عاكف حسن
هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية.
وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن كوباني في روجافا كردستان، الذي بنى لنفسه مكانة أدبية تستحق التقدير.
جان دوست ليس مجرد شخص يكتب روايات. هو عالم أدبي كامل. حين تقرأ رواياته تشعر أنك تدخل إلى حكاية ذات ممرات متعددة، تشدك من محطة إلى أخرى، كما لو أنك أمام رواية بوليسية محكمة البناء، فلا تترك لك فرصة للملل. الحبكة عنده ليست مجرد ترتيب للأحداث، بل هندسة دقيقة، والشخصيات ليست أسماء تتحرك على الورق، وإنما كائنات نابضة بالحياة.
شخصياته مرسومة بفرشاة تجمع بين الواقعية والخيال؛ تبحث في بعضها عن نفسك، وفي بعضها عن أصدقائك وجيرانك، وفي بعضها الآخر عن نقيضك تماماً. أما لغته، فتشعر أحياناً أنها مرت عبر نار المشاعر ثم صُقلت في ذهن شديد الصفاء. والصور التي ينحتها بالكلمات تستقر في الخيال كأنها أزهار ملونة في حديقة أدبية واسعة.
وكل هذا ليس صدفة.
وراء الأدب الحقيقي عمل شاق، وانضباط، وإصرار، وقراءة، وصبر، وطاقة لا يراها القارئ دائماً. الكاتب الكبير لا يبني نصاً في يوم واحد، ولا يصنع عالماً روائياً من فراغ. إنه يضع حجراً فوق حجر، وسطراً فوق سطر، حتى يصبح أمامنا بناء أدبي يمكن أن يبقى بعد أن يرحل أصحابه.
ولهذا فإن جان دوست، في نظري، لا يكتب لنفسه وحدها. إنه ينسج كنوزاً أدبية لنا وللأجيال القادمة. وربما لا ندرك اليوم قيمة ما يكتبه بالقدر الكافي، لكن الزمن وحده قادر على أن يكشف قيمة الأعمال التي تصمد أمامه.
إنه، بمعنى حقيقي، معمار في عالم الأدب.
لكن المفارقة المؤلمة أن هذا المعمار الأدبي يمكن أن يتحول، في لحظة، إلى هدف لهجوم غوغائي بسبب رأي سياسي أو موقف شخصي عبّر عنه على فيسبوك.
وهنا أسأل أولئك الذين ينهالون عليه بالشتائم:
هل قرأتم رواياته قبل أن تهاجموه؟
هل تعرفون كم من السنوات والطاقة والصبر يحتاجها بناء عمل أدبي واحد؟
هل تعرفون كم من الجهد يبذله كاتب لكي يرفع عموداً أدبياً في مجتمع ما زال يعاني من نقص المؤسسات الثقافية ومن ضعف القراءة ومن هيمنة الشعارات؟
وهل تعتقدون أن شتيمة واحدة يمكن أن تهدم قيمة عشرات السنين من الكتابة؟
ما علاقة الثقافة بالشتيمة؟
ما علاقة الوطنية بإهانة كاتب؟
ما علاقة حب الوطن بإسكات المختلف؟
إذا اختلفتم مع جان دوست، فناقشوا أفكاره. اختلفوا معه. انتقدوا مواقفه. اكتبوا ضده إن شئتم. لكن اقرأوا أولاً، وفكروا ثانياً، ثم اختلفوا باحترام.
أما أن يتحول النقاش إلى سباب وتخوين وتشكيك، فهذا ليس ثقافة، وليس وطنية، وليس دفاعاً عن قضية.
إنه مجرد غوغاء.
وأنا منزعج، بل غاضب، حين أرى هذه الثقافة البديلة التي لا علاقة لها بالثقافة. ثقافة الصراخ بدلاً من الحوار، ثقافة الشتيمة بدلاً من القراءة، ثقافة الشعارات الفارغة بدلاً من الفكر، وثقافة التخوين بدلاً من الاختلاف.
الأكثر إيلاماً أن بعض هؤلاء يتصرفون وكأنهم حراس الحقيقة، وكأنهم يملكون شهادة احتكار للوطنية، ومن يخالفهم يصبح عدواً.
لكن الوطن لا يحتاج إلى حراس شتائم.
والوطنية لا تُقاس بعدد الكلمات النارية التي تقذفها في وجه الآخرين.
والثقافة لا تُبنى بالصراخ.
الثقافة تُبنى بالكتاب، بالفكرة، بالمسرح، بالرواية، بالشعر، بالنقد، وبالقدرة على الاستماع إلى المختلف.
لهذا أقول لهؤلاء المهاجمين: اتركوا الكاتب يكتب، واقرؤوا ما يكتب. ناقشوه إن اختلفتم معه. أما محاولة تحطيم الإنسان لأنكم لا توافقون رأيه، فهي ليست دفاعاً عن الثقافة؛ إنها اعتداء عليها.
وأقول لجان دوست: لا تجعل ضجيج الغوغاء يحجب عنك صوت الأدب.
فالشتيمة تموت في اللحظة التي تُقال فيها، أما الكتاب الجيد فقد يعيش مئة عام.
والذين يرمون الكاتب بالحجارة اليوم قد تنساهم الذاكرة غداً، بينما تبقى الكلمات التي كتبها، والشخصيات التي خلقها، والعوالم التي بناها، شاهدة على أن هناك من اختار أن يبني شيئاً، في زمن كان فيه آخرون مشغولين بهدم بعضهم بعضاً.
الأدب يبقى.
أما الغوغاء، فليس لها مكان في قاموس التاريخ