قراءة استراتيجية في جدية التهديدات الاسرائيلية بامكانية اندلاع مواجهة شاملة مع سوريا

عبداللطيف محمد امين موسى

في ظل الظروف والتحديات والمتغيرات والتحولات المتسارعة التي تمر بها منطقة الشرق الاوسط، والاسباب والدوافع التي ادت الى توقيع الاتفاق الاطاري بين امريكا وايران المتعلقة بوقف الحرب بين الدولتين، وبما فيها جبهة لبنان، وما تمر به العلاقة من مراحل الفتور واتساع الفجوة بين اسرائيل ونائب ترامب جي ديفانس، والخلاف بشأن تضارب اولويات الاهداف والاستراتيجيات الامريكية والاسرائيلية، وكشف بنود الاتفاق الاطاري الذي ترى فيه اسرائيل تهديدا مباشرا على مصالحها القومية، تعود الى الواجهة لغة التهديد من قبل المسؤولين الاسرائيليين بشأن امكانية اندلاع نزاع مستقبلي مع سوريا ليتطور الى مواجهة شاملة.

ولا سيما تصريحات وزراء في حكومة اسرائيل، منهم تصريحات كاتس وزير الدفاع، وكذلك وزير الشتات الاسرائيلي عميحاي شيكلي لاذاعة 103 اف ام التابعة لصحيفة معاريف العبرية، والتي وصفوا فيها بان الجبهة السورية اشد خطورة من الجبهة الايرانية، والتشكيك في تغير الخلفية الايديولوجية للرئيس السوري احمد الشرع، حيث زعما من خلال تصريحاتهما بان سوريا وتركيا تشكلان جبهة مقلقة بكثير من ايران.

ان القراءة الاستراتيجية لهذه التصريحات الرسمية لوزراء حكومة اسرائيل تدل على ان امكانية ومدى جدية هذه التهديدات في تحقيقها من عدمها تتعلق بمسائل كثيرة، ومنها الجيوستراتيجية، بحيث يجب النظر بعين الجدية بشأن اندلاع هذا النزاع وخطورته على سوريا، من حيث قراءة الاحداث والظروف التي ادت الى تغير النظام السوري، ودعم ومساعدة سلطة الشرع والحكم الانتقالية في دمشق، وكذلك الانفتاح الدولي الكبير والاحتضان العالمي لدمشق.

الامر الذي كشف عنه كواليس تغير النظام في سوريا من قبل ترامب، ودعم الشرع عبر توافق دولي امريكي وتركيا، عبر السماح له بحكم سوريا ورفع العقوبات بطلب من السعودية وتركيا وقطر.

وتكمن جدية هذه التهديدات من خلال التعهدات التي التزمت بها تلك الدول امام ترامب من اجل دفع الشرع الى تنفيذها مقابل دعم ترامب لحكم الشرع. وتكمن هذه التعهدات في قتال حزب الله واذرع ايران في المنطقة، وكذلك ضبط الفصائل المتشددة في سوريا، وتحقيق العدالة الانتقالية، وتشكيل حكومة تضم كل السوريين، والابتعاد عن الطائفية والمذهبية، ودعم الاقليات، واشراك كافة المكونات في السلطة، الامر الذي لم يتحقق بعد.

وكذلك خطورة اصطفافات سلطة دمشق مع التحالفات الاسلامية السعودية وتركيا وقطر وباكستان، الامر الذي ترى فيه اسرائيل تهديدا مستقبليا على امنها القومي، مما يستدعي الدخول في نزاع مستقبلي لانهاء هذا التهديد، ولا سيما في هذه الظروف التي تشهد توتر العلاقة بين اسرائيل والادارة الامريكية الحالية، والتي ترى فيها اسرائيل بعض اقطاب هذه الادارة، ولا سيما جي ديفانس الذي يؤثر على قرارات الرئيس، مما يجعله يخضع للقبول بمزايا تتعلق بالنفط والطاقة والاستثمار من قبل تركيا ودول المحور الاسلامي قطر والسعودية على حساب العلاقات التاريخية الاستراتيجية مع اسرائيل.

وبالتالي، فان امكانية الاستثمار الاسرائيلي في هذه الفرصة للاستفراد بسوريا، باعتبارها الحلقة الاضعف، يهدف الى توجيه رسائل ردع لهذا الحلف.

ان جدية هذه التهديدات وامكانية تحقيقها تكمن في المسائل الاستراتيجية الامنية ومعادلات الردع في المنطقة، ولا سيما التصاعد في القوة التركية التي ترى فيها اسرائيل بانها باتت تشكل خطرا كبيرا على الخطط والاستراتيجيات الاسرائيلية في المنطقة، ولتشكل العائق في مواجهة اسرائيل واستمرار هيمنتها على المنطقة بعد ايران، الامر الذي رصده المسؤولون الاتراك في حتمية مواجهة مستقبلية مع اسرائيل.

