آخين ولات
لا تبدأ المآسي السياسية من الحصار الخارجي وحده، بل من اللحظة التي تعجز فيها الجماعة عن رؤية نفسها كما هي، لا كما تتمنى أن تكون. وفي الحالة الكردية، تتجلى هذه المفارقة بوضوحٍ مؤلم: فبينما يسعى الشعب والقضية الكردية إلى تحقيق الاعتراف والكرامة والحق في تقرير المصير، تبدو الهوية الكردية نفسها اليوم ساحة صراعٍ بين ولاءاتٍ متنازعة، وخطاباتٍ متعارضة، ومراكز قوةٍ متنافسة.
إن الاستمرار في هذا الاتجاه لا يستهلك الحاضر فحسب، بل يسرق من الجماعة حقها في المستقبل نفسه.
الوعي الذاتي والوعي الجمعي: شرطي النهضة السياسية
إن معرفة الذات ليست مجرد مسألة تأملٍ فلسفيٍ عابر، بل هي الشرط التأسيسي لأي وعيٍ سياسيٍ ناضج. لا يمكن للجماعة أن تنهض ما لم يُتح للفرد أن يكون ذاته بصدق، دون أن يُجبر على تذويب خصوصيته في الخطاب العام. احترام الفردانية، في هذا السياق، ليس نزعةً فرديةً معزولة ولا دعوةٌ إلى الانفصال، بل هو الاعتراف بأن الجماعة تصبح حيّة فقط حين تنتج أفراداً أحراراً، قادرين على التفكير والمساءلة والنقد.
المشكلة الكامنة في البنى السياسية الكردية كثيرةٌ منها أنها في أحيانٍ متكررة لا ترى في الفرد ذاتاً كاملةً، بل مجرد امتدادٍ للانتماء، أو أداة للتعبئة، أو صوتاً يجب أن يتطابق مع ما تقوله الجماعة. لكن الجماعات التي تخاف من النقد لا تبني مستقبلاً حقيقياً، بل تؤجل فقط انهيارها. أما الجماعات التي تحترم فردها، فهي وحدها القادرة على تجديد نفسها من الداخل، وتحويل التنوع إلى قوةٍ استراتيجيّةٍ بدل أن يكون تهديداً داخلياً.
التشظي بوصفه عطباً في بنية المستقبل
الأخطر في الانقسام الكردي اليوم أنه لم يعد مجرد خلافٍ سياسيٍ عابر، بل تحول إلى عطبٍ عميقٍ في بنية المستقبل السياسي نفسه. عندما تتعدد المرجعيات، وتتنافس القوى على شرعية التمثيل، وتُختزل المطالب القومية في ولاءاتٍ حزبية، فإن كل مكسبٍ سياسيٍ يصبح هشاً، وكل إنجازٍ مؤقتاً، وكل حضورٍ تفاوضيٍ معرضٌ للانكسار عند أول أزمةٍ داخلية.
في جنوبي كردستان، يتجلى هذا بوضوح في ضعف القدرة على بلورة موقفٍ سياسيٍ موحّدٍ مستقرٍ أمام بغداد، وتعثر بناء مؤسساتٍ تملك ما يكفي من الانسجام والاستمرارية. وفي غربي كردستان، تبرز الصورة أكثر تعقيداً، حيث أدت الانقسامات الحزبية والتنازع على التمثيل إلى إضعاف القدرة على صياغة خطابٍ كرديٍ جامعٍ قادر من التفاوض مع القوى الفاعلة بوصفه شريكاً وليس كمجموعة أطرافٍ متفرقة. والنتيجة أن القضية، بدل أن تتقدم نحو ترسيخ مكتسباتها، تظل عالقةً بين الاعتراف الجزئي وتأجيلٍ متواصلٍ للحقوق الأساسية.
ولأن السياسة لا ترحم الفراغ، فإن هذا التشظي يفتح الباب أمام القوى الإقليمية والدولية لتجزئة المطالب، وإضعاف التمثيل، والتعامل مع الكرد كملفٍ قابلٍ للإدارة لا كفاعلٍ تاريخيٍ يملك مشروعاً واضحاً. وهنا لا يعود الانقسام مجرد خللٍ داخلي، بل يتحول إلى ضعفٍ استراتيجيٍ طويل الأمد.
من الولاء الأعمى إلى الوعي السياسي الناضج
إنّ المستقبل السياسي الكردي ليس مهدداً بسبب الاختلاف في ذاته، بل بسبب العجز عن تحويل هذا الاختلاف إلى صيغةٍ سياسيةٍ ناضجة. فالتعدد، في جوهره، ليس لعنةً؛ بل يمكن أن يكون مصدراً للثراء إذا نُظم ضمن أفقٍ مشترك. لكن حين يتحول إلى تناحرٍ، وحين يصبح الولاء للحزب أو الزعامة أو المنطقة أعلى من الولاء لفكرة المشروع، فإن الجماعة تبدأ في استنزاف نفسها من الداخل.
المطلوب اليوم ليس إلغاء التعدد، بل تحريره من منطق الاستنزاف. وليس المطلوب ذوبان الفرد في الجماعة، بل حماية حقه في أن يكون جزءاً حياً وفاعلاً فيها. لأن المستقبل السياسي لا يُصنع من أصواتٍ متشابهة، بل من وعيٍ قادرٍ على قبول التباين وتنظيمه وتحويله إلى قوةٍ تفاوضيةٍ وأخلاقية في آنٍ واحد.
ولذلك فإنه ما لم يتحول الوعي الكردي إلى وعيٍ نقديٍ بذاته، سيبقى المستقبل السياسي معلّقاً بين وعدٍ مؤجلٍ وخسارةٍ متجددة. فالقضية التي لا تُصالح بين فردها وجماعتها، وبين تنوعها ووحدتها، ستظل عرضةً للاستنزاف الداخلي، حتى لو ظلت حيةً في الخطاب السياسي. إنّ الأمم لا تُصنع من الذاكرة وحدها، بل من القدرة على تحويل الذاكرة إلى مشروع. ولا يُبنى المستقبل بالشعارات، بل بوعيٍ يعرف أن الانقسام ليس قدراً حتمياً حين يُفكّر فيه، لكنه يصبح كذلك حين يُطبّع ويُبرّر.
وهكذا يجب علينا الإيمان بأن لحظة الإنقاذ، إذا جاءت، فإنها لن تأتي من خارج هذا التشظي، بل من داخله: من فردٍ استعاد حقه في السؤال، ومن جماعةٍ أدركت أن قوتها لا تكمن في إلغاء اختلافها، بل في تنظيمه. عندها فقط، يمكن للقضية الكردية أن تنتقل من الدفاع عن الوجود إلى صناعة المعنى، ومن إدارة الانكسار إلى بناء أفقٍ جديد.