Akkash اليوم سنغني وسنطلق الألعاب النارية ونلبس من أجمل ملابسنا وسنعقد حلقات الدبكة الكردية والعربية والسريانية وكاننا في “الجنة” هكذا نحن شعوب القامشلي وزالين وقامشلو نحب الحياة، لكن في الحقيقة واقع مدينتنا – عاصمتنا كارثي للغاية. إذا كانت دمشق أسوء مدينة للعيش في العالم…

محمود أوسو نحن لا نكتب عن التاريخ لنتفاخر بالماضي، ولا عن الدين لنكفر أحداً، ولا عن السياسة لنشتم قومية أو نقدس قومية. نكتب لأن السكوت خيانة، والحوار واجب. من يظن أننا عندما نكتب عن حدث تاريخي أو ديني أو اجتماعي، هدفنا إهانة دين أو قومية، فهو لم يفهم حرفاً مما نكتب، ولم يفهم معنى أن تكون إنساناً. نحن نحترم…

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…