ان هذا الامر دفع القيادة التركية الى الاستثمار الامني في سوريا، مستفيدة من الانفتاح والعلاقة الاستراتيجية بين سلطة دمشق وتركيا، والتعاون الامني الكبير عبر دعم تركيا اللامحدود للجيش السوري المزمع تشكيله، ومدى السيطرة التركية.

ان هذه الاحداث ادت الى تشكل قناعة لدى صانع القرار الاستراتيجي الاسرائيلي بان السلطة في سوريا انتقلت من الهيمنة الايرانية الى الهيمنة التركية، وان امكانية الصدام الاسرائيلي التركي على الاراضي السورية وحرب الوكالة امر لا مفر منه، وان امكانية وتوقيت اندلاعها تعتمد على تسارع الظروف الامنية والاستراتيجية المتعلقة بسياسة الردع في المنطقة، لترى اسرائيل بان سوريا ستكون الخط الدفاعي الاول لتركيا في حال اندلاع الصراع.

ينبغي النظر الى جدية التهديدات الاسرائيلية وامكانية اندلاع المواجهة مع سوريا من زاوية الامور الداخلية الاسرائيلية، ومستقبل التحالفات السياسية، وامكانية اعادة فوز اليمين المتطرف، ودخول الحسابات في المعركة الانتخابية في اسرائيل في الشهور المقبلة، وسعي حكومة نتنياهو الى تحقيق نصر يقدمه للناخب الاسرائيلي.

ولا سيما الاحباط الداخلي الكبير ضد نتنياهو واتهامه بانه لم يحقق اهداف الحرب مع ايران، وخضوعه الى قرارات ترامب، ومسألة السيادة والقرار الاستراتيجي الاسرائيلي الغائب الخاضع لقرارات ترامب، وكذلك ضغوط ترامب لتقييد عمل الجيش الاسرائيلي وعملياته في ايران ولبنان، وجدية ضغوطه لسحب الجيش الاسرائيلي من لبنان وسوريا وغزة.

كلها امور تربك الحسابات الداخلية الانتخابية الاسرائيلية، وتدفع نتنياهو الى البحث عن نصر حقيقي يقدمه الى الناخب الاسرائيلي، وبالتالي خوضه مغامرة في صراع مع سوريا، باعتبارها الحلقة الاضعف في المعادلة، تؤدي الى اعادة تغير حسابات النزاع في المنطقة، وصدام غير مباشر مع ترامب، كون المسألة السورية ليست باهمية تحقيق اتفاق مع ايران.

لذا، ومع ذكر كل المسائل المتعلقة بالتحديات الجيوستراتيجية والامنية واستراتيجيات معادلات الردع في المنطقة، تستوجب اخذ امكانية جدية التهديدات الاسرائيلية في حدوث نزاع مستقبلي يقود الى تصعيد شامل مع سوريا امرا في غاية الاهمية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم منذ أكثر من قرن، ظلّ الكورد في الشرق الأوسط يعيشون بين مطرقة الجغرافيا وسندان المصالح الدولية. وفي كل محطة مفصلية من تاريخهم، عادت الأسئلة ذاتها إلى الواجهة: هل الكورد مجرد أداة بيد القوى الكبرى؟ هل تحالفاتهم مع واشنطن أو غيرها تجعلهم “مرتزقة”؟ أم أن هذه التحالفات كانت، وما تزال، محاولة واقعية لحماية وجودهم والسير نحو حلم تاريخي مؤجل…

لاوين ابراهيم لا يمكن فهم القضية الكردية من خلال عامل واحد، فهي نتاج تفاعل طويل بين ظلم تاريخي تعرض له الكورد، وبين تحديات داخلية رافقت مسيرتهم السياسية عبر العقود. وبين هذين العاملين تشكلت تجربة مليئة بالتضحيات والفرص الضائعة والإنجازات الجزئية التي لم ترتقِ غالباً إلى مستوى الطموحات. ومن الضروري عند الحديث عن هذه التجربة الاعتراف بحجم التضحيات التي قدمتها أجيال…

أحمد بلال شهد العالم اليوم توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وقعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على أن تُستكمل الإجراءات الدبلوماسية اللاحقة في سويسرا. وتهدف هذه التفاهمات إلى وقف التصعيد العسكري وتسهيل الحركة التجارية في مضيق هرمز ورفع الحصار عن إيران وتهيئة الظروف لمفاوضات أوسع بشأن القضايا العالقة بين الطرفين، وعلى رأسها ملف اليورانيوم…

آخين ولات   لا تبدأ المآسي السياسية من الحصار الخارجي وحده، بل من اللحظة التي تعجز فيها الجماعة عن رؤية نفسها كما هي، لا كما تتمنى أن تكون. وفي الحالة الكردية، تتجلى هذه المفارقة بوضوحٍ مؤلم: فبينما يسعى الشعب والقضية الكردية إلى تحقيق الاعتراف والكرامة والحق في تقرير المصير، تبدو الهوية الكردية نفسها اليوم ساحة صراعٍ بين ولاءاتٍ متنازعة، وخطاباتٍ…